تقرير | بين التفكيك والقمع.. 6 سنوات من المحاولات الحوثية لإخضاع قبائل الجوف

     
بران برس             عدد المشاهدات : 118 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
تقرير | بين التفكيك والقمع.. 6 سنوات من المحاولات الحوثية لإخضاع قبائل الجوف

على مدى السنوات الست الأخيرة، تعرّضت قبائل الجوف لاستهداف وانتهاكات متصاعدة من قبل جماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، بالتزامن مع تدهور حاد في الخدمات العامة وتصاعد حملات الجبايات. 

ومنذ سيطرة الجماعة على مدينة الحزم، عاصمة المحافظة، ومحيطها في مارس/آذار 2020، فرضت قبضة أمنية مشددة شملت استحداث نقاط تفتيش مسلحة وفرض إجراءات صارمة، ما أدى إلى تصاعد التوتر في المنطقة.

وخلال هذه الفترة، شهدت الجوف صدامات متكررة بين القبائل والجماعة، التي تبنّت لاحقًا سياسة أكثر تشددًا تستهدف البنية القبلية عبر تأجيج الثارات، وإدارة النزاعات، وإضعاف الأعراف، وتقييد حركة أبناء القبائل، واستهداف رموزها.

وسُجّلت انتهاكات جسيمة شملت القتل والاختطاف والتهجير وانتهاك الحرمات والممتلكات، ما أثّر مباشرة على مصادر الرزق في مجتمع يعتمد أساسًا على الزراعة والرعي.

ورغم هذه السياسات، لم تنجح الجماعة في إخضاع القبائل بقدر ما أسهمت في رفع مستوى التوتر. وقد ظهر هذا في مؤخرًا في قضية اختطاف الشيخ حمد بن فدعم الحزمي، التي دفعت قبائل دهم وبكيل للاحتشاد في منطقة اليتمة، قبل أن تفرج الجماعة عنه تحت الضغوط القبلية.

مصائد قتل وإذلال

برزت نقاط التفتيش الحوثية كأحد أبرز عوامل التوتر في المحافظة، إذ تحوّلت، وفق مصادر محلية، إلى مصائد لقتل المواطنين وإذلالهم بأساليب تتعارض مع الأعراف القبلية، ما يؤدي غالباً إلى اشتباكات.

وخلال عام 2025، وثّقت منظمة “عدالة للحقوق والتنمية” مقتل 10 من أبناء القبائل في نقطة “الميهر” بمنطقة اليتمة شمالي الجوف، في جرائم لم تراعِ وجود أطفال مع الضحايا. 

ومن بين أبرز الوقائع، مقتل المواطن مبخوت هادي زبرة أمام طفله (7 سنوات) في “نقطة مريخ” بمديرية الزاهر، إضافة إلى مقتل عبد الولي يحيى شمعان، وأحمد محمد وشيل النوفي، وحمود جابر أبو خميس، وليس آخرهم الشيخ ناصر الصلاحي الذي قتل في نقطة القرن بمديرية العنان.

وقال رئيس منظمة عدالة للحقوق والتنمية، صالح عسكر، في حديث لـ“بران برس” إن الضحايا استُهدفوا وهم عُزّل وفي ظروف تفتقر لأدنى معايير الضبط القضائي أو الإجراءات القانونية. 

وأضاف أن “نقاط التفتيش تحولت إلى مراكز للإعدام الفوري”، في دلالة على “الانهيار الكلي لمنظومة الحقوق والأمن في مناطق سيطرة الجماعة”.

بدوره، قال رئيس مجلس الجوف الوطني ووكيل المحافظة الشيخ سنان العراقي، في تصريح لـ“بران برس” إن قبائل “دهم” تواجه ضغوطاً ممنهجة تتنوع بين الترهيب المباشر، والتدخل في شؤونها الداخلية، وتقييد حرية التنقل، ومنع الأعراف القبلية كـ“النكف” أو “المطارح” المتعارف عليها.

إخضاع القبيلة وإضعافها

يرى الشيخ العراقي، أن جماعة الحوثي تتعمد إخضاع قبائل الجوف وإضعاف دورها التقليدي؛ بما ينعكس سلباً على تماسكها الاجتماعي وآلياتها المعروفة في إدارة الخلافات وحل النزاعات.

