تزييف الوعي وتحميل الضحية وزر الجلاد: تفكيك "أسطورة" حكم الانتقالي للجنوب
كتب / د. معمر عبد الحافظ
ليس هذا المقال مرافعة سياسية عن "المجلس الانتقالي الجنوبي"، بل هو وقفة ضرورية لترميم الذاكرة الجمعية أمام سيل جارف من التضليل. ثمة رواية خبيثة تُبنى اليوم، تحاول إيهام الناس بأن الانتقالي يحكم الجنوب منذ عقد من الزمان، والهدف واضح: تحميله إرث الفشل الذي تراكم بفعل سياسات "الشرعية" المهترئة وحروب الاستنزاف الممنهجة.
أولاً: وهم العشر سنوات.. لغة الأرقام لا تكذب
تأسس المجلس الانتقالي في مايو 2017، أي بعد عامين من دحر الحوثي من عدن. ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 2020، كان المجلس "قوة معارضة" فاعلة على الأرض، لكنه كان خارج هيكل السلطة تماماً.
خمس سنوات كاملة كانت فيها "الشرعية" هي المهيمن الوحيد على:
- القرار السيادي والمالي
- لبنك المركزي ووزارة المالية.
- التمثيل الدولي والاعتراف الدبلوماسي.
فبأي منطق يُحاسب من كان في خندق المواجهة على فشل من كان يملك مفاتيح الخزينة والقرار؟
ثانياً: فخ "المشاركة الصورية" (2020 - 2022)
بعد اتفاق الرياض، دخل الانتقالي الحكومة، لكنه دخلها "شريكاً محاصراً". كانت حكومة محاصصة تفتقر للقرار المالي والعسكري الموحد. ظل الوزراء الجنوبيون يواجهون دولة عميقة تعرقل كل محاولات الإصلاح، بينما ظل القرار الفعلي مرتهناً للقوى التي أدارت البلاد منذ ما قبل 2011. خلال هذه الفترة، لم يكن الانتقالي حاكماً، بل كان "إسفنجة" يراد لها امتصاص غضب الشارع الجنوبي من تردي الخدمات.
ثالثاً: ما بعد 2022.. النفوذ الأمني مقابل العجز الاقتصادي
يقولون إن الانتقالي بات في قمة الهرم (مجلس القيادة الرئاسي)، لكن التدقيق في التفاصيل يكشف الحقيقة:
- اقتصادياً: المحافظات النفطية والسيادة المالية ظلت بعيدة عن يد "عدن"، وبقي البنك المركزي رهين حسابات دولية وإقليمية لا يملك الانتقالي تغيير مسارها بقرار منفرد.
- عسكرياً: وبينما كان الانتقالي يخوض حرب استنزاف وجودية ضد القاعدة وداعش في أبين وشبوة، ويواجه الحوثي في الضالع ويافع ومكيراس، كانت بعض القوى المحسوبة على "الشرعية" تمارس سياسة "الجمود الممنهج".
رابعاً: الكذبة الكبرى.. من المسؤول؟
وصل العبث السياسي ببعض الأبواق إلى حد تحميل الانتقالي مسؤولية كل كوارث اليمن التاريخية! لم يتبقَّ إلا أن يتهموه بـ:
- إسقاط صنعاء في سبتمبر 2014 (قبل تأسيسه بثلاث سنوات!).
- إشعال حروب صعدة أو تفجير أزمة 1994.
هذا الضجيج الإعلامي يهدف لشيء واحد: التغطية على من نهب ثروات الجنوب طيلة 30 عاماً، ومن لا يزال يرى في عدن مجرد "غنيمة" لا "عاصمة".
الخلاصة: الوعي هو السلاح الأخير:
لقد أمّن الانتقالي عدن والمحافظات المجاورة بدمائه لا ببياناته. لولا تضحيات رجاله في ميادين مكافحة الإرهاب، لكانت عدن اليوم "إمارة متطرفة" أو "ولاية إيرانية".
الحقيقة التي لا تقبل الجدل:
الانتقالي طرف سياسي يُخطئ ويُصيب، ونقده واجب وطني لتصحيح المسار. لكن تزوير التاريخ وتحميله مسؤولية "عشر سنوات" من الفشل الذي صنعه غيره، هو محض افتراء سياسي رخيص.
الناس لا ينسون من حرر الأرض، ولا يغفرون لمن سرق أحلامهم ثم جاء اليوم ليلبس ثوب الواعظ والناقد.
26/مارس/2026
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news