حين يصبح القضاء جزءا من المعاناة.. نساء اليمن بين عنف الأسرة وتعقيدات المحاكم

     
قناة المهرية             عدد المشاهدات : 32 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
حين يصبح القضاء جزءا من المعاناة.. نساء اليمن بين عنف الأسرة وتعقيدات المحاكم

شهدت مديرية المحابشة بمحافظة حجة، قبل أيام ، حادثة أليمة هزّت الرأي العام، بعد أن ألقت فتاة نفسها من على سطح منزل أسرتها، احتجاجا على إصرار والدها على إعادتها إلى بيت زوجها.

وبحسب صديقة لها - فضلت عدم ذكر اسمها - فإن الضحية، وهي حامل ولا تزال في العشرين من عمرها، زُفّت قبل ثلاثة أعوام إلى بيت "معروف بقساوة طباع أهله".

وتشهد مديرية المحابشة العديد من حالات الزواج بالإكراه، وتزويج الصغيرات لمن هم في سن آبائهن، وسط صمت مطبق وقبول من أولياء الأمور.

وتشير صديقة الضحية إلى أنها كانت تتمتع بشخصية قوية، وهو ما دفعها إلى اللجوء للقضاء، ثم الاحتجاج على إجبارها على العودة إلى مكان لم تعد ترغب فيه، مفضلة الموت على ذلك.

سنوات في أروقة المحاكم

لا تقف هذه الحادثة عند حدودها، بل تكشف عن مآس أوسع تتعرض لها المرأة اليمنية في مختلف المحافظات، نتيجة العنف الأسري الذي يُوارى خلف ستار العادات والتقاليد، إضافة إلى خلل واضح في القوانين التي لا تجرّم العنف الأسري بشكل صريح، وتُطيل أمد التقاضي.

في هذا السياق، قالت الناشطة الحقوقية هدى الصراري إن قانون الأحوال الشخصية في اليمن، رغم استناده إلى الشريعة الإسلامية وعدم تضمّنه ما يُعرف بـ"حكم الطاعة"، إلا أن الواقع يعكس انتشارا واسعا للعنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك إجبار النساء على الزواج وتعرضهن للعنف من قبل الأزواج أو الأسرة.

ولا تقف المعاناة عند حدود العنف داخل المنازل، بل تمتد إلى المسار القضائي، الذي يتحول - في كثير من الحالات - إلى معاناة جديدة لم تكن النساء يتوقعنها.

وتشير الصراري، في حديثها لـ"المهرية نت"، إلى أن بعض القضايا، خاصة المرتبطة بفسخ الزواج، قد تستمر لسنوات طويلة، تصل أحيانا إلى خمس أو سبع سنوات دون حسم، ما يُبقي النساء عالقات في علاقات مؤذية دون مخرج قانوني واضح.

ويبرز تحدٍ آخر في مسألة الإثبات، إذ تُلزم المرأة بتقديم أدلة قد لا يقتنع بها القاضي، الذي قد يحكم - أحيانا - من منطلقات يغلب عليها الطابع الذكوري، ما يضعف فرص إنصاف النساء داخل المحاكم.

وفي حالات أخرى، تضطر النساء إلى اللجوء إلى الخلع كخيار أخير، وهو مسار مليء بالكلفة والمشقة، إذ تُجبر المرأة على إعادة المهر أو دفع مقابل مالي للزوج لإنهاء العلاقة، وهو أمر يظل مرهونا بموافقته.

أما في قضايا النفقة، والتي تُحرم منها الكثير من النساء، فتبدو الإشكالية أكثر تعقيدا، إذ قد لا تحصل المرأة على حكم منصف، خاصة إذا كان الزوج لا يمتلك وظيفة رسمية. وتشير الصراري إلى أن بعض النساء يُمنحن مبالغ زهيدة لا تكفي لتأمين حياة كريمة لهن ولأطفالهن، في ظل مراعاة المحكمة أحيانا لظروف الزوج إذا كان يعيل أكثر من أسرة.

غياب الحماية المؤسسية

في المقابل، تغيب آليات الحماية المؤسسية بشكل شبه كامل في اليمن، إذ لا توجد - وفق الصراري - وحدات طوارئ أو أنظمة فعالة لتلقي بلاغات العنف، سواء في أقسام الشرطة أو المستشفيات، كما لا تتوفر خطوط ساخنة لرصد وتوثيق مثل هذه الحالات، ما يجعل كثيرًا من الانتهاكات تمر دون مساءلة.