وأضاف أن الجماعة، منذ سيطرتها على المحافظة، استهدفت الأعراف والتقاليد القبلية المتوارثة لقبيلة دهم، التي شكّلت عبر عقود مرجعاً أساسياً لتنظيم العلاقات داخل المجتمع القبلي.

من جهته، أرجع الشيخ ربيش بن عسكر، وكيل محافظة الجوف وأحد أبرز وجهائها، هذا الاستهداف إلى “نهج سلالي تاريخي”، معتبرًا أن الجماعة تسير على خطى الحكم الإمامي “باستهداف القبيلة وأعرافها وأسلافها وقيمها ومكوناتها، محاولاً إذلالها تارة بالقوة وتارة بالتجويع والترهيب”. ورغم هذا، قال إن الجماعة “لم تفلح، كما فشل من قبلها حكم الأئمة”.

ويتفق الشيخ سعيد العصار، أحد وجهاء “ذو حسين”، مع هذا الطرح، معتبرًا أن الصراع الحالي امتداد للصراع مع “الإمامة” التي سعت لإخضاع القبائل وكسر شوكتها عبر القمع والتجويع والتجهيل.

تضييق مصادر الرزق

إلى جانب الانتهاكات المباشرة، كشفت مصادر محلية عن فرض الجماعة قيودًا متعددة أمام الأنشطة الزراعية التي تعتمد قبائل الجوف شملت منع البيع خارج المحافظة، وحظر بيع أنواع معينة من المواشي، مقابل استقدام مزارعين ودعمهم بالمعدات والبذور والقروض والطاقة. 

ووفق المصادر فإن هذه القيود والشرط المعقدة دفعت بعض المزارعين للعمل لدى الوافدين الجدد، نتيجة تعقيد شروط الانتاج والتسويق. 

وأوضح العصار لـ“برّان برس” أن هذه السياسات الممنهجة، تهدف إلى تقويض الاستقلال المادي للقبائل وإجبارهم على التبعية أو دفعهم نحو مسارات غير مشروعة تسيطر عليها كليًا، بالتوازي مع التجهيل وإذكاء الثارات والنعرات العنصرية لتفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف القوى القبلية.

تأجيج الثارات وضرب الأعراف

كشف الشيخ العراقي عن مساعٍ حوثية متزايدة لتأجيج الثارات بين القبائل، بهدف تفكيكها وإضعاف دورها، مضيفًا أن الجماعة تتعامل مع الأعراف القبلية بـ“انتقائية”، وبالأخص “النكف”، إذ توظفها حين تخدم مصالحها، بينما ترفضها وتمنعها حينما يتعلق الأمر بانتهاكاتها وجرائمها.

وأشار إلى أن هذا التعامل المزدوج مع الأعراف خلق حالة من الاستياء والتوتر داخل المجتمع.

واتفق الشيخ ربيش بن عسكر بأن الجماعة تستخدم القبيلة لخدمتها، وتعيق أي تحرك للقبائل وفق الأعراف عبر منع وصول رجال القبيلة ومضايقتهم، موضحًا أن أبناء قبائل الجوف عرفوا هذه الأساليب وأدركوا أنها تستغل القبيلة عند حاجتها وتتصدى لها عندما تقف ضد تصرفاتها.

وفي هذا السياق، وصف مطر دحان، أحد الوجاهات القبلية بالجوف، تعامل الجماعة مع قبائل المحافظة بأنه سياسة “فرق تسد” من خلال تغذية الخلافات وإحياء الثارات، مضيفًا أن الأمور وصلت إلى وضع مأساوي تفتقر فيه 80% من القبائل في الجوف اليوم إلى أي صلح قائم بينها.

تغيير ديمغرافي

بالإضافة إلى ما سبق، رصدت تقارير ودراسات نشاطًا حوثيًا متصاعدًا لإحداث تغيير ديمغرافي بالمحافظة عبر شراء مساحات واسعة من الأراضي لقياداتها خلال السنوات الأخيرة.

