على مدى السنوات الماضية، عملت مليشيات الحوثي على تحويل عدد من المناسبات الدينية والتاريخية إلى محطات سنوية للتعبئة الفكرية والسياسية، مستفيدة من سيطرتها على مؤسسات الدولة والمنابر التعليمية والإعلامية لترسيخ مفاهيم وأفكار تسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وفق رؤيتها الخاصة للحكم والسلطة.
وتبرز خرافة "عيد الغدير" أو ما يسمى بـ"عيد الولاية" بوصفه إحدى أكثر الخرافات التي تحظى باهتمام استثنائي لدى المليشيا الحوثية، حيث تتسع خلاله حملات الحشد والتعبئة، وتغطي فعالياته مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، في مشهد يراه مراقبون جزءاً من مشروع أيديولوجي متكامل يسعى إلى إضفاء مشروعية دينية على تصورات سياسية مرتبطة بالحكم والقيادة.
وتذهب العديد من القراءات السياسية والفكرية إلى أن الخطورة لا تكمن في الاحتفاء بالمناسبة بحد ذاتها، وإنما في الرسائل المصاحبة له، وما تحمله من مضامين تسعى إلى إعادة إنتاج مفاهيم الإمامة والولاية في الوعي العام، عبر ربط المشروعية السياسية بالانتماء السلالي، وإحاطة القيادة الحوثية بهالة دينية تتجاوز حدود العمل السياسي إلى دائرة التقديس.
ومن هنا تتجاوز المناسبة حدودها التاريخية والدينية لتصبح إحدى أهم أدوات المشروع الحوثي في إعادة إنتاج الأفكار المؤسسة للإمامة بصيغتها المعاصرة، عبر توظيف الرمزية الدينية في بناء الولاءات السياسية وتكريس مفاهيم الاصطفاء السلالي، في مسار يرى فيه مراقبون محاولة مستمرة لإعادة تشكيل وعي المجتمع وهويته السياسية بما يخدم مشروعاً يتعارض مع قيم الجمهورية والمواطنة المتساوية.
ومن خلال هذا التوظيف المنظم، تسعى مليشيا الحوثي إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق منظومة فكرية تقوم على التمييز بين فئة تدّعي لنفسها حق القيادة والوصاية، وأغلبية يُراد لها أن تقبل بهذا الواقع باعتباره امتداداً لعقيدة دينية لا خيار سياسياً قابلاً للنقاش، في تعارض واضح مع مبادئ الجمهورية والمواطنة المتساوية التي ناضل اليمنيون من أجل ترسيخها على مدى عقود.
الولاية في الفكر الإمامي الحوثي
تُعدّ مزاعم الولاية إحدى الركائز الفكرية الأساسية التي قامت عليها الإمامة التاريخية، والتي أعادت مليشيا الحوثي إحياءها وتوظيفها في مشروعها السياسي المعاصر، والتي تقوم على الادعاء بوجود نص إلهي ونبوي خاص يمنح علي بن أبي طالب حق القيادة والإمامة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الفكرة التي تطورت عبر قرون طويلة من التنظير الإمامي حتى تحولت إلى أساس أيديولوجي لتبرير احتكار السلطة وربطها بالانتماء السلالي.
ويُعد يحيى بن الحسين الرسي، مؤسس الإمامة الهادوية في اليمن، من أوائل من نظّروا لهذه الفكرة بصورة منظمة، حيث سعى إلى تأويل عدد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات ما اعتبره حقاً حصرياً لعلي بن أبي طالب وذريته في الإمامة والحكم، متجاوزاً مبدأ الشورى والاختيار الذي استقرت عليه التجربة السياسية الإسلامية المبكرة، ولم يكتفِ الرسي بإضفاء طابع ديني على هذه المزاعم، بل جعل الإيمان بالولاية جزءاً من البناء العقدي للإمامة، الأمر الذي مهد لظهور اتجاهات أكثر تشدداً ربطت بين الإيمان الديني والاعتقاد بأحقية السلالة في الحكم.
ومع تطور الفكر الإمامي، تحولت الولاية من قضية خلافية في تفسير بعض النصوص الدينية إلى نظرية سياسية متكاملة تقوم على مفهوم الاصطفاء السلالي. وقد لعب عدد من منظري الإمامة، ومن أبرزهم عبد الله بن حمزة، دوراً محورياً في ترسيخ هذا المفهوم، من خلال ربط الإمامة بالنسب الهاشمي واعتبار الحكم حقاً حصرياً لفئة محددة من المجتمع دون غيرها، وبذلك أصبحت خرافة الحق الإلهي في الحكم إحدى الدعائم المركزية للمشروع الإمامي عبر التاريخ.
