سيناريوهات التفاوض والحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران: قراءة في المؤشرات والدلالات

     
عدن توداي             عدد المشاهدات : 51 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
سيناريوهات التفاوض والحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران: قراءة في المؤشرات والدلالات

 

 

عدن توداي

د. جمال الهاشمي

تشير المعطيات الراهنة إلى أن مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران أصبح ضرورة استراتيجية فرضتها كلفة المواجهة المفتوحة ومخاطر الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة.

وهو ما يشير إلى توازن جديد في الشرق الأوسط بحيث يكون قائما على الردع وليس على الحسم العسكري

مقالات ذات صلة

مطيع سعيد المخلافي يكتب.. الحو-ثي يحشد ويصعد والشرعية تستنكر وتندد

البقرة الحلوب

آن أول مؤشرات التفاوض هو انتقال الخطاب الأمريكي من استراتيجية الردع الصلب إلى الردع المرن أي الجمع بين الضغط العسكري المحدود وفتح قنوات خلفية للتفاهم.

هذا التحول يعكس إدراكا بأن ضرب إيران عسكريا لن ينهي برنامجها النووي وربما قد يؤدي إلى تسريعه.

والمؤشر الثاني هو انخراط وسطاء إقليميين ودوليين بشكل غير معلن ما يدل على وجود مسار تفاوضي فعلي يجري بعيدا عن الإعلام لتفادي إحراج الأطراف وهو في الأساس محاولة انقاذ سمعة الدول عسكريا بسبب تناقض التصريحات الإعلامية وعجز أي من الأطراف تحقيق أهدافه الموضوعة ضمن الرؤية الحربية حيث لعبت الجغرافيا الإيرانية وقدرتها التنظيمية دورا مهما في نقل الحرب من المواجهة النظامية إلى حرب العصابات على طريق نموذج داعش في التعامل مع التهديدات وهو ما ساعدها في تنويع منصات الإطلاق بالإضافة إلى قدرتها على التحرك السريع.

المؤشر الثالث يتمثل في ضبط إيقاع الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران بحيث تبقى تحت سقف الحرب الشاملة وهو ما يعكس وجود قواعد اشتباكات غير مكتوبة تم التفاهم حولها ضمنيا.

المؤشر الرابع هو غياب قرار حاسم بالحرب رغم التصعيد الإعلامي الذي يستخدم كأداة تفاوضية لرفع سقف الشروط وليس للدلالة على اتباع استراتيجية الحسم العسكري.

وتسعى إيرانعبر شروطها لوقف الحرب لتثبيت المكاسب الاستراتيجية وليس لتقديم تنازلات مجانية و يمكن تلخيص شروطها في ثلاث دوائر:

الدائرة الأولى رفع العقوبات الاقتصادية بشكل فعلي وليس شكليا مع ضمانات بعدم إعادة فرضها وهو مطلب مركزي مرتبط بشرعية النظام داخليا.

الدائرة الثانية الاعتراف بدورها الإقليمي كقوة مؤثرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن ووقف استهداف حلفائها وهو ما تعتبره جزءا من أمنها القومي الممتد.

الدائرة الثالثة الحفاظ على برنامجها النووي ضمن صيغة لا تمس جوهره السيادي أي قبول رقابة محدودة دون تفكيك البنية التحتية أو التخلي عن قدرات التخصيب.

وفي المقابل تركز الولايات المتحدة المبنية على مقاربة الاحتواء من خلال تركيزها على ثلاثة أهداف رئيسية:

أولها تجميد البرنامج النووي الإيراني عند مستوى يمنع الوصول إلى السلاح النووي مع نظام رقابة صارم وطويل الأمد. ثانيها تقليص النفوذ العسكري الإيراني في الإقليم خصوصا ما يتعلق بدعم الفصائل المسلحة التي تهدد المصالح الأمريكية وحلفاءها . ثالثها ضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج ومنع أي تهديد مباشر للبنية التحتية النفطية العالمية.

إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى مواجهة شاملة لأنها تدرك أن كلفتها ستفوق مكاسبها في ظل بيئة دولية معقدة وتنافس متصاعد مع قوى كبرى أخرى.

