عدن توداي
د. جمال الهاشمي
شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين انتقالا تدريجيا من حالة الفوضى المنظمة إلى حالة الفوضوية المنفرطة حيث لم تعد الصراعات قابلة للضبط ضمن حدود الدولة أو ضمن توازنات إقليمية مستقرة كونها تحولت إلى منظومة تداخل معقدة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين مما أدى إلى إعادة إنتاج للأزمات بدلا من تسويتها.
في المرحلة الأولى التي يمكن وصفها بالفوضى المنظمة والتي جاءت مع ثورات الربيع العربي لتفتح مسارات متجددة للانتقال السياسي بأشكال غير مكتملة أ. هجينة في عدد من الدول.
و لم يكن الهدف حينها تفكيك الدول بقدر ما كان الهدف منحصر في إعادة تشكيلها عبر قياسات معينة.
غير أن انهيار البنى السياسية وسعي بعض المكونات غير المرغوبة للسيطرة وخصوصا في ليبيا وسوريا واليمن أدى إلى خلق فراغات سلطة تم إدارتها عبر توازنات مؤقتة بين أنظمة قائمة وقوى معارضة وفاعلين مسلحين. هذه المرحلة اتسمت بإمكانية احتواء نسبية للعنف لأن قواعد اللعبة لم تكن قد أعيد تعريفها بالكامل بعد.
ومع تعثر الانتقال السياسي دخلت المنطقة مرحلة الفوضوية المسيسة و هنا لم يعد الصراع داخليا صرفا بل أصبح امتدادا لصراع إقليمي مفتوح.
وبدأت عدد من الدول الإقليمية في إعادة تعريف المصطلحات والمصالحات والمصالح بالاستثمار المباشر في دول الأزمات من خلال دعم أطراف محلية، وبناء شبكات نفوذ تابعة أو موالية خارج الدولة وتحويل النزاعات الداخلية إلى أوراق تفاوض إقليمية.
في هذه المرحلة تحولت الأزمات من ملفات وطنية إلى مساحات للتنافس بين مشاريع إقليمية متقابلة وغاب منطق الشراكة لصالح منطق التنافس على الفراغات التي أحدثتها ثورات الربيع التي صكت كآلية حركية لنقل المجتمعات من السلطوية إلى المشاركة الشعبية.
ومع تزايد التشابك وتعقد مسارات الحسم وبروح تنافس حزبي داخل الدول الثورية برزت الفوضوية المنفرطة كمرحلة ثالثة حيث لم يعد الفاعل الإقليمي وحده قادرا على ضبط الواقع المحلي المتشظي فدخلت قوى دولية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر أدوات عسكرية وأمنية واقتصادية واستخباراتية. هذا التداخل أدى إلى تعدد مراكز القرار داخل الساحة الواحدة وإلى تآكل قدرة الدول على احتكار العنف أو احتواء الصراع داخليا وتحول الإقليم إلى فضاء مفتوح تتقاطع فيه الاستراتيجيات دون مركزية واحدة في إطار الحديث عن فيدراليات نفوذ جهوية.
وفي هذا السياق انتقلت الدول من التعاون النسبي في إدارة الأزمات إلى التنافس البنيوي عليها وبدأت كل دولة توظف ملفات الإقليم لتحقيق مكاسب خاصة تتعلق بالأمن والنفوذ والعمق الاستراتيجي وهو ما أدى إلى إعادة تعريف المصالح القومية بوصفها مصالح تفاضلية لا مصالح مشتركة.
هذا التحول عمق الانقسام الإقليمي وجعل من الأزمات أدوات للتفاوض مما أفسد الحلول وعطل المقاربات والرؤى الوطنية وحال دون الحزم العسكري .
ضمن هذا المشهد أعيد توزيع موازين القوى بصورة غير متكافئة. وقد استفادت إسرائيل من حالة التفكك الإقليمي وتراجع التنسيق العربي ما سمح لها بتوسيع حركتها السياسي والأمني دون مواجهة جبهة إقليمية موحدة.
