الحوثي وإيران
السابق
التالى
من باب المندب إلى الخليج.. سيناريوهات التصعيد الحوثي في الحرب الإيرانية
السياسية
-
منذ 4 دقائق
مشاركة
عدن، نيوزيمن:
سلّط تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الضوء على انخراط ميليشيا الحوثي الإيرانية في حرب الدائرة حاليًا في الشرق الأوسط، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
فمع دخول الحرب شهرها الثاني، لم يعد الصراع مقتصرًا على أطرافه الأساسية، بل بدأ يستقطب فاعلين إقليميين جدد، في مقدمتهم الحوثيون، الذين انتقلوا من موقع "الداعم غير المباشر" إلى طرف فاعل ميدانيًا.
ويشير التقرير إلى أن استهداف إسرائيل لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل رسالة متعددة الأبعاد، تعكس استعداد الجماعة للعب دور أكبر ضمن معادلة الصراع، وتؤكد أن الحرب لم تعد محصورة جغرافيًا، بل دخلت مرحلة "التدويل الإقليمي" عبر تعدد الجبهات.
ويؤكد التقرير أن توقيت دخول الحوثيين لم يكن عفويًا، بل نتيجة حسابات دقيقة ارتبطت بتطورات الميدان وضغوط الحرب على إيران. فخلال الأسابيع الأولى من الحرب، راهنت الجماعة على قدرة طهران على إدارة المواجهة عبر استراتيجية الاستنزاف، دون الحاجة لتوسيع رقعة الاشتباك المباشر.
غير أن تصاعد الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، والحديث عن سيناريوهات أكثر خطورة مثل استهداف العمق الإيراني أو السيطرة على ممرات بحرية استراتيجية، دفع الحوثيين إلى إعادة تقييم موقفهم.
ويرى التقرير أن الجماعة سعت من خلال تدخلها إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول دعم موقف إيران في أي مفاوضات محتملة، والثاني رفع كلفة الحرب على خصومها عبر فتح جبهة جديدة غير متوقعة.
كما أن إعلان الحوثيين قبل الهجوم بساعات عن "شروط التدخل" يعكس، بحسب التقرير، محاولة لإضفاء طابع "الدفاع المشروع" على قرارهم، وربطه بسياق أوسع يتجاوز المصالح المباشرة.
البحر الأحمر… ورقة ضغط مؤجلة ولكن خطيرة
رغم التصعيد العسكري، يشير التقرير إلى أن الحوثيين تعمدوا في المرحلة الأولى تجنب استهداف الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهي الورقة التي سبق أن استخدموها بفعالية خلال حرب غزة.
هذا "التحفظ المرحلي" يعكس إدراك الجماعة لحساسية هذه الجبهة، خاصة في ظل التفاهم السابق مع الولايات المتحدة، والذي أوقف الهجمات على السفن مقابل وقف الضربات الأمريكية.
لكن التقرير يحذر من أن هذه الجبهة تبقى الأكثر تأثيرًا وخطورة، إذ إن أي عودة لاستهداف السفن قد تؤدي إلى اضطراب فوري في التجارة العالمية، خصوصًا مع تزامن ذلك مع تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، ما قد يخلق أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة.
ويقدم التقرير قراءة معقدة لطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، موضحًا أنها ليست علاقة تبعية مطلقة، بل شراكة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح. فالحوثيون يرون أنفسهم جزءًا من "محور المقاومة"، لكنهم في الوقت ذاته يدركون أن بقاءهم يعتمد على استمرار الدعم الإيراني.
ومن هنا، فإن قرار التدخل يعكس معادلة دقيقة: دعم الحليف دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد وجودهم. ويصف التقرير هذا النهج بـ"التصعيد المحسوب"، حيث تفتح الجماعة جبهة محدودة قابلة للتوسيع، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لاحقًا.
قدرات عسكرية لم تُحسم رغم الضربات
على الرغم من الحملات العسكرية المكثفة التي استهدفت الحوثيين خلال الأعوام الماضية، يؤكد التقرير أنهم لا يزالون يمتلكون قدرات عسكرية مؤثرة. فقد ساعدت الطبيعة الجغرافية الوعرة لليمن في حماية جزء كبير من ترسانتهم، بينما مكنتهم الحرب الطويلة من تطوير تكتيكات حرب غير متكافئة، تعتمد على الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والزوارق البحرية غير المأهولة.