ووفق دراسة للباحث عارف قرصان، فقد تم بيع نحو 120 مليون متر مربع خلال خمس سنوات لصالح جهات مرتبطة بالجماعة، ضمن نطاق جغرافي محدود من مديريات المحافظة.

ولم يتوقف الأمر هنا، بل تجاوزها إلى أعمال نهب وسطو على أراض خصبة. ففي مديرية المراشي، تعرضت نحو 300 أسرة للتهجير القسري من مناطق في وادي “مذاب”، بعد فرض ملكيات بالقوّة لصالح جهات مرتبطة بالحوثيين، واستخدام نفوذ قبلي لفرض الأمر الواقع.

وأكد عدد من وجهاء المديرية التي تنتمي قبليًا لـ“ذو محمد” أن الجماعة استولت على المنطقة خلال فترات متباعدة، ما سهل لها التوغل والسيطرة بشكل متدرج خلال الخمس السنوات الأخيرة.

جرائم جسيمة

بالتزامن مع التوسع في الاستيلاء على الأراضي، وثّقت تقارير حقوقية تعرض الأسر التي رفضت محاولات النهب الحوثي للقمع والتنكيل، بما فيها قتل مواطنين وإصابة أطفال في اعتداءات على منازلهم.

في يوليو 2025، قُتل المواطن درهم ناصر المنصوري، أحد أبناء قبيلة ذو محمد، بعد اعتراضه حملة أمنية حوثية، حيث اقتحمت القوات منزله وأطلقت النار على ابنته، قبل أن تقوم بهدم المنزل وإحراق المزرعة. وفي اليوم التالي، قُتل أحمد فزقر المنصوري في سياق الحملة ذاتها، ما يعكس نمطًا من العقاب الجماعي المرتبط برفض الخضوع أو الاعتراض على إجراءات الجماعة.

كما وثّقت مقاطع مصورة اقتحام الحوثيين للمنازل وتهجير الأسر بالقوة والتعرض للنساء اللائي تمسكن بمنازلهن في مواجهة التهجير، بعد حصار خانق على المنطقة واستقدام “الزينبيات”.

تحييد الرموز القبلية

شكّل اختطاف الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، من منزله، تصعيد لافتًا في تعامل الجماعة مع الرموز القبلية بالمحافظة، فلم يسبق أن اُختطف شيخ قبلي وازن بهذه الطريقة المهينة.

وقد استشعرت القبائل خطورة هذا التصعيد، فسارعت إلى الدعوة لـ“النكف” والاحتشاد في “مطارح” اليتمة، ما أدى إلى ممارسة ضغط مباشر على الجماعة انتهى بالإفراج عنه.

وفي المقابل، لم تسمح الجماعة بتحقيق انتصار ناجز للقبائل، فبعد ساعات قليلة من تفكيك المطارح بناء على وساطة قبلية وعدت بإطلاق “الحزمي” قُتل الشيخ ناصر الصلاحي من قبيلة ذو محمد أحد أفرع دهم في نقطة تفتيش حوثية. ولم ينتظر الحوثيون كثيراً حتى اعترضوا شقيق الصلاحي، بعد استدراجه وقتله في نقطة القرن بمنطقة عفي بمديرية العنان شمال غرب الجوف.

ويرى العصار، أن استهداف هذه الرموز الاجتماعية “يمثل في المنظور الحقوقي استهدافاً للسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي”؛ موضحًا أنها تهدف إلى “خلق حالة فراغ قيادي داخل القبيلة لتسهيل عملية الاستبداد”. واعتبرها “انتهاكاً صارخاً للحق في الأمان الشخصي وللمكانة الاعتبارية التي تحميها الأعراف والقوانين”.

إعادة نظام الرهائن

وفي سياق الانتهاكات، لُوحظ قيام الحوثيين بإحياء نظام الرهائن لإخضاع القبائل كما حدث في مديرية الخلق، حيث فرضت الجماعة حصارًا خانقًا على منازل القبائل بتوجيه من عبدالخالق الحوثي، ولم ترفعه إلا بعد تقديم أربعة رهائن، وفق مصادر قبلية.

وبحسب المصادر فإن من بين الرهائن الشيخ طالب محمد العجي والشيخ منصور بن صالح العجي، حيث ظلّوا قرابة عام في السجن الحربي بصنعاء قبل الإفراج عنهم بضغوط قبلية.