وتضيف أن العديد من النساء يتعرضن للعنف الجسدي ويلجأن إلى المستشفيات لتلقي العلاج، دون إعداد تقارير طبية رسمية تُرفع إلى الجهات المختصة، الأمر الذي يعيق ملاحقة الجناة قانونيا.

ويبرز السياق الاجتماعي كعامل إضافي يعمّق معاناة النساء، في ظل عادات وتقاليد تفرض قيودا صارمة عليهن، خاصة المطلقات، اللواتي يُحمّلن غالبا مسؤولية فشل العلاقة الزوجية، في حين يُستبعد الزوج من دائرة اللوم، وهو ما يدفع كثيرًا من النساء إلى الصمت وتحمل العنف، بحسب الصراري.

رحلة البحث عن الخلاص

هذه الصورة لا تبدو بعيدة عن واقع "أمل" (اسم مستعار)، وهي إحدى ساكنات مدينة تعز، التي خاضت تجربة مشابهة مع المحاكم، بعد سنوات من العنف داخل بيت الزوجية.

تقول أمل إن معاناتها استمرت لأكثر من أربع سنوات، تنقلت خلالها بين منزل زوجها ومنزل أسرتها، قبل أن يقرر والدها الوقوف إلى جانبها مؤخرا، متجاوزا العادات والتقاليد، بعد أن علم بتعرضها للضرب المبرح واتهامات تمس الشرف.

وأضافت، في حديثها لـ"المهرية نت"، أنها لجأت إلى المحكمة طلبا للخلع، دون أن تتوقع أن تتحول رحلتها إلى مسار طويل ومكلف، قائلة: "لم يكن في خيالي أن أقضي كل هذا الوقت في التنقل بين الجلسات، وأن أدفع كل هذه التكاليف بحثا عن حريتي".

وأوضحت أنها كانت تظن أن القضية لن تستغرق أكثر من ثلاث جلسات، لكنها حتى الآن أمضت أكثر من عام في المحاكم، في جلسات أسبوعية، تتحمل خلالها أعباء مالية مستمرة، إذ تدفع لمحاميها 10 آلاف ريال في كل جلسة، إضافة إلى تكاليف المواصلات وغيرها.

وتشير إلى أنه في بداية القضية، لم تلق استجابة من المحكمة رغم تأكيدها تعرضها للعنف وعدم رغبتها في الاستمرار مع زوجها، حيث طُلب منها تقديم أدلة تثبت عدم صلاحيته كزوج، لافتة إلى أن أقوالها لم تكن كافية لإقناع المحكمة.

وبحسب أمل، فإن محاميها نصحها بتغيير مسار القضية، عبر المطالبة أولا بحقوقها المالية، بما في ذلك استعادة ذهبها الذي استولى عليه زوجها، والمطالبة بالنفقة عن الفترة التي قضتها في منزل أسرتها، على أن تتقدم بطلب الخلع لاحقا في حال رفض الزوج تسليم تلك المستحقات.

وتضيف: "أكثر من عام وأنا أتنقل من وإلى المحكمة، ومع ذلك أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق، فلا ذهبي عاد، ولا حُسمت مسألة النفقة، ولا يوجد حتى الآن رد واضح بشأن حقوقي".

وتصف أمل تجربتها مع القضاء بأنها "مأساة كبيرة"، مشيرة إلى حجم المعاناة التي تتحملها وأسرتها، قائلة: "أشفق كثيرا على والدي عندما أراه يتعب معي، ويستلف المال من هنا وهناك، وأحيانا أتمنى أني لم أكن موجودة في هذه الحياة".

وتختم بالقول إنها تعرف نساء تمكنّ من الخروج من علاقات عنيفة، لكنهن يؤكدن لها أن ما تعيشه الآن ليس سوى بداية طريق طويل، في إشارة إلى تعقيدات المسار القضائي في مثل هذه القضايا.

غياب قانون تجريم العنف الأسري

من جانبه، قال الحقوقي والمدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة، عبد الرحمن برمان، إن مسار التقاضي في اليمن لا يوفر إنصافا كافيا للنساء في قضايا العنف الأسري، مرجعا ذلك إلى إشكاليات قانونية تتجاوز مسؤولية القضاة أنفسهم.