و في المقابل تحركت قوى إقليمية أخرى عبر بناء شبكات نفوذ داخل مجتمعات ودول مختلفة و أحيانا تحت عناوين أيديولوجية أو أمنية مما زاد من تشابك الساحات وتفكيها بدلا من مقاربتها و توحيدها.
أما الدور الأمريكي فقد اتجه في مجمله إلى إدارة التوازنات أكثر من بناء أنظمة إقليمية مستقرة أذ تم توظيف الانقسامات القائمة كأداة لضبط التوازن ومنع صعود قوة إقليمية عربية مع دعم ترتيبات أمنية متعددة لتحقيق مصالح اقتصادية ودعما لتفوق مطلق لإسرائيل و هذا المنطق ساهم في تثبيت حالة التعدد غير المنسجم داخل منطقة الشرق الأوسط .
وفي ظل هذا التحول تراجعت المشاريع الكبرى التي سعت نحو إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤى وحدوية أو شمولية وفقد المشروع القومي العربي زخمه نتيجة الانقسامات الداخلية والتجارب السياسية المتعثرة كما واجه المشروع الإسلامي السياسي تحديات بنيوية مرتبطة بالواقع الوطني والدولي مما أدى إلى انحسار قدرة هذه المشاريع على إنتاج إطار جامع موحد ويمكن القول بأن هذه المشاريع إضافة إلى مشاريع المواطنة والدولة المدنية وظفت لتقسيم الواقع وتوسيع الفجوات داخل الدول والأقليم والشرق الاوسط.
ا أن الشرق الأوسط خرج من فوضى يمكن إدارتها نسبيا إلى فوضوية متعددة المستويات محليا وإقليميا ودوليا المحلي وتآكلت معها الحدود بين الدولة واللا دولة وتوسعت معها التهديدات العابرة للحدود .
ويشير الاتجاه العام إلى استمرار عسكرة المجتمعات وتآكل مركزية الدولة وتزايد التنافس الإقليمي ما لم يظهر إطار جديد لإعادة تنظيم المصالح المشتركة على أسس أكثر استقرارا وتوازنا ومبادئا وعدلا.
إن الفوضوية اوجدت انعطافات استراتيجية في بنية الأمن الإقليمي فالتهديد الأمني أصبح هلاميا وموزعا عبر شبكات غير مستقرة تتداخل فيها الدولة واللادولة و المحلي والدولي والنظامي وغير النظامي وهو ما جعله عملية معقدة تحتاج إلى تفكيك بنوي لكل بنية إشكالية وحلول .
وهذا الوضع اعاد تشكيل مفهوم الأمن من أمن الدولة إلى إدارة الانفجارات المستمرة.
و يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الوضع الأمني:
السيناريو الأول سيكون في ترسيخ الأمن الهش طويل الأمد إذ تستمر الدول القائمة دون انهيار شامل مع بقائها في حالة ضعف مؤسسي متفاوت حتى لا يحدث استقرار حقيقي ولا انهيار نهائي وإنما تتكرس حالة اللاحسم ومن خصائصه؛ استمرار النزاعات منخفضة الحدة في عدة ساحات مع بقاء الميليشيات والفاعلين العسكريين الجهويين والحزبيين كجزء من المشهد الأمني واعتماد الدول على ترتيبات أمنية خارجية أو ثنائية وتراجع قدرة الدولة المركزية على الاحتكار الكامل للعنف وهذا السيناريو يمكن أن يخلق استقرارا شكليا لكنه غير قابل للتحول إلى سلام دائم.
ويركز السيناريو الثاني على أعادة تمركز النفوذ الإقليمي وفي هذا المسار تنجح بعض القوى الإقليمية في فرض نوع من إعادة التوازن عبر تثبيت مناطق نفوذ واضحة داخل الإقليم و لا يعني ذلك إنهاء الفوضى وإنما إعادة توزيعها بشكل منظم نسبيا ومن سماته الأساسية؛ تقسيم غير معلن لمجالات النفوذ وتثبيت خطوط تماس طويلة الأمد بين القوى الإقليمية وانتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى إدارة الوكلاء وارتفاع أهمية الأمن الاستخباري والحروب غير المباشرة وهذا السيناريو سبولد نظام غير مكتمل الاستقرار أو استقرارا نسبيا بناء على الردع المتبادل وليس الحل السياسي مما سيزيد من معاناة دول الربيع الثورية .
