تكشف الفجوة المتسعة بين الجهاز المصرفي الرسمي وشركات الصرافة عن عجز السياسات النقدية التقليدية عن إعادة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من انكماش تراكمي بنسبة 43%.
آ
على الورق، تبدو أزمة السيولة التي تخنق الاقتصاد اليمني وكأنها نقص حاد في الأوراق النقدية.
لكن في الواقع، تكمن المشكلة في مكان آخر.. فجوة متسعة بين الجهاز المصرفي الرسمي والسوق الموازية، حيث تراكمت السيولة خارج البنوك بفعل انعدام الثقة وغياب الحوافز، مما شلّ فاعلية السياسات النقدية التقليدية.
وتكشف هذه الديناميكية عن عجز البنك المركزي اليمني عن معالجة جذور الأزمة، في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد من انكماش حاد ومطول.
وبحسب بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط اليمنية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 43% خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025، لتتجاوز الخسائر التراكمية 126 مليار دولار.
هروب من المصارف إلى الصرافة
ويقول رشيد الآنسي، الخبير الاقتصادي، إن توصيف الأزمة بأنه "نقص في النقد" ليس دقيقاً. فالأوراق النقدية متوافرة وتُتداول بكثافة في الأسواق، لكن العجز يكمن في فشل البنوك في استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.
ويُرجع الآنسي ذلك إلى أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية قلصت من جاذبية المصارف.
فبينما تفرض البنوك سقوفاً منخفضة للتحويلات وساعات عمل محدودة، توفر شركات الصرافة مرونة وسرعة أكبر، مما دفع شريحة واسعة من التجار والأفراد إلى تحويل معاملاتهم خارج المظلة المصرفية.
تشظي مؤسسي واقتصاد موازٍ
وتتجاوز الأزمة الأدوات الفنية لتطال البنية المؤسسية نفسها. يشير عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي، إلى افتقار السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة، مثل شهادات الإيداع ذات العوائد المجزية، لاستقطاب السيولة المكتنزة.
كما أدى الانقسام النقدي والمؤسسي الناتج عن الحرب إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.
ورغم استبعاد المساجدي تأثيراً مباشراً لممارسات جماعة الحوثي على الأزمة في مناطق الحكومة الشرعية، إلا أنه نبه إلى أن الجماعة أسهمت في خلق "اقتصاد موازٍ" يعتمد على التعاملات غير المصرفية، مما أجبر السياسة النقدية على العمل في بيئة مشوهة.
وتتزامن هذه الأزمة مع مخاوف متصاعدة من تأثيرات النزاعات الإقليمية على الأمن الغذائي.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مؤخراً مع البنوك المحلية وبرنامج الأغذية العالمي.
إجراءات تقليدية في بيئة غير تقليدية
وفي محاولة لامتصاص الأزمة، اتخذ البنك المركزي إجراءات شملت رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد.
لكن المراقبين يرون أن هذه الإجراءات محدودة الفعالية ما لم تترافق مع إصلاحات هيكلية أعمق.
ويوضح الآنسي أن رفع الفائدة لن يحقق الهدف المنشود ما دام البنك المركزي يسيطر فعلياً على جزء محدود فقط من الكتلة النقدية، بينما تتسرب النسبة الأكبر نحو المضاربة بالعملة الأجنبية أو التحويل إلى الخارج.
كما يدعو إلى مراجعة السياسات المتعلقة بتمويل الواردات، وتخفيف الضغط على المستوردين بتعديل قرار يلزمهم بتوريد 100% من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية.
خارطة طريق للإصلاح الهيكلي
لمواجهة هذا الاختناق، يطرح اقتصاديون حزمة من الإصلاحات الهيكلية التي تتجاوز التعديلات على أسعار الفائدة.
ويدعو عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي، إلى تدقيق القوائم الوظيفية لإزالة الأسماء الوهمية والازدواجية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر للحد من الاعتماد على النقد.
كما تشمل الحلول المقترحة دمج جزء من شركات الصرافة في النظام المصرفي الرسمي، وتوسيع استخدام المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ومعالجة ثغرات التهرب الضريبي التي تستنزف الإيرادات العامة.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة السيولة في اليمن مجرد نقص في الأوراق النقدية، بل تحولت إلى أزمة ثقة وإدارة مالية.
ومع بقاء كتل نقدية ضخمة حبيسة الاقتصاد الموازي، فإن أي تعافٍ حقيقي بات مرهوناً بإصلاحات مؤسسية عميقة تعيد بناء الجسور بين المصارف والمودعين، وتتجاوز بكثير مجرد التعديلات النقدية السطحية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news