وأوضح برمان، في تصريح لـ"المهرية نت"، أن غياب قانون مستقل يجرّم العنف الأسري بشكل صريح يُعد من أبرز الثغرات، إذ تعتمد المحاكم على نصوص عامة في قانون العقوبات، مثل الضرب والأذى، دون وجود حماية قانونية خاصة للمرأة داخل الأسرة، باعتبارها من أكثر الفئات عرضة للعنف.

وأشار إلى أن هذا القصور القانوني يقيّد عمل القضاء، حتى في حال وجود قضاة منصفين، لافتا إلى أن القوانين الحالية تتسم بوجود ثغرات وتحيزات تؤثر على تحقيق العدالة.

وفيما يتعلق بإجراءات التقاضي، بيّن أن قضايا العنف الأسري غالبا ما تُرفع في إطار دعاوى الخلع أو الفسخ، حيث تضطر المرأة لإثبات الضرر، في ظل عدم اعتبار العنف سببا مباشرا للانفصال في القانون اليمني، وهو ما يثقل كاهل النساء، إذ قد يُجبرن على التنازل عن حقوقهن أو إعادة المهر مقابل إنهاء العلاقة، فضلا عن طول الإجراءات التي قد تمتد لسنوات.

تحديات كبيرة

ولفت برمان إلى أن النساء يواجهن تحديات كبيرة في إثبات العنف، نظرا لوقوعه غالبا داخل المنزل بعيدا عن الشهود، إلى جانب ضعف التوثيق، سواء عبر التقارير الطبية أو البلاغات الرسمية، كما تسهم الضغوط الاجتماعية في تعقيد المشهد، إذ يُنظر إلى العنف الأسري كمسألة عائلية خاصة، ما يدفع كثيرًا من النساء إلى الصمت.

وأضاف أن من بين التحديات أيضا التكاليف المالية المرتفعة للتقاضي، وضعف البنية القضائية، بما في ذلك بطء الإجراءات، وغياب محاكم متخصصة بقضايا الأسرة، فضلا عن ضعف تنفيذ الأحكام، خاصة في قضايا الحضانة.

وعن أسباب طول أمد القضايا، أوضح برمان أن ذلك يعود إلى غياب نصوص قانونية واضحة، وتعقيد إجراءات الإثبات، إضافة إلى إطالة أمد جلسات الصلح، وبطء النظام القضائي، فضلا عن لجوء بعض الأزواج إلى المماطلة كوسيلة ضغط لدفع النساء إلى التنازل عن حقوقهن.

وفي ختام تصريحه، دعا برمان إلى سنّ قانون خاص يجرّم العنف الأسري، وإنشاء محاكم متخصصة، وتعزيز وعي النساء بحقوقهن وآليات التوثيق القانوني، إلى جانب توفير مراكز إيواء آمنة، ودعم التمكين الاقتصادي للنساء، والعمل على تغيير النظرة المجتمعية التي تبرر العنف أو تتغاضى عنه.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

شرط وحيد لاستلام المرتبات في عدن

كريتر سكاي | 653 قراءة 

تطور عاجل.. ضبط المتهم بحيازة هاتف القعقاع

كريتر سكاي | 575 قراءة 

فتحي بن لزرق يكشف تفاصيل صادمة عن تشكيل لواء عسكري في محيط عدن

كريتر سكاي | 476 قراءة 

بكلمة واحدة فقط!.. بن لزرق يعلق على زيارة الوزير الأسبق (الميسري) إلى السعودية

موقع الأول | 401 قراءة 

وزير النفط اليمني يوضح أين تذهب إيرادات شركة صافر في مأرب (فيديو)

يمن ديلي نيوز | 300 قراءة 

الميسري يتوجه إلى الرياض في زيارة سياسية تستمر ثلاثة أيام وسط ترقب للقاءات مهمة بشأن الحوار الجنوبي

صحيفة ١٧ يوليو | 221 قراءة 

عاجل:مقتل مسافر يمني عقب التقطع له أثناء توجهه إلى السعودية

كريتر سكاي | 179 قراءة 

عاجل : المتظاهرون يصلون إلى محيط قصر معاشيق في عدن

كريتر سكاي | 173 قراءة 

إغلاق المقر الرئيسي للمجلس الانتقالي الجنوبي ومكتب الزُبيدي في عدن

نافذة اليمن | 172 قراءة 

نجاة طفلة من موت محقق بعدن مول عقب تعلقها على السلم الكهربائي

كريتر سكاي | 149 قراءة