في مشهد نادر واستثنائي يشبه لوحات الواقعية التي طالما غابت عن الساحة السياسية والعسكرية، كتب وزير الدفاع اليمني، اللواء الركن طاهر العقيلي، أجمل معاني القرب بين القائد والجمهور، عندما قرر أن يجوب شوارع مدينة المكلا عاصمة حضرموت، دون أي حواجز أمنية مفروضة أو مظاهر "البروتوكول" الصارخة التي اعتاد الناس رؤيتها مع المسؤولين الكبار.
ففي مشهد يسجل له بقلم من نور، تجول العقيلي بين أزقة الشوارع وميادينها المفتوحة، متجرداً من "هالة" المنصب، حيث لم ترافقه مئات الجنود المسلحين، ولم تحاصره عشرات المدرعات والأطقم الأمنية، بل اختار أن يمشي بين الناس كأي مواطن عادي، ليثبت أن القوة الحقيقية تكمن في احترام الشارع لا في تخويفه.
ما لفت الأنظار أكثر، هو تلك الروح الشبابية العفوية التي أبداها الوزير، والذي لم تمنعه إعاقته الجسدية من أن ينزل إلى مستوى الأطفال، يلاعبهم، ويشاركهم لحظات من الفرح والضحك، وكأنه شاب تخرج للتو من الكلية العسكرية يمتلك حيوية لا حدود لها، متجاوزاً كل الصور النمطية للقادة العسكريين الذين اعتادوا التجهم والابتعاد عن المجاملة.
هذا التجسيد الحي للأخلاق الرفيعة لم يمر مرور الكرام على أبناء حضرموت، الذين تفاعلوا مع اللقاء بروح من الفخر والاعتزاز، مؤكدين أن العقيلي قدم درساً عملياً في "فن القيادة". الوزير نفسه عكس خلال تجوله فلسفة عميقة في إدارة الحكم والمسؤولية، مؤكداً للملتقين به أن التواضع والالتحام بالناس هي الميدان الحقيقي لاختبار الرجولة، وأن السمعة الطيبة والأخلاق العالية هي الميراث الحقيقي الذي يتركه الإنسان، في حين أن المناصب والرتب العسكرية مهما بلغت مجرد "عوارض مؤقتة" سرعان ما تزول ولا تدوم لأحد.
وتأتي هذه الخطوة غير المسبوقة من وزير الدفاع، لتضع "ميزان حسنات" جديداً ومعياراً صارماً يُحتذى به، موجهةً رسالة عابرة للحدود لكل القيادات التي لم تعرف من العسكرية سوى الألقاب الفارغة والمظاهر الاستعراضية، لتؤكد أن احترام الناس وبساطة العيش بينهم هي الرمز الأسمى والأبقى لقوة أي مسؤول، وأن "الرعب" لم يعد لغة يفهمها الشارع اليمني الواعي، بل لغة "التواضع" هي من تفتح القلوب قبل العقول.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news