ومن جهة أخرى فإن إسرائيل تضع شروطا مختلفا لأنها تشعر بالتهديد وتريد أن تستقل مستقبلا عن أي غطاء أمريكي أو أي حماية دولية بديلة لهذا فإن مقاربتها أكثر حدة وأقل مرونة لأنها تنطلق من عقيدة أمنية تقوم على منع التهديد قبل تشكله؛ الشرط الأول التي تقدمه هو تفكيك القدرات النووية الإيرانية أو على الأقل تعطيلها بشكل كامل وليس تجميدها والشرط الثاني يتمثل في إنهاء الوجود العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر في سوريا ولبنان خصوصا وكل ما يتعلق بتعزيز قدرات الفصائل المسلحة التي تمنع توسعها والشرط الثالث فرض آلية ردع تضمن حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل إقليم الشرق الأوسط مع ضمان حيادية إيران.

وترى إسرائيل أن أي اتفاق لا يحقق هذه الشروط هو د تأجيل للخطر وليس حلا له.

والتحليل المنطقي يفرض استبعاد الحلول النهائية وما سيتم تبنيه عمليا هو حزمة وسطية تقوم على مبدأ التجميد مقابل التخفيف وهنا سيتم القبول الجزئي برفع العقوبات لكن بشكل تدريجي ومشروط وسيرتبط ذلك مرحلي بمؤشرات التزام فنية قابلة للقياس

كنا سيتم التسليم الضمني بدور إيران الإقليمي لكن دون اعتراف رسمي أي أن الاعتراف سيكون عمليا لا رسميا أي قبول بالأمر الواقع مقابل خفض مستوى النشاط العسكري غير المباشر خاصة في بؤر التوتر الحساسة.

كما سيتم الإبقاء على البرنامج النووي الإيراني ضمن سقف تقني محدد يمنع التحول إلى سلاح واقصد هنا السماح بالتخصيب المنخفض والمتوسط مع رقابة مشددة.

أما ما سيؤخذ من الشروط الأمريكية فأعتقد أن هذا المحور هو الأكثر قابلية للتحقق لأنه يمثل نقطة التوازن بحيث يتم تجميد البرنامج النووي عند عتبة معينة مع نظام تفتيش موسع وطويل الأمد وسيكون شرطا مركزيا غير قابل للتفاوض وضبط السلوك الإقليمي الإيراني وخفض التصعيد وليس الانسحاب الكامل.

أي تقليل الدعم العسكري المباشر للفصائل دون تفكيك الشبكات بالكامل وضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج وهذا سيكون ملزما.

اما ما سيؤخذ من الشروط الإسرائيلية فسيتم استيعاب جزء أمني محدود من المطالب الإسرائيلية دون تبنيها بالكامل

ومنها تعطيل بعض مكونات البرنامج النووي الحساسة وتقييد التموضع العسكري الإيراني في مناطق محددة مثل سوريا عبر تفاهمات غير معلنة تسمح بتقليص الوجود وليس إنهائه مع استمرار حرية العمل الإسرائيلي في هذا المجال الأمني و سيبقى جزئيا ومقيدا بقواعد اشتباك جديدة لتفادي التصعيد الواسع عبر تنفيذ إسرائيل ضربات استراتيجية مع التوسع التدريجي وليس الشامل عبر توسيع مجالات الأحزمة الأمنية .

اما ما سيتم رفضه أو استبعاده

وهو تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل كونه مرفوض إيرانيا وغير قابل للفرض عمليا

كما إنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني بشكل جذري غير واقعي بسبب تشابك البنى المحلية كما ان رفع كامل وفوري للعقوبات غير مقبول أمريكيا لأنه يفقد ورقة الضغط الأساسية بالأضافة الى ذلك فإن الضمانات ألامنية المطلقة لإسرائيل غير ممكنة في بيئة ردع متبادل إلا في حالة أن ترامب يعاني من ضغوط إسرائيلية حساسة قد تنهي مسيرته السياسية وربما الشخصية.

وتشهد مسارات اتخاذ القرار داخل الولايات المتحدة تجاه إيران حالات معقدة و بنيوية بحيث لا يمكن اختزالها في ثنائية التأييد والمعارضة أو في مركز قرار واحد يوجه السياسة الخارجية.

وما يظهر إعلاميا كسياسة موحدة هو في الواقع نتاج تفاعل كثيف بين مؤسسات أمنية واستخباراتية وعسكرية وتشريعية وجميعها تنتج في النهاية موقفا وسطيا يتسم بالمرونة والصرامة في آن واحد. هذا النمط يعكس طبيعة الدولة الأمريكية الحديثة التي لا تدار بمنطق القرار الفردي وإنما بمنطق التوازن المؤسسي بين مراكز القوة المتعددة في الداخل الأمريكي وهو ما يجعل القرار النهائي أقرب إلى تسوية دائمة بين مراكز النفوذ المؤسسي التي تتشارك في اتخاذ القرارات .