وتستند هذه المزاعم بصورة رئيسية إلى روايات غدير خم، وعلى رأسها حديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، والذي تعاملت معه الأدبيات الإمامية باعتباره نصاً صريحاً في الإمامة والولاية السياسية، وقد أُلفت حول هذا الحديث عشرات المؤلفات والشروح في محاولة لإثبات هذه الدلالة، رغم استمرار الجدل الواسع حول معناه وسياقه التاريخي، وغياب أي نص صريح متفق عليه يثبت انتقال السلطة السياسية لعلي بن أبي طالب أو يقر مبدأ التوريث السياسي في ذريته.
ويظهر الامتداد المعاصر لهذا الإرث الإمامي بوضوح في خطابات مليشيا الحوثي وقادتها، فقد اعتبر بدر الدين الحوثي أن الاحتفال بما يسمى "يوم الغدير" يمثل إظهاراً لولاية علي بن أبي طالب، بينما كرّس مؤسس المليشيا حسين بدر الدين الحوثي، ومن بعده عبد الملك الحوثي، جزءاً كبيراً من خطابهم السياسي والديني للترويج لمفهوم الولاية وتقديمه باعتباره المدخل الصحيح لفهم الدين والتاريخ الإسلامي حسب زعمهم، حتى تحولت المناسبة في الخطاب الحوثي من حدث تاريخي محل خلاف إلى أداة سياسية وثقافية لإعادة إنتاج مفاهيم الاصطفاء السلالي والحق الحصري في القيادة والسلطة.
ومن خلال تتبع هذا المسار التاريخي والفكري، يتضح أن الولاية في الخطاب الحوثي تعد أداة أيديولوجية تُستخدم لإضفاء المشروعية على مشروع سياسي قائم على الامتياز السلالي، كما يجري توظيفها في التعبئة والحشد وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي بما يخدم إعادة إنتاج النموذج الإمامي التاريخي بنسخته الحوثية.
البوابة الفكرية لمزاعم الولاية
وهكذا تستند مليشيا الحوثي في احتفائها بما يسمى "عيد الغدير" إلى رواية تاريخية تتعلق بواقعة غدير خم، وهي الحادثة التي وقعت عقب حجة الوداع، والتي تعتبرها نصاً دينياً يؤسس لولاية الإمام علي بن أبي طالب ومن بعده من الأئمة المنتمين إلى نسله، ومن هذا التفسير تنطلق مليشيا الحوثي لبناء تصورها الخاص للسلطة، باعتبار الولاية امتداداً دينياً وتاريخياً لا يخضع لمعيار الاختيار الشعبي أو التنافس السياسي، وإنما لحق تزعم أنه ثابت وموروث عبر السلالة.
وعلى هذا الأساس، لا يُنظر إلى الغدير في الخطاب الحوثي بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتباره الركيزة الفكرية التي تقوم عليها نظرية الحكم ذاتها؛ فالمناسبة تُستحضر سنوياً لإعادة تأكيد مفاهيم الولاية والطاعة والاصطفاء لسلالتها وأحقيتها بالحكم، وإعادة ربط الحاضر السياسي برواية تاريخية يجري تقديمها باعتبارها مرجعية فوق إرادة المجتمع وخياراته السياسية.
وخلال العقود الماضية، انتقلت هذه الفكرة إلى مشروع سياسي متكامل، تجسد بصورة أوضح مع انقلاب مليشيا الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة، فبدلاً من أن تبقى الولاية مفهوماً فكريا محل نقاش واختلاف، تحولت إلى أداة لإنتاج الشرعية السياسية، وإلى أساس تُبنى عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفق رؤية تمنح فئة بعينها امتياز القيادة استناداً إلى النسب والانتساب السلالي.