والسيناريو الثالث سيكون بمثابة تصعيد تفككي متعدد المستويات
وهذا هو السيناريو هو الأكثر خطورة بحيث ينقل الفوضوية المنفرطة إلى مستوى أعلى من التفكك و تتراجع معه قدرة الدول على التحكم في حدودها الداخلية ومن مؤشراته:
توسع الصراعات الداخلية داخل الدولة الواحدة وتزايد الانقسامات المجتمعية المسلحة أو شبه المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق وانتقال العنف عبر الحدود بشكل متكرر وفي هذا الصدد يتحول الأمن من وظيفة دولة إلى وظيفة شبكات متعددة مما يضعف مفهوم السيادة بشكل جذري.
ورغم اختلاف المسارات هنا إلا أن هذه السيناريوهات تجتمع في عناصر مشتركة تتحكم في مستقبل الأمن الإقليمي كاستمرار عسكرة المجتمعات وارتفاع دور الفاعلين المحليين العابرين لحدود الدولة وتداخل الأمن الداخلي مع الأمن الإقليمي وضعف الأطر الجماعية العربية في إدارة الأزمات واستمرار التنافس الإقليمي كعنصر مولد للتوتر والتحول المفاهيمي في الأمن.
وأهم ما يميز المرحلة الحالية هو أن الأمن لم يعد مستقرا بقدر ما أصبح مضطربا ومع هذه النمطية ستركز الإدارات الأمنية على إدارة الاضطراب المزمن.
أي أن الدول لم تعد تسعى إلى إنهاء التهديدات لعجزها عن ابتكار الحلول وضعف قدراتها وهو ما سيدفعها إلى العمل على احتوائها وإعادة توزيعها زمنيا وجغرافيا واتباع سياسة التهدئة حتى تتهالك تدريجيا.
هذا التحول يعني أن المنطقة ستتجه نحو أمن شبكي بديل عن الأمن المركزي وردع متعدد الأطراف بدلا من السيادة الأحادية وإدارة للأزمات المستمرة بدلا من تسويات نهائية.
واقتصاديا يشهد الشرق الأوسط تحولا عميقا في بنيته الاقتصادية نتيجة انتقاله من الفوضى المنظمة إلى الفوضوية المنفرطة وهنا لم يعد الاقتصاد منظومة وطنية مستقرة تخضع بالكامل لسلطة الدولة بمعنى آخر أنه أصبح فضاء متشابكا تتداخل فيه الدولة مع الفاعلين غير الدوليين والاقتصاد الرسمي مع الاقتصاد الموازي والتنمية مع الصراع واقتصاد السياحة مع الاقتصاد الحربي وهذا التحول يعيد تعريف وظيفة الاقتصاد ذاته من كونه أداة نمو إلى كونه جزءا من بنية التنافس والصراع الإقليمي.
وأول مظاهره الأساسي تراجع مركزية الدولة في إدارة الاقتصاد وقدرة الدولة على ضبط الجباية الضريبية وإدارة الموارد وتوجيه الاستثمار بحيث أصبحت أكثر هشاشة مقابل التوسع الواضح للاقتصاد غير الرسمي.
هذا الاقتصاد الموازي لم يعد ثانويا وإنما أصبح جزءا بنيويا من الدورة الاقتصادية خصوصا في البيئات المتأثرة بالنزاعات أو الضعف المؤسسي.
وفي موازاة ذلك برز ما يمكن تسميته باقتصاد الحرب وإعادة الإعمار في مناطق النزاع وهنا لم تعد الحرب فقط حالة أمنية وإنما أصبحت منظومة اقتصادية قائمة بذاتها تنتج شبكات تمويل وسلاسل توريد وفرص الربح المرتبطة بالفوضى.
وفي المقابل تحولت عمليات إعادة الإعمار إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي تستخدمها الدول والشركات والفاعلون الإقليميون لإعادة تشكيل خرائط التأثير داخل الدول الضعيفة.