و الانقسام حول الحرب على إيران لا يفسر كصراع سياسي تقليدي وإنما كتباين في فلسفة إدارة القوة.

فهناك تيار يميل إلى تعظيم أدوات الردع الصلب ويعتبر أن الضغط العسكري والاستخباراتي هو اللغة الأكثر فاعلية لضبط سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها النووي دون أن يصل بالضرورة إلى خيار الحرب الشاملة.

وفي المقابل يبرز تيار آخر أكثر مؤسساتية وبراغماتية يرى أن الهدف الأساسي ليس النصر الشامل وإنما الاحتواء والسيطرة بالقوى الدبلوماسية والاقتصادية وتغيير النظام من الداخل من نظام معادي إلى نظام موالي وأن الأولوية تكمن في منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يمكن أن تخرج عن السيطرة وتفرض كلفة استراتيجية واقتصادية وسياسية غير قابلة للإدارة.

وبين هذين التيارين يظهر تيار ثالث ذو طابع سياسي داخلي يركز على تقليص الانخراط الأمريكي في النزاعات الخارجية ويضغط باتجاه إعادة توجيه الموارد نحو الداخل ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على عملية صنع القرار دون أن يتحول إلى محدد مباشر للسياسة التنفيذية

و هذا التعدد لا يقود إلى شلل في القرار وإنما يخلق سياسة هجينة تقوم على الجمع بين عناصر متناقضة ظاهريا لكنها متكاملة عمليا.

فالخطاب السياسي يتجه نحو التشدد لرفع سقف الردع وإرسال إشارات قوية باستخدام القوة بينما يتم ضبط التنفيذ العسكري ضمن حدود دقيقة تمنع الانزلاق إلى حرب واسعة .

في حين تتوسع الأدوات غير العسكرية مثل العقوبات الاقتصادية والحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية كبدائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

و بهذا النموذج المؤسسي لا تعكس السياسة الأمريكية تجاه إيران قرارا واحدا بقدر ما تعكس استراتيجية ضغط مستمر تدار بعقلية إدارة المخاطر وليس بعقلية التفوق النهائي.

وفي هذا السياق تلعب إسرائيل دورا مهما في إعادة تشكيل سقف النقاش داخل المنظومة الأمريكية من خلال دفع بعض مراكز القرار نحو تشديد المقاربة الأمنية ورفع مستوى الحساسية تجاه التهديد الإيراني.

غير أن هذا التأثير رغم أهميته يظل محكوما بالبنية الأمريكية ذاتها التي تحتفظ بالقرار النهائي وتعيد ضبطه وفق اعتبارات أوسع تتعلق بالاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة وتوازن القوى العالمية.

لذلك فإن العلاقة ليست علاقة قيادة أو تبعية وإنما علاقة تأثير داخل إطار مؤسسي مستقل.

ويشير هذا التفاعل المعقد إلى أن السياسة الأمريكية لا تميل إلى الحرب الشاملة ولا إلى التسوية النهائية وإنما تميل إلى إدارة صراع طويل الأمد مع إيران بحيث يقوم على رفع الضغط إلى أقصى حد ممكن دون تجاوز العتبة التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي شامل.

وبهذا الأسلوب فإن الانقسام داخل الولايات المتحدة لا يمثل أزمة في اتخاذ القرار وإنما يعكس آلية تداولية مقننة ومسروطة بحيث توازن بين قوى متعارضة تفرض في النهاية خيارا استراتيجيا واحدا وهو استمرار الاحتواء تحت سقف الردع دون حسم أو استسلام و إدارة أزمة ممتدة بزمن مفتوح لأهميتها في استمرار تدفع المصالح الأمريكية واستمرارها في المنطقة.

ويتحدد تأثير إسرائيل على القرار الأمريكي تجاه ملفات الإقليم خصوصا ملف إيران ضمن بنية نفوذ مركبة ولا يتعلق الأمر بسيطرة الرئيس على القرار بقدر ما يتعلق بتداخل المصالح الاستراتيجية التي تجعل مساحة التمايز بين الطرفين محدودة في القضايا الأمنية الكبرى وأول مستوى لهذا التأثير هو مستوى التوافق الاستراتيجي البنيوي؛ فالولايات المتحدة ترى من إسرائيل عنصر وظيفي في توازن القوى في الشرق الأوسط و خصوصا في ملف الردع الإقليمي ومنع تمدد النفوذ الإيراني.

