لم يكن ما أصاب اليمن يومًا نتيجة فقرٍ في موارده، ولا ضعفٍ في تاريخه، ولا قصورٍ في موقعه الاستراتيجي، بل كان – ولا يزال – نتيجة مباشرة لخيانة الداخل قبل أي شيء آخر. فحين تتكاثر الخيانات، تصبح الأوطان مجرد ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
اليوم، يقف اليمن نموذجًا صارخًا لتشظي الولاءات. جماعة الحوثي ارتهنت لإيران، فربطت قرارها الوطني بأجندة خارجية لا ترى في اليمن سوى ورقة ضغط. وفي المقابل، ارتمت الشرعية في حضن السعودية، فاقدة جزءًا كبيرًا من استقلال قرارها، بينما اختار المجلس الانتقالي طريق الارتهان للإمارات، مقدمًا حساباته السياسية على حساب وحدة الموقف الوطني.
أما جماعة الإخوان، فقد وجدت نفسها ضمن محور آخر، مرتبط بقطر وتركيا، في مشهد يعكس تعدد الوصايات وتضارب المشاريع. وحتى الحراك الجنوبي، الذي وُلد من رحم المعاناة، لم يسلم من الانقسام، فتوزعت مكوناته بين هذه المحاور، حتى أصبح الصوت الواحد أصواتًا متنافرة، كلٌ يغني على لحن داعمه.
وسط هذا التشظي، تضيع الحقيقة البسيطة: أن اليمن، لو توحدت إرادته، لكان من أغنى وأقوى دول المنطقة. بلد يمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وإرثًا حضاريًا ضاربًا في عمق التاريخ، وثروات طبيعية وبشرية قادرة على صناعة نهضة حقيقية. لكنه، للأسف، تحوّل إلى “جوهرة” وقعت في يد من لا يدرك قيمتها، أو لا يريد لها أن تلمع.
المشكلة ليست في الخارج وحده، بل في قابلية الداخل للاختراق. حين يصبح الولاء للخارج بديلاً عن الولاء للوطن، تنهار كل المعادلات، وتتحول السيادة إلى شعار فارغ. وما لم يدرك الجميع أن استمرار هذا المسار يعني نهاية ما تبقى من الدولة، فإن اليمن سيظل يدفع ثمن هذه الخيانات المتراكمة.
إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات، بل إلى مراجعة شجاعة تعيد تعريف الأولويات. فإما أن يتوحد اليمنيون حول مشروع وطني جامع، أو يظل وطنهم رهينة لمشاريع الآخرين.
وفي المحصلة، لا يمكن لأي بلد أن يُهزم من الخارج ما لم يُهزم أولًا من الداخل… وهذه هي الحكاية التي لم نتعلم درسها بعد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news