لم تكن أجراس الحادي عشر صباحاً في التاسع من يونيو/حزيران لترنّ هذا العام احتفاءً بذكرى تأسيس النقابة الموحدة للصحافيين اليمنيين قبل 36 عاماً، بل كانت تدق نواقيس خطر على مهنة باتت تودّع أنفاسها ببطء.
في اليوم الوطني للصحافة اليمنية، لا توجد قاعات احتفال أو بيانات تفاؤل، بل مكاتب مغلقة، وأرصفة شوارع يتجول فيها مراسلون سابقون يبحثون عن لقمة عيش بديلة، وزنازن معتمة تحبس أنفاس تسعة صحفيين لا يزالون رهن الاحتجاز.
بدأت خيوط هذه المأساة تنسج بشكل منهجي منذ سبتمبر 2014. لم يكن اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء مجرد تغيير في موازين القوى السياسية، بل كان نقطة التحول الفاصلة التي انغلقت فيها الأبواب بوجه الصحافة المستقلة.
بين عشية وضحاها، تحولت المؤسسات الإعلامية إلى منصات دعائية، ووجد الصحفيون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ترويض القلم لخدمة المشروع الأيديولوجي للجماعة، أو مواجهة شبح البطالة والتشريد.
مئات الأقلام أُسكتت، ومكاتب وسائل إعلام عربية ودولية أغلقت أبوابها إلى أجل غير مسمى، لتبدأ رحلة نزيف الكفاءات.
لكن الرصاصة والاعتقال لم يكونا السلاحين الوحيدين في هذه الحرب، فقد برز سلاح أفتك وأبطأ فتكاً، وصفته النقابة بـ "التجويع الممنهج".
تؤكد البيانات الرسمية أن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالحريات، موثقةً أكثر من ألفَي انتهاك شملت القتل، الاختطاف، الإخفاء القسري، التعذيب، والمحاكمات ذات الدوافع السياسية.
وفي ظل انقطاع الرواتب وغياب الضمانات الوظيفية، تحول الدفاع عن الاستقلال المهني إلى رفاهية مستحيلة.
الكفاءات التي راكمت خبرات عقود، تجد نفسها اليوم مجبرة على بيع مقتنياتها أو مغادرة المهنة نهائياً لمجرد تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية لأسرها.
وفي مفارقة صادمة تعكس عمق الانهيار المؤسسي، يمر اليوم الوطني للصحافة دون أي حراك نقابي حقيقي يلم الشمل.
فآخر مؤتمر عام للنقابة عُقد في عام 2009، تاركاً المهنة بلا غطاء حماية فعلي لأكثر من عقد ونصف، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الحقوقية بالإفراج الفوري عن الصحفيين.
لا يزال تسعة صحفيين يقبعون خلف القضبان، ثمانية منهم في سجون الحوثيين، بينما يضاف إليهم الصحفي "ناصح شاكر"، المعتقل لدى المجلس الانتقالي الجنوبي منذ نهاية عام 2023، في مؤشر خطير على أن انتهاك حرية الرأي لم يعد حكراً على طرف واحد.
وفي المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لم تكن النجاة مضمونة.
فشلت السلطات في استيعاب الأعداد الكبيرة من الصحفيين النازحين الذين فقدوا أعمالهم، وتعثرت عملية إعادة تشغيل المؤسسات الإعلامية الرسمية بصورة فاعلة، مما خلق فجوة عميقة في سوق العمل الإعلامي.
اليوم، تبدو الصحافة المطبوعة شبه غائبة عن المشهد، باستثناء عناوين محدودة جداً في العاصمة المؤقتة عدن وصحيفة حكومية واحدة.
وفي ظل هذا الفراغ المهني، يتصدر ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي المشهد، ليحلوا محل المؤسسات التقليدية في ظل غياب الرقابة والحماية.
وبين مناشدات متواصلة للحكومة بمعالجة الأوضاع المعيشية وصرف المستحقات المتأخرة، تبقى الصحافة اليمنية معلقة على حافة الهاوية، تنتظر من ينقذها من موت بطيء، ليس بالرصاص هذه المرة، بل بالصمت والجوع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news