هذا التوافق ينسجم مع القرارات الأمريكية التب تحرك تلقائيا داخل إطار ممنهج بحيث لا يتناقض مع متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي لأن تعريف التهديد نفسه متقارب بين الطرفين وإنا المستوى الثاني فهو مستوى التأثير المؤسسي غير المباشر وهنا يظهر التأثير عبر شبكات ضاغطة سياسيا وتشريعيا وإعلاميا داخل النظام الأمريكي. هذه الشبكات لا تصنع القرار لكنها ترفع كلفة تجاوزه وتؤثر في صياغة البدائل المطروحة داخل دوائر صنع القرار خصوصا في الكونغرس ومراكز التفكير الاستراتيجي.

و النتيجة العملية هو تضييق نطاق الخيارات السياسية الممكنة وليس فرض خيار واحد بعينه.

وأما المستوى الثالث فيتعلق بالمؤسسة الأمنية والعسكرية إذ أن هناك تداخل عميق بين الأجهزة الاستخباراتية والتقديرات الأمنية الأمريكية والإسرائيلية مما يولد نوعا من التناغم التقييمي في قراءة التهديدات خصوصا فيما يتعلق ببرامج إيران الصاروخية والنووية.

هذا التناغم لا يعني تطابقا كاملا و لكنه يقلل من فرص ظهور قرارات أمريكية معاكسة جذريا للموقف الإسرائيلي في لحظات التصعيد.

أما في حالة الرؤساء ذوي الأسلوب التنفيذي السريع مثل دونالد ترامب فإن تأثير إسرائيل لا يعمل كقيد مباشر على القرار بقدر ما يعمل كعامل تسريع أو تعزيز لمسار قائم أصلا داخل الإدارة الأمريكية.

أي أن التأثير يكون مضاعفا لاتجاهات موجودة وليس منشئا لها من الصفر و يجب الانتباه إلى أن هذا التأثير لا يلغي استقلالية القرار الأمريكي.

ف النظام السياسي في الولايات المتحدة قائم على تعدد مراكز القوة مما يعني أن أي توجه يتبناه طرف خارجي حتى لو كان حليفا وثيقا يظل خاضعا لمعادلة داخلية تشمل البنتاغون ووزارة الخارجية و الاستخبارات والكونغرس.

هذه البنية تمنع تحويل التأثير إلى تبعية وبالتالي يمكن توصيف العلاقة على أنها علاقة تقاطع استراتيجي عالي الكثافة حيث تتقارب الحسابات الأمنية في لحظات الأزمات خصوصا مع إيران بينما تعود مساحات الاختلاف للظهور في إدارة التوازنات الإقليمية الأوسع وتحديد سقف التصعيد.

واخبرا تتحدد مسارات التعامل مع إيران ضمن ثلاث دوائر كبرى:

– إدارة التصعيد.

– التفاوض القسري

– الحرب المحدودة أو المفتوحة.

وكل دائرةتعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط والخليج العربي مع اختلاف مسبي في مستوى المخاطر وسرعة الانفجار الإقليمي.

و السيناريو الأول يقوم على تفاوض مشروط تحت ضغط عسكري واقتصادي و في هذا الإطار تستمر العقوبات الأمريكية ويكثف الضغط الاستخباراتي مع إبقاء قناة تفاوض غير مباشرة مفتوحة والهدف ليس الوصول إلى تسوية شاملة بل فرض سقف سلوك على إيران في ملفات النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

هذا السيناريو يخقق استقرارا نسبيا في الخليج لكنه استقرار يقوم على الردع وليس الثقة مع استمرار التوتر منخفض الحدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

والسيناريو الثاني هو تفاوض تصادمي أو ما يمكن وصفه بالدبلوماسية القسريةو هنا يتم رفع مستوى الضغط العسكري المحدود مثل ضربات دقيقة أو عمليات سيبرانية بالتوازي مع عرض اتفاق جديد أكثر صرامة من الاتفاق النووي السابق.

هذا النمط يهدف إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة وليس تحسينها فقط.

وفيه يزداد مخاطر الرد غير المباشر عبر وكلاء إيران وارتفاع احتمالات استهداف منشآت الطاقة أو الملاحة دون الدخول في حرب شاملة .

والسيناريو الثالث هو الحرب المحدودة و في هذا السيناريو يتم استهداف قدرات نووية أو صاروخية إيرانية عبر ضربات جوية أو عمليات مشتركة دون نية معلنة لتغيير النظام.