ويرى مراقبون أن هذا التفسير لا يختلف في جوهره عن نظرية الحق الإلهي في الحكم التي عرفتها المجتمعات البشرية في عصور سابقة، حيث يجري إضفاء قداسة دينية على السلطة وتجريد المجتمع من حقه الطبيعي في اختيار من يحكمه ومحاسبته وتغييره، كما أن إعادة إحياء هذه المفاهيم تمثل محاولة للالتفاف على المبادئ التي قامت عليها الثورة اليمنية والجمهورية، والتي أسست لفكرة المواطنة المتساوية وحق الشعب في أن يكون مصدر السلطة ومالك القرار السياسي.
تفسير سياسي لا حقيقة دينية
وتدعم العديد من الدراسات والبحوث التاريخية هذا الطرح، إذ تذهب إلى أن ما يسمى بـ"عيد الغدير" لا يستند إلى أساس تاريخي أو شرعي يبرر تحويله إلى مناسبة لإضفاء المشروعية على مشاريع الحكم السلالي. وفي هذا السياق، تفند دراسة بعنوان "ولاية علي بن أبي طالب بين تزوير الإمامة والحقيقة التاريخية" للباحث اليمني توفيق السامعي، الرواية التي تستند إليها المليشيا الحوثية في ترويج مفهوم الولاية، معتبرة أن الإمامة عبر التاريخ اعتمدت على تأويلات وانتقائية للنصوص الدينية والأحداث التاريخية لتقديم الولاية باعتبارها وصية إلهية وحقاً حصرياً في الحكم.
وتشير الدراسة إلى أن الادعاء بوجود وصية نبوية لعلي بن أبي طالب بالخلافة لا يجد ما يسنده في المواقف الثابتة والمنقولة عن علي نفسه أو عن كبار الصحابة، لافتة إلى أن المصادر التاريخية والحديثية تتضمن روايات عديدة تنفي وجود عهد خاص أو وصية سياسية من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بشأن الحكم والخلافة، الأمر الذي يجعل من الولاية، وفق الدراسة، تفسيراً سياسياً لاحقاً أكثر من كونها حقيقة دينية أو تاريخية ثابتة.
كما تتبّعت الدراسة مسار تطور الفكرة في اليمن، موضحة أن الاحتفال بما يسمى عيد الغدير لم يكن معروفاً لدى أئمة الزيدية الأوائل ولا لدى مؤسس الإمامة الهادوية في اليمن، وإنما ظهر في فترات متأخرة متأثراً بأفكار وممارسات المذهب الاثنى عشري، وهو ما يضعف المزاعم التي تقدم هذه المناسبة باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث الديني والسياسي اليمني الممتد عبر القرون.
وترى الدراسة أن إحياء المليشيا الحوثية لهذه المناسبة لا يمكن فصله عن مشروعها السياسي القائم على إعادة إنتاج مفاهيم الولاية والاصطفاء السلالي، من خلال توظيف الرموز الدينية والتاريخية لإضفاء الشرعية على فكرة الحق الحصري في السلطة. ووفقاً لهذا التصور، تتحول المناسبة من حدث تاريخي محل خلاف إلى أداة تعبئة فكرية وسياسية تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ مفاهيم تتعارض مع مبادئ المواطنة المتساوية والنظام الجمهوري.
موسم للحشد السياسي
كما أسلفنا، تشكل فكرة الغدير في المشروع الحوثي واحدة من أهم الأدوات المستخدمة لإعادة إنتاج الخرافة التي تقوم عليها فكرة الولاية السلالية؛ فالمليشيا تتعامل مع المناسبة كمنصة سنوية لتكريس مزاعم الاصطفاء الإلهي وحق فئة بعينها في قيادة المجتمع والتصرف بمصيره استناداً إلى الانتماء السلالي لا إلى إرادة الناس أو مبدأ المواطنة المتساوية.
وتكشف الأدبيات الفكرية المؤسّسة للمليشيا، وفي مقدمتها ملازم الهالك حسين الحوثي، عن حضور مكثف لمفهوم الولاية باعتباره المدخل الرئيسي لفهم الدين والسياسة والحكم، حيث يقول في إحدى محاضراته: "ونحن عندما نحيي هذه الذكرى، عندما نحيي ذكرى إعلان ولاية الإمام علي فإننا نعلن أن الدين حسب مفهومنا ووفق رؤيتنا وعقيدتنا أنه دين ودولة، أن الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) لم يغادر هذه الحياة إلا بعد أن أعلن للأمة من الذي سيخلفه".
