نعى رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، ببالغ الحزن والأسى، رئيس الجمهورية الأسبق، المشير الركن عبدربه منصور هادي، في شهادة سياسية وإنسانية مطولة كشفت لأول مرة عن تفاصيل وأسرار بالغة الأهمية من كواليس إدارة الدولة ومؤتمر الحوار الوطني الشامل.
ووصف بن مبارك رحيل المشير هادي بأنه خسارة لرجل دولة حمل في واحدة من أخطر اللحظات التاريخية مشروعاً وطنياً كاملاً، مؤكداً أن التاريخ العادل سينصف رجلاً حاول، في ظروف شبه مستحيلة، منع سقوط اليمن الكامل في الفوضى والارتهان.
وكشف بن مبارك، الذي عمل لسنوات طويلة قريباً من دائرة القرار والملفات الخارجية، عن امتلاك هادي لرؤية استراتيجية مبكرة تجاوزت حدود اللحظة السياسية اليومية، مستشهداً بوقائع محددة:
منبر الأمم المتحدة:
تذكر بن مبارك تحذيرات الرئيس هادي المبكرة والموثقة منذ عام 2012م من خطورة التمدد والمشروع الإيراني في اليمن والمنطقة.
خنق الملاحة الدولية:
نبّه هادي المجتمع الدولي مبكراً من أن سيطرة إيران على اليمن والبحر الأحمر، بالتوازي مع نفوذها في مضيق هرمز، سيمنح طهران قدرة هائلة على تهديد المصالح الدولية وخنق شريان التجارة والطاقة العالمي، وهو ما يشهده العالم اليوم حرفياً عقب سنوات من التصعيد في باب المندب.
وثيقة تاريخية: مسابقة الزمن لإنجاز الدستور "قبل الاغتيال"
وكشف بن مبارك عن جملة تاريخية قالها له الرئيس الراحل وهو يتابع بقلق تعثر إنجاز مسودة مشروع الدستور الجديد، في ظل إدراكه لحجم الأخطار ومحاولات الاغتيال المتعددة التي استهدفته شخصياً من قِبل القوى التي ترى في مشروع الدولة تهديداً لها.
ونقل بن مبارك عن هادي قوله نصاً:
"يجب أن ننجز الدستور في أقرب فرصة ممكنة قبل أن أُقتل… أريد أن يبقى لليمنيين مشروع مجسد بأيديهم يدافعون عنه".
وأوضح بن مبارك أن هذه الكلمات لم تكن تعبيراً عابراً عن خوف شخصي، بل عكست إدراك رجل مستعد لدفع حياته ثمناً لمنح اليمنيين فرصة أخيرة للعبور نحو الدولة الاتحادية المستقرة.
البكاء خوفاً على ضياع الحوار.. والتسامح في عالم السياسة
واستعرض رئيس الوزراء السابق ملامح من شخصية هادي الإنسانية وإدارته للملفات الداخلية الحرجة:
البكاء على الفرصة الأخيرة:
أكد بن مبارك أنه رأى هادي خلال فترة مؤتمر الحوار الوطني يتألم بصدق إلى حد البكاء في بعض اللحظات، خوفاً من ضياع فرصة انتشال اليمن من دوامة الصراعات التاريخية، مما دفعه لفتح أبواب الحوار والتقارب حتى مع أشد خصومه السياسيين إيماناً منه بأن اليمن لا يُبنى بالإقصاء بل بالتسويات الكبرى.
التسامح النادر والتجريح:
وصف الراحل بأنه كان رجلاً متسامحاً بصورة نادرة في عالم السياسة، ذا قلب رحيم لا يحمل الضغائن ولا يبحث عن تصفية الحسابات، رغم كل ما تعرض له من إساءات بالغة وتجريح وخذلان من الحلفاء والخصوم على حد سواء، مؤكداً ترفّعه التام عن المعارك الإعلامية الصغيرة أو الخطابات الشعبوية.
مرثية الابن لـ "أب وقائد"
واختتم الدكتور أحمد عوض بن مبارك رثاءه بلمسة وجدانية شخصية، معبراً عن فداحة الخسارة على المستوى الشخصي: "لقد فقدت برحيله رجلاً كان بالنسبة لي أباً وقائداً وإنساناً تعلمت منه الكثير، وشاهدت معه عن قرب لحظات الأمل والانكسار، والانتصارات الصغيرة، والخذلان الكبير"، مبتهلاً إلى الله العلي القدير أن يتغمد المشير هادي بواسع رحمته وغفرانه، وأن يجزه خير الجزاء عما قدمه لوطنه وشعبه، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news