هذا النوع من الحرب يؤدي إلى إعادة هندسة الأمن في الخليج مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتعطيل جزئي للملاحة في مضيق هرمز وتوسع عمليات الرد عبر ساحات غير مباشرة.

لكنه يبقى محكوما بسقف يمنع التحول إلى احتلال أو حرب برية طويلة بسبب التكلفة السياسية والعسكرية العالية.

والسيناريو الرابع وهو الأقل احتمالا لكنه الأكثر خطورة و يتمثل في الحرب الإقليمية المفتوحة هنا تتوسع المواجهة لتشمل إسرائيل و قواعد أمريكية في الخليج ووكلاء إيران في أكثر من ساحة.

هذا السيناريو يؤدي إلى تفكك جزئي في منظومة الأمن الإقليمي ويدفع دول الخليج إلى إعادة تعريف عقيدتها الأمنية بشكل جذري مع احتمال تسارع سباق التسلح والدخول في تحالفات أمنية أكثر صلابة مع الولايات المتحدة أو قوى دولية أخرى

في جميع السيناريوهات.

أما وفي حال شعرت الولايات المتحدة وإسرائيل بتهديد وجودي مباشر فإن سؤال استخدام اسلحة محرمة دوليا لا يمكن مقاربته من زاوية الانفعال السياسي وإنما من زاوية استراتيجية الردع ومنطق بقاء الدولة داخل بيئة استراتيجية مغلقة.

إن القرار في هذا المستوى لا يتشكل من رد فعل نفسي وإنما من حسابات قصوى تتعلق بانهيار البدائل التقليدية وتآكل قدرة الردع وارتفاع تكلفة عدم الفعل مقارنة بتكلفة الفعل.

إن منطق السلوك الاستراتيجي في الدول الكبرى يقوم على تسلسل تصعيدي متدرج قبل الوصول الى اي خيار خارج المنظومة القانونية الدولية بحيث يتم استنزاف كل ادوات الحرب التقليدية بما في ذلك الضربات الدقيقة والحرب السيبرانية والعمليات الخاصة والحصار الاقتصادي وتوسيع نطاق الردع غير المباشر.

و هذا يعني ان فكرة الانتقال الى اسلحة محظورة لا تظهر الا عندما تفشل كل مستويات التصعيد الادنى في تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو منع الخطر الوجودي او احتواؤه ود.. لكن و حتى في هذه الحالة القصوى تظهر قيود بنيوية صارمة.

بالنسبة للولايات المتحدة يشكل النظام الدولي القائم على الشرعية القانونية والعسكرية جزءا من رأس مالها الاستراتيجي وأن استخدام اسلحة محرمة يعني انهيار مكانتها وفتح باب عزل دولي واسع مما يضعف شبكة التحالفات ويعيد تعريف موقعها القيادي عالميا.

اما بالنسبة لإسرائيل فإن البيئة الجيوسياسية المحيطة تجعل أي تجاوز جذري للمعايير الدولية محفوفا بتصعيد مضاد واسع النطاق مما قد يهدد استقرارها الاستراتيجي على المدى المتوسط والطويل.

آن الدوافع النظرية التي يمكن تصورها في اقصى السيناريوهات هو في حالة وجود تهديد وجودي مباشر وفوري بعد فشل كامل لكل وسائل الردع التقليدي مع ظهور خصم يمتلك قدرة تدميرية غير قابلة للاحتواء ضمن حدود الحرب التقليدية.

في هذه الحالة يصبح الهدف ليس تحقيق انتصار سياسي وإنما منع الانهيار الاستراتيجي للدولة.

ومع ذلك يبقى هذا السيناريو افتراضيا شديد الندرة في التاريخ الحديث لأن النظام العسكري في الدول الكبرى مصمم لتوسيع نطاق الخيارات التقليدية قبل التفكير في كسر القواعد الدولية وفي حالة وجود قيادات تنفيذية قوية مثل دونالد ترامب فإن مركز القرار لا يتحول الى قرار فردي مطلق. فالمؤسسة العسكرية والاستخباراتية والقانونية تشكل بنية متوازنة لمنع الانزلاق السريع نحو قرارات غير قابلة للعودة.