كما شهد الإقليم صعودا واضحا للاقتصاد الشبكي العابر للحدود حيث تراجعت مركزية العواصم الاقتصادية التقليدية لصالح الموانئ والمدن الحدودية والنقاط اللوجستية.
هذا الاقتصاد يعتمد على التدفقات السريعة لرأس المال والبضائع والتحويلات ويعمل في كثير من الأحيان خارج الأطر المؤسسية الصارمة مما يعزز مرونته وفي الوقت نفسه يزيد هشاشته.
وفي السياق نفسه أعيد توزيع رأس المال الإقليمي وفق اعتبارات سياسية وأمنية أكثر من كونها اقتصادية بحتة.
إن الاستثمارات لم تعد تتحرك وفق منطق الربح وحده وإنما أيضا وفق منطق الاصطفاف الجيوسياسي.
و هذا يعني أن الاقتصاد أصبح أداة ضمن أدوات النفوذ المتداخل مع التمددات السياسة.
ويمكن فهم البنية الاقتصادية الحالية في الشرق الأوسط من خلال ثلاث طبقات او مستويات ؛ الطبقة الأولى وتمثل الاقتصاد الرسمي المرتبط بالدولة والمؤسسات المالية التقليدية و الثانية هو الاقتصاد الموازي الذي تندرج تحته الأنشطة غير الرسمية والغير منظمة حيث يتمركز مكونات النفوذ داخل الدولة .
أما الطبقة الثالثة فهو اقتصاد الصراع الذي يرتبط بالحروب والعقوبات وشبكات التمويل غير المباشر للنزاعات .
و التفاعل بين هذه الطبقات هو ما يحدد طبيعة الاقتصاد الإقليمي اليوم وضمن هذا الإطار يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الاقتصاد في المنطقة:
السيناريو الأول هو سيناريو الاستقطاب الاقتصادي المستقر نسبيا وفي هذا المسار تتشكل مراكز اقتصادية إقليمية واضحة في دول تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار بينما تبقى مناطق أخرى في حالة تهميش اقتصادي أو هشاشة مزمنة وخصوصا دول الربيع المزمنة بصراع الانقسام الايدلوجي والحزبي التي ورثتها عن الديمقراطية الأمريكية .
ويتميز هذا السيناريو بوجود نمو غير متوازن واستمرار الاقتصاد الموازي في الأطراف مقابل تركيز رأس المال في مراكز محددة.
السيناريو الثاني هو سيناريو الاقتصاد الشبكي الإقليمي المفتوح و في هذا المسار تتعمق الروابط الاقتصادية غير الرسمية بين دول متجاورة رغم استمرار الانقسام السياسي و تتوسع التجارة البينية غير الرسمية وتزداد أهمية الموانئ والممرات اللوجستية ويصبح الاقتصاد أكثر مرونة لكنه أقل قدرة على التنظيم والحوكمة.
أما السيناريو الثالث فهو سيناريو التفكك الاقتصادي العالي المخاطر حيث يؤدي استمرار الفوضوية المنفرطة إلى انهيارات جزئية في بعض الاقتصادات الوطنية و يتميز هذا المسار بتراجع حاد في قيمة العملات وتوسع اقتصاد الحرب و هروب رؤوس الأموال وتدهور القدرة الإنتاجية مما يحول الاقتصاد إلى اقتصاد بقاء بدل اقتصاد تنمية.
إن العلاقة بين الاقتصاد والأمن في هذا السياق علاقة بنيوية وليست عرضية.
وكل تصاعد في مستويات الفوضى الأمنية يؤدي إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي وتراجع قدرة الدولة على التنظيم وارتفاع ارتباط الموارد الاقتصادية بالفاعلين المسلحين أو شبكات النفوذ غير الرسمية.
ويغدو الاقتصاد جزءا من آلية الصراع وليس أداة لتجاوزه.
وهنا لم يعد الاقتصاد في الشرق الأوسط وسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي بقدر ما أصبح أحد أسباب عدم الاستقرار ووسيلة من وسائل تدمير مقدرات الدولة وإمكانياتها.
