أنا لا أعرف هديل مانع شخصياً ولم يجمعني بها لقاء ولا حديث وإنما عرفتها كما عرفها كثيرون غيري من خلف شاشة التلفاز، من ذلك الضوء البارد الذي ينقل الينا ملامح الآخرين مجتزأة ويترك لنا مساحة واسعة لنملأها بالأحكام.
ومن هذه المسافة تحديداً، تبدو الصورة أكثر صدقاً أحياناً أو ربما أكثر قسوة.
هديل مانع في تجربتها الفنية لا تقدم مشروعاً مكتملاً بقدر ما تقدم حضوراً طازجاً غير مصقول تماماً لكنه صادق في عفويته.
هي ليست ابنة مدرسة تمثيلية تقليدية ولا امتداد لنمط مألوف في الدراما اليمنية بل أقرب إلى ظاهرة خرجت من تداخل الفن مع وسائل التواصل، من ذلك الجيل الذي لا يفصل كثيراً بين الكاميرا والحياة.
قد يختلف الناس حول موهبتها، حول أدوارها، حول اختياراتها الفنية، وهذا اختلاف مشروع بل وضروري، فالفن في جوهره مساحة للاختبار لا منصة للإجماع.
لكن ما ليس مشروعاً هو أن يتحول هذا الاختلاف إلى محاكمة أخلاقية، أو إلى سيل من التنمر والإساءة التي تتجاوز العمل إلى الشخص.
ما تتعرض له هديل اليوم لا يمكن قراءته بوصفه نقداً فنياً، بل هو انعكاس لصراع أعمق داخل المجتمع، صراع بين صورة تقليدية للمرأة وصورة أخرى تحاول أن تعيد تعريف نفسها خارج القوالب الجاهزة.
وهنا تحديداً تصبح كل تفصيلة (من لباس إلى صورة)قضية عامة يُستدعى لها القاضي والجمهور معاً.
لكن الحقيقة الأبسط التي يتم القفز فوقها غالباً هي أن اختيارات الإنسان الشخصية ليست مادة للتشهير.
أن ترتدي ما تريد، أن تعبر عن نفسها كما تحب، أن تخطئ وتصيب تحت الضوء، كل ذلك يقع ضمن المساحة الطبيعية لأي فرد قبل أن يكون لفنان.
لا أحد يُجبر الجمهور على الإعجاب، لكن أيضاً لا يملك أحد حق المصادرة أو الوصاية.
ثم إن المفارقة اللافتة أن بعض من يهاجمونها باسم “القيم” يمارسون في هجومهم ما يناقض هذه القيم ذاتها، تنمّر، قسوة في الخطاب، ألفاظ نابية، تجريح، وأحياناً انتهاك للخصوصية، كأن الأخلاق هنا تتحول إلى أداة إقصاء لا إلى معيار سلوك.
التضامن مع هديل مانع في هذا السياق لا يعني تبني كل ما تفعله أو الدفاع عن كل اختياراتها، بل يعني الدفاع عن مبدأ أوسع: أن يكون الإنسان حرٌ في ذاته وأن يتم انتقاد عمله دون أن يُسحق هو كإنسان.
هي في نهاية المطاف ليست سوى ممثلة شابة تحاول أن تجد مكانها في مشهد معقد تحت ضوء قاسٍ وفي مجتمع لا يغفر بسهولة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد فناّ يتنفس أم صور مكررة لا تزعج أحد؟
ربما ما تفعله هديل بوعي أو بدونه هو أنها تزعج هذا السكون، وهذا بحد ذاته ليس تهمة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news