وفي موضع آخر قال، "أهمية ولاية الأمر في الإسلام إنها تشكل ضمانة لاستقامة الدين، وحيوية الدين، متى ما كان الدين قائماً، والدين حياً، تكون الأمة قائمة وحية، الأمة مربوطة بهذا الدين"، حسب زعمه. ومن خلال هذا الطرح يجري تصوير الولاية على أنها أصل من أصول الهداية وشرط لاستقامة الأمة، بينما يُقدَّم رفضها أو معارضتها باعتباره سبباً للضلال والانحراف، وبذلك تتحول قضية سياسية تتعلق بحق المجتمع في اختيار حكامه إلى مسألة عقائدية يُراد إخراجها من دائرة النقاش والاختيار الحر.
ولهذا لا يأتي الاحتفاء بالغدير كل عام باعتباره مناسبة دينية معزولة، بل كجزء من عملية تعبئة منظمة تستهدف إعادة غرس هذه المفاهيم في الوعي العام، فمن خلال الخطب والمحاضرات والأنشطة المدرسية والجامعية والفعاليات الجماهيرية والحملات الإعلامية، يجري الترويج لفكرة أن الولاية تمثل حقاً ثابتاً لا يجوز منازعته، وأن القيادة ليست شأناً يقرره الشعب، بل امتيازاً محصوراً في سلالة بعينها.
وفي هذا السياق، تتحول المناسبة إلى أداة لإضفاء القداسة على مشروع سياسي يسعى إلى إعادة إنتاج أنماط الحكم الإمامي التي ثار عليها اليمنيون قبل عقود، فبدلاً من الاحتكام إلى مبادئ الجمهورية والتداول السلمي للسلطة والمساواة بين المواطنين، يجري إحياء مفاهيم تقوم على التمييز بين الناس بحسب النسب، ومنح فئة محددة مكانة فوق المجتمع وحقوقاً سياسية لا يملكها غيرها.
ويؤكد مراقبون أن خطورة الغدير لا تكمن في المناسبة نفسها، بل في توظيفها المستمر كوسيلة للحشد والتعبئة وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، بما يخدم مشروعاً سياسياً يقوم على تكريس الامتياز السلالي وإضفاء المشروعية الدينية على السلطة، في محاولة لإعادة إنتاج أفكار تجاوزها اليمنيون بنضالهم الطويل من أجل الحرية والمواطنة المتساوية والدولة الجمهورية.
تعزيز الخطاب الطائفي
ويرى مراقبون سياسيون أن مليشيا الحوثي تواصل توظيف مناسبة ما يسمى بـ"يوم الغدير" خارج سياقها الديني والتاريخي، لتحويلها إلى منصة سنوية للتعبئة السياسية وترسيخ خطاب طائفي يقوم على فكرة "الولاية" بوصفها أساساً للحكم والاصطفاف، في إطار مشروعها الأيديولوجي في مناطق سيطرتها.
ويشير هؤلاء إلى أن إحياء المناسبة في خطاب المليشيا لا يقتصر على البعد الرمزي أو التاريخي، بل يتجاوزه إلى رسائل سياسية طائفية واضحة، تتضمن الدعوة إلى الإيمان بقيادتهم وربط ذلك بعلي بن أبي طالب، وتأكيد مفاهيم الطاعة والولاء السياسي، بما يعزز من حضورها في المشهد العام ويكرّس سلطتها في الواقع القائم.
ويستند هذا التوجه، بحسب باحثين، إلى الأدبيات الفكرية لمؤسس المليشيا الهالك حسين الحوثي، الذي قدّم مفهوم "الولاية" باعتباره إطاراً شاملاً للقيادة والحكم، وهو ما انعكس لاحقاً في الخطاب السياسي لزعيم المليشيات عبد الملك الحوثي خلال خطاباته في المناسبات الطائفية المختلفة، بما فيها يوم الغدير.
كما يرى محللون أن خطابات عبد الملك الحوثي في هذه المناسبة تتضمن مضامين سياسية وعسكرية مرتبطة بالصراع الداخلي والإقليمي، إلى جانب استحضار العناوين العقائدية، الأمر الذي يجعل من المناسبة إحدى أبرز محطات التعبئة الفكرية والسياسية للمليشيا سنوياً.
ويذهب مراقبون إلى أن هذا النمط من التوظيف يسهم في تعميق الاستقطاب المذهبي داخل المجتمع اليمني، ويحوّل المناسبات الدينية إلى أدوات لتعزيز النفوذ السياسي، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول انعكاساته على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي في البلاد.