حتى في لحظات التصعيد القصوى يتم توجيه القرار نحو خيارات تقلل الكلفة السياسية والقانونية وتبقي هامش السيطرة قائما وبناء على ذلك يمكن القول ان الدافع الحقيقي الوحيد الذي قد يفتح النقاش حول هذا النوع من الاسلحة هو انهيار كامل لمنطق الردع التقليدي وظهور تهديد وجودي فوري لا يمكن احتواؤه بالوسائل العسكرية التقليدية. وتبقى الاسلحة خارج هذا السياق في نطاق الاستخدام العملي لأنها لا تعني فقط تصعيدا عسكريا وإنما تعني أيضا تفكيكا لبنية الشرعية للنظام الدولي الذي تعتمد عليه هذه القوى نفسها في استمرار نفوذها واستقرارها الاستراتيجي.

ولكن قد تستخدم أسلحة غير نووية بحيث لا يمكن اكتشافها أو قد يعاد تدويرها ضمن نطاق آخر.

كل هذه السيناريوهات بنيت على ما سبق من معطيات بالإضافة إلى تحليل مميزات القوة لكل طرف من أطراف الحرب من خلال قياس قدراته الفعلية لا كما يصورها الإعلام وكيف ستجري معطياته على مستقبل الحرب ونطاقاته.

فمثلا إسرائيل تتفوق في مجال القرار الأمني السريع والقدرة على فرض وقائع عسكرية دقيقة و لديها تفوق استخباراتي وتكنولوجي يسمح لها بالضرب الانتقائي دون الانجرار لحرب شاملة بسهولة

كما تمتلك تأثيرا عميقا داخل دوائر صنع القرار الأمريكية ما يمنحها قدرة توجيه غير مباشرة للسياسات خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي.

هذا النفوذ ليس مستقلا كون إسرائيل لا تستطيع فرض حرب كبرى على إيران دون غطاء أمريكي كامل كما أنها غير قادرة على تحمل تبعات حرب إقليمية طويلة بمفردها إضافة إلى ذلك نفوذها شبه منعدم داخل المجتمعات الإقليمية مقارنة بإيران التي تعتمد على شبكات نفوذ غير رسمية ممتدة.

وفي المقابل فإن إيران تمتلك عمقا جيوسياسيا وشبكات تأثير ميدانية في عدة ساحات وقدرتها ليست في حيازة النصر وإنما في الاستنزاف وإدارة الصراع طويل الأمد.

كما أن كلفة ضربها أعلى بكثير من كلفة ضرب خصومها بسبب اتساع الجغرافيا وتعدد أدوات الرد وهو سيعيد هندسة الصراع الإسرائيلي نحو ضرب الأطراف وتدميرها في سلسلة من الطلعات الجوية الدقيقة مع استخدام أدواتها لاضعاف إيران ودعم قوى داخلية وتفكيك النظام بأدوات أقل كلفة من العمل العسكري في حال آثرت أمريكا الحل الدبلوماسي وهو ما لا تريده إسرائيل ويعتمد على مدى قدرتها وتأثيرها من خلال ما تقدمه من معلومات حقيقية .

إن إسرائيل أقوى تكتيكيا وإيران أقوى استراتيجيا في الصراع الطويل والولايات المتحدة هي الضامن الذي يحدد التوقيت والطريقة والأسلوب .

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

مجلة إيكونومست: وفد حوثي زار السعودية برئاسة محمد عبدالسلام وهذا ما طلبه من المملكة

بوابتي | 776 قراءة 

تسليم النقاط الامنية لهذه القوات لاول مرة منذ سنوات

كريتر سكاي | 708 قراءة 

السعودية تنفذ الإعدام بحق مقيم يمني بعد اكتشاف فظاعة ”هذه الجريمة”!

المشهد اليمني | 482 قراءة 

تقرير خاص | عاصفة الحزم.. الوثبة العربية الأولى في وجه المشروع الإيراني (فيديو)

بران برس | 461 قراءة 

عاجل:صرف مرتبات شهر مارس بالريال السعودي لهؤلاء

كريتر سكاي | 424 قراءة 

إسعاف عريس في عدن بعد ساعات من زفافه بسبب جرعة زائدة من الفياجرا

باب نيوز | 416 قراءة 

لماذا حرص اللواء الزبيدي على وجود فريقه الخاص وأهم القيادات الجنوبية معه؟!

مراقبون برس | 391 قراءة 

خبراء إيرانيون يطلقون صاروخين باليستيين من خولان بمحافظة صنعاء

المشهد اليمني | 388 قراءة 

تحذيرات جوية: أمطار رعدية مرتقبة تضرب عدداً من المحافظات

حشد نت | 349 قراءة 

السلطة المحلية في محافظة عدن تصدر بيان ردا على بيان المجلس الانتقالي

موقع الأول | 325 قراءة