في 17 نوفمبر تشرين الثاني من العام 2016م، أوقفت نقطة أمنية لقوات الحزام الأمني “تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي” في ذلك الحين، بدوار -الكراع- شمالي عدن، القيادي بالمقاومة الشعبية “عادل حداد” قبل أن تقتاده إلى جهة مجهولة، والذي كان يقود باص نوع (NOHA) رصاصي اللون.
خرج من منزله الكائن بحي “الطويلة” بمدينة كريتر، على أمل العودة إلى منزله، لكنه لم يعلم أنه لن يعود إلى أطفاله للعام العاشر على التوالي، مرت الأيام وكل يوم يمر والحنين يزداد لدى أسرته والشوق معه.
خرجت زوجته “أروى فضل” بلا حيلة تبحث عنه في الاتجاهات الأربعة؛ لكنها التقطت ذاتها بعد شهرين عندما حصلت على أنباء تفيد بأن زوجها بسجن المنصورة، كانت فرحتها مؤقتة عندما عرفت مكانه، لكن قيل لها عن طريقة صديقتها التي تبحث هي الأخرى عن زوجها المخفي، بأن “زوجك مطلوب للتحالف للتحقيق” وتعني “الإمارات”.
كان يعتقد شقيقه الأكبر، “خالد حداد” أن بمقدوره استجداء الانتقالي والإمارات على حدٍ سواء، من خلال جمع "إمضاءات" الأهالي على ورقٍ تطالبهم بإطلاق شقيقه لما له من دورٍ في المقاومة الشعبية إبان الدفاع عن عدن وتحريرها من الحوثيين، لكن الرجل لم تسعفه أقدامه على الوقوف عندما سمع أخبارًا -لا يعلم صحتها- تفيد بأنهم قد قطعوا لشقيقه “عادل” أرجله، مات خالد على إثر تلك الأخبار بسكتة قلبية في 25 مارس آذار من العام 2017م.
بقيت زوجة المخفي “عادل حداد” كأخر عناقيد الأمل لزوجها؛ وطرقت أبواب السجون ما ظهر منها وما بطن، لكنها كالمعتاد تسمع نفس الإجابة: "زوجك مش عندنا” ترجع إلى البيت ظهرًا والدمع بعينيها مكسورة الطرف وتجر أذيال الخيبة وهي التي أخبرت أبنائها في الصباح أنها ستذهب للبحث عن أبوهم في بلاد مخفية قسرًا.
لم يقتصر البحث على الزوجة، فمدت الأم “سعيدة عبدالله” 70 عامًا يدها وسارت مع كنتها للبحث عن ابنها عادل كإبرة تاهت في القش، وبلا كلل بحثت عن ابنها وطافت الأزقة الضيقة والشوارع الفاحمة لكن بلا جدوى، أصيبت معها بنزيف في الدماغ وهي تخشى أن تموت قبل أن ترى ابنها المُغيب في السجون السرية التي أنشئها الإمارات بلا تهمة.
في زحمة البحث، قيل لزوجته “أروى فضل -39- عامًا”، وهي لم تنه دراستها الجامعية: في العام 2017م؛ “لماذا لا تذهب إلى رابطة أمهات المختطفين”، وذلك للبحث سويًا، حتى أصبحت عضوة في الرابطة، التي تؤم أهالي المُغيبين في السجون السرية بعدن، أروى التي تزوجت في العام 2005م، كانت تحلم بمواصلة الدراسة الجامعية، وقادها البحث عن زوجها إلى أن أصبحت أهم الحقوقيات بعدن من خلال الدورات التأهيلية والبحث في المجال نفسه.
بحثت عن زوجها بلا بوصلة، سارت بلا حوافير تقيها من أشواك الحياة، وهي تبحث عن زوجها أناء الليل وأطراف النهار، تعرضت للتهديد والابتزاز من هواتف مجهولة لثنيها عن البحث عن زوجها -حسب قولها- وتأبطت ملفاً يضم في جوفه أوراقاً عن زوجها: “بطاقة شخصية وبلاغات الشرطة، وزعت منه نسخ للمنظمات والمؤسسات العاملة في الجانب الحقوقي عل ثمة معجره تأتيها بزوجها المخفي.
عادل حداد “45” عامًا والموظف بمالية وزارة الدفاع -حسب تأكيد أسرته- لم تشفع له إصابته في الحرب وهو المصاب “بشظايا” في اليد والصدر والرجل جرى الحرب التي شهدتها عدن في 2015م رؤية النور، وتتابع زوجته: “ذهبت إلى سجن بير أحمد- غرب عدن- في 2017 بعد إنشاءه وهناك تأكدت أن زوجي الذي أبحث عنه تم إيداعه بين أسرى حوثيين؛ وكانوا يمنعون المنظمات الدولية الدخول حيث زوجي بحجة أن هؤلاء أسرى حرب”.
وتتأتئ بالقول والدموع تمطر من عيناها الغائرتين، لقد رأيت باص زوجي في أروقة السجن.. لقد رأيته!.. تتوقف عن الكلام هنيهة، تبكي، أتوقف عن الكتابة.. تستأنف مأساتها بصوت أعياه التعب مُؤكدةً أن زوجها أقرب إليها من حبل الوريد، مكانه معروف لكنها لا تستطيع الوصول إليه، فجدران السجن غليظة كالسجان نفسه، وتتمتم: “يا ترى هل "عادل" مازال يتعاطى أدوية القلب في الصباح والمساء.. هل يشرب أدوية الضغط..؟ تساؤلات لا تنته.