دعوات لمواجهة خرافة الغدير والولاية
وفي تحذير رسمي من خرافة الغدير والولاية، دعت وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية إلى تكثيف الجهود التوعوية لمواجهة ما وصفتها بـ"الأفكار السلالية والعنصرية والخرافات” التي تروّج لها مليشيا الحوثي المصنفة إرهابية، بالتزامن مع ما يُسمى بـ”يوم الغدير".
وشددت الوزارة في تعميم لها وجهته إلى مديري مكاتب الأوقاف في المحافظات، والعلماء والخطباء والدعاة والمرشدين، على ضرورة توضيح خطورة هذه الأفكار وآثارها السلبية على الدين والوطن، عبر خطب الجمعة والدروس والمحاضرات والندوات ووسائل الإعلام المختلفة.
ووفق التعميم، فإن “المعتقدات التي تروّج لها مليشيا الحوثي والسلاليون ومن على شاكلتهم، بالتزامن مع الثامن عشر من ذي الحجة، تحت مسميات دينية أو تاريخية، تتعارض مع مبادئ الإسلام وقيم الدولة الحديثة القائمة على المساواة والعدالة والشراكة بين جميع المواطنين.
وأضافت الوزارة: "الإسلام جعل معيار التفاضل بين الناس هو التقوى والعمل الصالح، وأن كل دعوة تقوم على التمييز بين البشر أو ادعاء الامتياز على أساس النسب أو السلالة تُعد مخالفة صريحة لمقاصد الشريعة وقيمها العادلة".
وأوضحت أن هذه الأفكار أسهمت عبر التاريخ في تأجيج الصراعات وإثارة الانقسامات وإضعاف روح المواطنة المتساوية، التي تُعد أساس استقرار المجتمعات وتماسكها.
كما دعت وزارة الأوقاف اليمنية الدعاة والمرشدين إلى ترسيخ قيم الأخوة الإسلامية والوحدة الوطنية والمساواة بين أبناء الشعب الواحد، وإبراز الدور الحضاري والتاريخي لليمنيين وإسهاماتهم في خدمة الإسلام والعلم والحضارة الإنسانية، بعيداً عن دعاوى الاصطفاء والاحتكار والاستعلاء.
تعزيز الانقسام الاجتماعي
ويثير هذا النمط من التوظيف انعكاسات أعمق تتجاوز حدود الجدل الفكري، ليطال بنية الهوية الوطنية ذاتها في اليمن، حيث يرى منتقدون أن الإصرار على إعادة إنتاج مفاهيم الولاية والاصطفاء في المجال العام يسهم في تفكيك فكرة المواطنة الجامعة، ويُعيد صياغة الانتماء الوطني على أسس فرعية مرتبطة بالنسب والولاء، بدلاً من الانتماء للدولة ومؤسساتها الجامعة.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الآثار والمخاطر على البعد الرمزي للهوية الوطنية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والعلاقات بين مكونات المجتمع، حيث يؤدي تكريس خطاب الامتياز السلالي إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بصورة أكثر حدّة، ويغذي حالة من الاستقطاب بين فئات تُمنح شرعية رمزية وأخرى يُعاد تعريف دورها في إطار الطاعة أو التبعية.
كما ينعكس التوظيف الحوثي لهذه الخرافات بشكل مباشر على النقاش المتعلق بطبيعة الدولة اليمنية، إذ يبرز تناقض واضح بين نموذجين متعارضين: نموذج يقوم على فكرة الدولة المدنية الحديثة التي تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية، ونموذج آخر يستند إلى مرجعيات دينية أو سلالية تمنح فئة محددة حقاً مميزاً في الحكم والقيادة.
وبين هذين التصورين تتسع الفجوة في الرؤية حول مستقبل الدولة اليمنية، حيث يصبح النقاش حول الحكم ليس مجرد خلاف سياسي، بل صراعاً على تعريف الدولة نفسها: هل هي كيان يقوم على الشراكة المتساوية بين المواطنين، أم بنية تُدار وفق سرديات تاريخي تفاضل بين فئات المجتمع على أساس الانتماء والسلالة؟
خرافة الغدير ومزاعم الولاية.. من واقعة تاريخية إلى أداة حوثية للحشد السياسي والتعبئة الطائفية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news