صياد في جزيرة سقطرى
السابق
التالى
من يونيو إلى سبتمبر... سقطرى تخوض معركة البقاء في وجه الرياح والعزلة
السياسية
-
منذ 3 دقائق
مشاركة
سقطرى، نيوزيمن، تقرير خاص:
مع حلول شهر يونيو من كل عام، تدخل جزيرة سقطرى مرحلة استثنائية من التحديات والمعاناة مع بدء موسم الرياح الموسمية العاتية، الذي يستمر حتى سبتمبر، ليحول الأرخبيل اليمني الفريد إلى جزيرة شبه معزولة عن العالم، ويضع سكانه أمام اختبار سنوي قاسٍ تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية والخدمية.
وتعد هذه الفترة من أصعب المواسم التي تمر بها الجزيرة، حيث تتجاوز سرعة الرياح في بعض الأحيان 40 عقدة بحرية، فيما ترتفع الأمواج إلى مستويات تجعل الملاحة البحرية شبه مستحيلة، الأمر الذي يؤدي إلى توقف حركة السفن وإغلاق الميناء الرئيسي لفترات طويلة، نتيجة غياب الحواجز البحرية الكفيلة بحماية السفن وتأمين عمليات الرسو والمغادرة.
عزلة تتكرر كل عام
ولا تتوقف آثار موسم الرياح عند حدود البحر، بل تمتد إلى المجال الجوي، إذ تصبح الرحلات الجوية محدودة للغاية، بينما تقفز أسعار التذاكر إلى مستويات تفوق قدرة معظم السكان، ما يجعل السفر للعلاج أو الدراسة أو حتى للحالات الإنسانية الطارئة مهمة شاقة ومكلفة.
وبينما يترقب أبناء الجزيرة انتهاء الموسم كل عام، تتجدد الأسئلة ذاتها حول أسباب غياب المعالجات الدائمة لأزمة باتت معروفة مسبقاً وتضرب سقطرى بصورة دورية ومنتظمة.
الصيد يتوقف.. والاقتصاد يتعثر
اقتصادياً، يمثل موسم الرياح ضربة موجعة لآلاف الأسر السقطرية التي تعتمد بصورة مباشرة على مهنة الصيد البحري كمصدر رئيسي للدخل. فمع اشتداد الرياح وهيجان البحر يتوقف الصيادون عن ممارسة أعمالهم بالكامل، في حالة يصفها السكان محلياً بـ"موسم المِدّة" أو "الحَرْف"، وهي تسميات شعبية تعكس حالة الإغلاق التي تفرضها الطبيعة على النشاط البحري.
ويؤدي هذا التوقف إلى تراجع كبير في حركة الأسواق والدخل المحلي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والمحروقات نتيجة صعوبة وصول الإمدادات إلى الجزيرة، الأمر الذي يضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين.
يقول سكان محليون إن الأزمة تتفاقم بفعل ضعف الرقابة على الأسواق، حيث تشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعات متسارعة، وسط شكاوى من ممارسات احتكارية تزيد من معاناة المواطنين الذين يواجهون أصلاً تداعيات تدهور العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وجه آخر للموسم
ورغم الصورة القاسية التي يرسمها موسم الرياح على السواحل الشمالية للجزيرة، إلا أن المناطق الجنوبية والمرتفعات الوسطى، مثل دكسم وحجهر، تعيش أجواء مختلفة تتسم بالبرودة والضباب الكثيف والأمطار الموسمية المتفرقة، لتتحول المرتفعات إلى لوحة طبيعية فريدة تجذب الأنظار.
غير أن جمال المشهد الطبيعي لا يخفي حقيقة أن البحر يبقى في حالة هيجان مستمرة خلال هذه الفترة، وهو ما يدفع السكان إلى إطلاق اسم "دُومَر" عليه، في إشارة إلى غضب البحر واستحالة تحرك القوارب والسفن الصغيرة.
حلول غائبة ومعاناة مستمرة
ورغم أن موسم الرياح يعد ظاهرة موسمية معروفة ومتوقعة، إلا أن السكان يؤكدون أن المعالجات الاستراتيجية ما تزال غائبة، سواء من خلال إنشاء حواجز بحرية للميناء، أو توفير مخزون استراتيجي من السلع الأساسية قبل بدء الموسم، أو دعم النقل الجوي بأسعار مناسبة تضمن استمرار حركة السفر والتنقل.
ويطالب أبناء سقطرى الجهات المعنية باتخاذ خطوات عملية للحد من آثار العزلة الموسمية، مؤكدين أن استمرار الأوضاع الحالية يفاقم معدلات الفقر والبطالة ويزيد من هشاشة الوضع المعيشي في الجزيرة.
اختبار سنوي للصمود
لم يعد موسم الرياح في سقطرى مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحول إلى عنوان لمعاناة متكررة يعيشها السكان عاماً بعد آخر. فبين بحر هائج، وميناء مغلق، ورحلات محدودة، وأسعار تتصاعد باستمرار، يجد أبناء الأرخبيل أنفسهم في مواجهة عزلة قسرية تفرضها الطبيعة، بينما تبقى الحلول المؤسسية المؤجلة الحلقة الأضعف في معادلة تتكرر كل صيف.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تظل سقطرى - بما تمثله من أهمية بيئية واستراتيجية عالمية - بحاجة إلى رؤية تنموية حقيقية تضع حداً لمعاناة سكانها، وتحول موسم الرياح من مصدر للأزمات إلى تحدٍ يمكن التعايش معه بأقل الخسائر الممكنة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news