عادت إلى “سجن بير أحمد” حيث المصفدين قلوبهم، لكنها هذه المرة، أُخبرت بأن الإماراتيين نقلوا زوجها إلى الإمارات؛ لا أحد يعلم بقدر الوجع الذي تعيشه المرأة التي تحدت الريح وسارت وحيدة حيث لا عكاكيز باحثة عن زوجها؛ ورجعت إلى أطفالها الذين سرقهم الألم هم الأخرين، ”يا له من زمن قاس حد الفولاذ وقاتم حد الليل".
انقطعت أخبار زوجها لكن أروى فضل تُحاكي صلابة المرأة اليمنية التي لا تنحن للعاصفة وشاركت في جميع الوقفات الاحتجاجية، كان زوجها عادل حداد حاضر في تلك الصورة التي ترفعها كما لو كانت مُشجعة في مدرجات ملاعب كرة القدم، وقفت تطالب بالكشف عن زوجها مع جيش من المكلومين أمام بوابة قصر معاشيق ووزارة حقوق الإنسان وساحة العُروض وبيت وزير الداخلية وإدارة الأمن وبيت شلال (مدير الأمن السابق بعدن)، وقاعدة وضاح، ومعسكر التحالف والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والصليب الأحمر واللجنة الدولية لحقوق الإنسان ومكتب النائب العام والمنظمات الدولية.
الأسرة التي تعيش على راتب الأب “58” ألف ريال يمني أي ما يعادل “36$” لا يف بتلبية متطلبات الحياة لأسرة يبلغ عدد أفرادها ثمانية: “4‘‘ أبناء و“3‘‘ بنات بالإضافة للأم أروى، ليترك معها الأبن الأكبر “وفي” المدرسة والذي كان في الصف التاسع و شقيقه “ناظم” والذي كان في الصف السابع هو الأخر ليذهبا إلى العمل مُبكرًا في محاولة منهما لتوفير احتياجات البيت إلى حين اليوم الموعود “عودة أباهم”.
بينما كان “وفي عادل حداد” يعمل في "الأشغال العضلية" سقط ليودع الحياة عن عمر ’’25عامًا” لم تحتمل الأسرة وجعين في أنٍ واحدٍ لكنه قدر البيوت اليمنية الذي لا مفر منه؛ مات وفي قبل أن ير والده، وهو أكبر أخوته، ذهب إلى الله قبل أن يحتضنه ولده، لتخبئ الأسرة في ذاكراتها فصول من الوجع.
قررت الأسرة اتخاذ عدد من القرارات التي تبعدها عن الحزن، فأخفت الأم أروى من سفرة الطعام الكباب كي لا تذكرهم بأبيهم المخفي، كون ثمة أكلات بقدر لذتها بقدر ما تذكرهم بمرارة الفقد وكمد الحنين، كما أن الأسرة لا تحتفل بالأعياد ولا المناسبات لأنها تذكرهم بأبيهم كما هو الحال لـ "رهف" تلك الفتاة التي لا تر في هذا الكون جمالاً بقدر أبيها الذي غاب عنها وهي في ست أعوام واضحت الآن ابنة 15 ربيعاً بلا ورد.
جعل أبناء المخفي عادل حداد، كلية الحقوق رغبتهم وقبلتهم للدراسة لأن قضية والدهم شدتهم للدفاع عن المظلومين الذين تقطعت بهم السُبل، كما تقول الأسرة، ومع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي “رشاد العليمي” في 12 يناير/ كانون الثاني من العام الجاري بإغلاق السجون غير القانونية في عدد من المحافظات اليمنية، استبشرت معها زوجة المخفي العدني "حداد" علّ الدولة ستأتيها بزوجها مع أول قرار رسمي جري من شأنه إغلاق جرح مُضمد بالملح تجرع معه اليمنيين مرارة الحياة لعشر سنوات ماضية.
وتقدر زوجة المخفي حداد والحقوقية "أروى فضل" وهي عضو رابطة أمهات المختطفين -غير حكومية- أن أعداد المخفيين الموثقة “62” فيما يقدر العدد الإجمالي والذين لم يوثقوا ملفاتهم قرابة “300” تقريبًا في عدن وحدها، وفتح خروج الإمارات من اليمن وانحسار سيطرة الانتقالي على المحافظات اليمنية الجنوبية الباب أمام مطالبة الكثير من أهالي المخفيين بالكشف عن مصير أبنائهم في عدن وأبين وشبوة وحضرموت.
كالمعتاد وقفت "أروى" متشبثة بصورة زوجها لكن هذه المرة على مرمى حجر من قصر معاشيق، ضمن وقفة احتجاجية نفذتها رابطة أمهات المختطفين في 16 فبراير من العام الجاري مطالبة بكشف مصير المختطفين، فيما التقى وفد من الرابطة -بينها زوجة حداد- بعضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء محمود الصبيحي والذي وعدهم بدوره بمتابعة قضية المختطفين والمخفيين؛ فيما تتخوف أمهات المخفيين من مصير أبنائها خاصة مع ظهور عدد من السجون السرية فارغة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news