وفي مديرية المصلوب، سلّمت قبيلة بني نوف اثنين من أبنائها كرهائن لإيقاف المواجهات المسلّحة ورفع الحصار العسكري الخانق الذي فرضه الحوثيون على منازل القبيلة. 

وفي مديرية المصلوب، اضطرت قبيلة بني نوف لتسليم اثنين من أبنائها كرهائن لوقف المواجهات ورفع الحصار الحوثي، غير أن الجماعة أصدرت لاحقًا حكمًا بإعدامهما، وهما إسماعيل عفاج ومرزوق عفاج، وهو ما رفضته القبيلة التي دعت إلى “النكف”.

وبينما استجابت قبائل الجوف للنكف واحتشدت إلى منطقة الجر شرق الحزم لرفض القرار الحوثي، حشدت الجماعة أتباعها في مديرية بني مطر، مرفقة بتغطية إعلامية موسعة للمطالبة بتنفيذ الإعدام بزعم قتل قيادي حوثي من المديرية أثناء حملة على قبائل بني نوف.

ولا تزال القضية مفتوحة حتى الآن، ومرشحة للتصعيد في أي لحظة.

صراع ممتد

تعليقًا على هذا النهج، قال العصار إن الجماعة تمضي على خطى الأئمة في استخدام الرهائن، كما تقوم بفرض ممثلين لها داخل القبائل لا وزن لهم ولا مكانة في المجتمع، بما يؤدي إلى إضعاف بنية القيادة القبلية وانتقاص حق كل من يعارض سلطة الجماعة.

وأضاف أن “الجوف عانت كثيراً من ممارسات الحكم الإمامي العنصري”، معتبرًا ما يحدث اليوم يمثل امتدادًا لذلك النهج. فالقبيلة عموماً، وخاصة قبيلة دهم، هدفاً دائمًا لمحاولات الإخضاع منذ ظهور الجماعة.

ولفت العصار إلى أن المواجهات بين الحوثيين وقبائل الجوف تعود إلى عام 2009، واستمرت بأشكال مختلفة حتى اليوم، مؤكدًا أن الجوف وقبيلة دهم وقفت أمام توسّع الحوثيين وما تزال ترفض الخضوع لمنطق القوّة.

ورغم أن هذه السياسات لم تحقق إخضاعًا كاملًا للقبيلة، فإن تصاعدها واتساع نطاقها وتنوع أدواتها يشيران إلى مسار متدرج لإضعاف القبائل، في حين تسهم الثارات المتصاعدة في استنزافها داخليًا، بما قد يحد من قدرتها على المواجهة مستقبلًا.

 

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

​مفاجأة صادمة.. مقطع فيديو يكشف تعرض (سبايدر مان اليمن) لهجوم أفعى تسبب في سقوطه بفوهة دمت

موقع الأول | 488 قراءة 

سقوط جرحى إثر انفجارات عنيفة في سيئون

كريتر سكاي | 427 قراءة 

عاجل:صرف مرتبات قوات الانتقالي بعدن

كريتر سكاي | 317 قراءة 

انفجارات عنيفة تهز سيئون داخل محيط معسكر عسكري وإصابات في صفوف الجنود

شمسان بوست | 298 قراءة 

الكشف عن تفاصيل انفجارات مقر المنطقة العسكرية الاولى في سيئون

كريتر سكاي | 254 قراءة 

الثعابين تهاجم محافظة يمنية والضحايا في تصاعد

نيوز لاين | 206 قراءة 

انفجارات تهز معسكر المنطقة العسكرية الأولى في سيئون

باب نيوز | 190 قراءة 

بن طهيف يهاجم النسي: كيف ستقودون مواجهة ضد السعودية بجيش تموله الرياض؟

عدن الغد | 180 قراءة 

تعيين قائد جديد للفرقة الأولى تهامية في جبهة الساحل الغربي وسط خلافات حاده

يمن فويس | 166 قراءة 

عدن: شرطة الممدارة تضبط متهم جديد في قضية فعل فاحش

يمن فويس | 159 قراءة