تراهن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على قطاع النقل بوصفه ركيزة أساسية لإنعاش اقتصاد يتعثر منذ أكثر من عقد من الزمن، في ظل خسائر فادحة لحقت بالمطارات والموانئ والشبكة الطرقية بفعل الحرب الممتدة.
وفي تصريح صحفي، أكد وزير النقل اليمني محسن العمري أن إعادة بناء هذا القطاع «تتطلّب موارد ضخمة وإمكانيات كبيرة واستثمارات حقيقية، فضلاً عن شراكات فاعلة مع المانحين والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص»، مشيراً إلى أن وزارته تعمل وفق رؤية مرحلية تستهدف توسيع القدرة التشغيلية للمطارات وربط المحافظات اليمنية بالمحيطَيْن الإقليمي والدولي.
وأوضح العمري أن الخطط الحكومية تشمل تطوير ميناءين استراتيجيين على بحر العرب، بهدف تحسين الخدمات اللوجستية ودعم التجارة البحرية وربط المناطق الساحلية بمسارات التجارة الدولية، فيما تكتفي الجماعة الحوثية بتقدير خسائر القطاع دون الاعتراف بمسؤوليتها عن التدمير الذي لحق به.
وأشار الوزير إلى أن الخسائر التي تعرّض لها قطاع النقل منذ بداية الحرب وحتى اليوم كبيرة جداً، وشملت جميع القطاعات الجوية والبحرية والبرية، مؤكداً أنه «لا يمكن تحديد أرقام دقيقة في الوقت الراهن، لكن إعادة بناء القطاع تتطلّب استثمارات ضخمة وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص».
وفي المقابل، أصدرت المليشيات الحوثية، منذ أيام، تقريراً استعرضته في فعالية شارك فيها عدد من قادتها، قدّرت فيه حجم الأضرار والخسائر التراكمية بقطاعات النقل بـ23.2 مليار دولار، وزعمت قدرتها على استعادة الجاهزية التشغيلية للمرافق المتضررة في مناطق سيطرتها خلال أسابيع قليلة، دون الكشف عن أي استراتيجية واضحة.
وتكشف التحركات الأخيرة لوزارة النقل عن توجه حكومي واسع لإعادة تأهيل البنية التحتية للمطارات والموانئ وتوسيع القدرة التشغيلية للمنافذ الجوية والبحرية، ضمن رؤية تستهدف تحويل اليمن إلى مركز لوجستي يربط الممرات التجارية الدولية، مستفيدة من موقعه الجغرافي الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أوضح العمري أن الوزارة تعمل على خطة مرحلية لتحويل عدد من المطارات المحلية إلى مطارات دولية، تشمل مطارات الغيضة في المهرة (شرق) وعتق في شبوة (وسط) والمخا في تعز (جنوب غرب)، إلى جانب تطوير مطارات سيئون (شرق) وسقطرى (جنوب)، بهدف «ربط المحافظات اليمنية بالمحيط الإقليمي والدولي».
كما تسعى الحكومة إلى تنشيط قطاع النقل البحري عبر مشاريع موانئ جديدة، أبرزها ميناءا قرمة في جزيرة سقطرى الواقعة في المحيط الهندي، وبروم في حضرموت (شرق)، اللذان وصفهما الوزير بأنهما من «المشاريع الاستراتيجية» التي ستُسهم في تخفيف الضغط على الموانئ الرئيسية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتنشيط التجارة البحرية، وربط المناطق الساحلية بمسارات التجارة الإقليمية والدولية.
وبيّن الوزير اليمني أن وزارته تعتمد في تحديد أولويات مشاريع النقل على معايير أساسية، منها الكثافة السكانية، والأهمية الاقتصادية للمشروع، وحجم الأثر التنموي والخدمي، وإسهامه في تسهيل حركة المواطنين والتجارة والإغاثة، بالإضافة إلى جاهزية المشروع وإمكانية تمويله، مع الحرص على تحقيق توازن تنموي بين المحافظات وتوجيه الموارد بحسب الأولوية.
وخلال الأسابيع الماضية، كثفت وزارة النقل اليمنية تحركاتها الخارجية عبر مباحثات واتفاقيات تعاون مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمغرب ومصر، في مسعى للحصول على دعم فني وتقني لتطوير المطارات والموانئ وتأهيل الكوادر وتحديث أنظمة الملاحة الجوية.
وطبقاً لحديث الوزير العمري، فإن الحكومة لا تنظر إلى تطوير قطاع النقل باعتباره مشروع خدمات فقط، بل بوصفه جزءاً من خطة أوسع لاستعادة مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها الاقتصادي.
وتتوقع الحكومة اليمنية أن تؤدي استراتيجياتها التنموية في هذا القطاع إلى تحويل اليمن من بلد أنهكته الحرب إلى مركز يربط الممرات التجارية الدولية، مستفيدة من موقعه الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وأن تنجح في خفض تكاليف النقل والتأمين، وتنشيط التجارة، وجذب الاستثمارات الخاصة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التعافي.
وفي الجهة المقابلة، تكشف مزاعم الجماعة الحوثية وتقديرات الخسائر التي أعلنتها عن حجم التدهور الذي أصاب أحد أهم القطاعات الحيوية في مناطق سيطرتها، سواء بفعل استخدامها للمرافق والمنشآت بوصفها قواعد وثكنات عسكرية، أو نتيجة الهجمات المرتبطة بالتصعيد في البحر الأحمر وضد إسرائيل.
وحسب الأرقام التي أعلنتها الجماعة، تجاوزت خسائر موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، على الساحل الغربي للبلاد، 8.7 مليار دولار، فيما وصلت خسائر المطارات إلى أكثر من مليارَي دولار، وشملت خروج مطارات رئيسية من الخدمة وتضرر مطار صنعاء الدولي، بالإضافة إلى تدمير آلاف الكيلومترات من الطرق وأكثر من 100 جسر.
وتنصلت المليشيا عن الاعتراف بمسؤوليتها في تدمير هذه المرافق وإلحاق الأضرار بهذا القطاع، خصوصاً أنها احتجزت 4 طائرات تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية في مطار صنعاء، التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في مايو الماضي، رداً على الهجمات الصاروخية الحوثية.
ويشير هذا التباين بين خطط التطوير الحكومية وأرقام الخسائر المعلنة من طرف الحوثيين إلى أن قطاع النقل بات يمثل إحدى أهم ساحات إعادة بناء الدولة اليمنية، حيث يعدّ تشغيل المطارات والموانئ أكثر من مجرد تحسين للخدمات، بل استعادة أدوات أساسية للسيادة الاقتصادية، وتسهيل حركة التجارة والمساعدات، وربط مناطق البلاد ببعضها وبالأسواق الإقليمية والدولية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news