كما أن الجماعة، وفق التقرير، استغلت فترات التهدئة لإعادة بناء قدراتها، عبر توسيع الإنتاج المحلي للأسلحة وتعزيز شبكات التهريب المرتبطة بـإيران. ويحذر التقرير من أن هذه القدرات، رغم تضررها، لا تزال كافية لإحداث اضطرابات كبيرة، خاصة في الممرات البحرية الحيوية.
في المقابل، يواجه الحوثيون تحديات متزايدة نتيجة هذا الانخراط، أبرزها احتمال فقدان مكاسب سياسية واقتصادية مهمة. فالتفاهم مع الولايات المتحدة بشأن البحر الأحمر مهدد بالانهيار، كما أن الهدنة غير الرسمية مع السعودية قد تتعرض للانهيار في حال توسع التصعيد.
اقتصاديًا، تعاني الجماعة بالفعل من ضغوط العقوبات، وقد يؤدي تصعيد أوسع إلى تفاقم الأزمة، خصوصًا في ظل اعتمادها على موارد محدودة. أما داخليًا، فيشير التقرير إلى تحدٍ آخر يتمثل في تبرير الحرب أمام المجتمع اليمني، الذي قد لا يتقبل بسهولة دفع كلفة صراع إقليمي لا يرتبط مباشرة بقضاياه اليومية.
سيناريوهات التصعيد: من البحر الأحمر إلى الخليج
يرسم التقرير مجموعة من السيناريوهات المحتملة لتطور دور الحوثيين في الحرب، تبدأ من التصعيد المحدود وصولًا إلى الانخراط الأوسع. ومن أبرز هذه السيناريوهات استئناف الهجمات على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، وتوسيع الهجمات لتشمل أهدافًا مرتبطة بالولايات المتحدة، واستهداف دول خليجية بحجة دعم العمليات العسكرية.
ويؤكد التقرير أن الجماعة تميل إلى التصعيد التدريجي، عبر اختبار ردود الفعل وتوسيع نطاق العمليات بشكل مرحلي، وهو الأسلوب الذي اتبعته سابقًا.
رغم تعزيز قدراتها، يلفت التقرير إلى أن الحوثيين يواجهون قيودًا حقيقية في ما يتعلق بمخزون الأسلحة، خاصة في حال تحول الصراع إلى حرب طويلة. فالحرب الممتدة تتطلب استهلاكًا مستمرًا للموارد العسكرية، ما قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي، خصوصًا إذا تراجع الدعم من إيران نتيجة الضغوط العسكرية عليها.
كما أن أي تعطيل لخطوط الإمداد سيجبر الحوثيين على الاعتماد على مخزونهم الداخلي، ما قد يقلل من قدرتهم على الاستمرار في التصعيد على المدى الطويل.
الحكومة اليمنية والسعودية… بين الحذر والاضطرار
في سياق متصل، يوضح التقرير أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تقف أمام خيارات محدودة، إذ إن تصعيد الحوثيين قد يدفعها إلى الانخراط بشكل أكبر في الصراع، رغم هشاشة وضعها الداخلي. أما السعودية، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة بين تجنب الحرب وحماية أمنها القومي.
فبعد سنوات من الصراع المكلف، تسعى الرياض للحفاظ على التهدئة، لكنها قد تضطر للتدخل إذا تعرضت مصالحها أو أراضيها للتهديد. ويشير التقرير إلى أن استراتيجية السعودية الحالية تقوم على الاحتواء، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، لكن هذه السياسة قد لا تصمد في حال تصاعد التوتر.
وخلص تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن قرار الحوثيين يعكس قناعة بأن عدم التدخل قد يكون أكثر خطورة من التدخل نفسه. فالجماعة، وفق هذا التقدير، اختارت تحمل كلفة فورية مقابل تجنب مخاطر استراتيجية أكبر على المدى المتوسط، خاصة في حال تعرض إيران لضربة قاسية.
ومع ذلك، يبقى المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، حيث قد يؤدي التصعيد التدريجي إلى انزلاق غير محسوب نحو مواجهة إقليمية واسعة، سيكون لها تأثير مباشر على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي، خصوصًا في ما يتعلق بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news