ومستقبل المنطقة الاقتصادي سيتحدد بقدرة الدول على إعادة بناء مركزيتها الاقتصادية أو استمرار انخراطها في شبكات اقتصادية متداخلة بين الشرعية والهامش والصراع.
ومن جهة أخرى تشهد عدد من مجتمعات الشرق الأوسط دينامية تفكك تدريجي في بنية الاستقرار الداخلي والقيمي والثقافي نتيجة تداخل ثلاث دوائر مؤثرة او معرقلة على سبيل المثال الفشل الاقتصادي والإداري التنموي و تآكل الدولة بوصفها مرجعية تنظيمية وتنامي الفواعل المسلحة والمعتقدات التعبوية ذات الطابع الجهادي أو شبه العسكري.
هذا التفاعل يعيد تشكيل البنية الاجتماعية نفسها وفق واقعية الانقسام وإعادة توزيع العنف.
و يمكن قياس أثر هذه التحولات عبر مؤشرات مركبة تتجاوز الاقتصاد الكلاسيكي.
وأولها مؤشر الثقة الاجتماعية وهو ما يشير إلى ضعف الدولة و انهيار شبكات الثقة التقليدية بين الأفراد والمؤسسات ونظرا لذلك حل محلها الانتماء الضيق (عشائري و طائفي و أيديولوجي أو مسلح.
و هذا التحول يخلق مجتمعا مجزأ لا يقوم على المواطنة ولا على ثقافة الانتماء بل يصبح المشروع أداة للجهات التي يرى فيها مصالحه .
والمؤشر الثاني يتمثل بإعادة توزيع السلطة داخل المجال الاجتماعي وهذا يأتي نتيجة لحالات الفشل التنموي وبهذا لن تبقى السلطة حكرا على الدولة وإنما تنتقل تدريجيا إلى كيانات موازية للدولة كالجماعات المسلحة المحلية والقاعدة والعابرة للحدود و شبكات اقتصادية غير رسمية تنشأ عبر تدوير المال أو السبطرة أو هياكل دينية ذات طابع تعبوي.
هذه الفواعل لا تنافس الدولة فحسب وإنما تعيد تعريف الشرعية داخل المجتمع.
والمؤشر الثالث يتمثل في تحلل الوظيفة الاحتكارية للعنف .
عندما تفقد الدولة قدرتها على احتكار القوة يتوسع المجال العسكري غير النظامي ويتحول المجتمع إلى ساحات نفوذ لمراكز متعددة.
و هذا الوضع يؤدي إلى ما يمكن تسميته باقتصاد الحماية وهنا تصبح السلامة الشخصية والخدمات الأساسية مرتبطة بالولاء أو الدفع أو الانتماء.
وفي هذا الواقع المؤلم تتصاعد المعتقدات الجهادية أو التعبوية كأطر تفسيرية بديلة للواقع الاجتماعي ويتحول الدين إلى أداة قتالية ترى في التنمية تعطيلا لوجودها واستمرارها.
إن هذه المعتقدات تتغذى على الفراغ المؤسسي وعلى الإحساس بالظلم البنيوي وعلى فشل التنمية وعلى غياب الإدارة المؤسسية الواعية بدورها.
وهي بذلك تؤدي وظيفة مزدوجة وتوفر هوية بديلة للفرد داخل مجتمعات متفككة.
كما يؤدي التعدد العسكري داخل الدولة إلى إنتاج حالة سيادة جهوية حيث لا توجد سلطة مركزية واحدة قادرة على فرض النظام العام.
وهذا التعدد خلق مناطق نفوذ متداخلة وفيه الاستقرار شبه مؤقت وليس بنية عامة ودائمة وبذلك تخضع الدولة لمصالح القوى المحلية والاقليمية.
وبناء عليه يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار هذه المجتمعات:
السيناريو الأول هو سيناريو التفكك المنظم و في هذا المسار تستقر حالة الانقسام الداخلي عند مستوى معين مع وجود مناطق مستقرة نسبيا وأخرى خارجة عن السيطرة.
و يتعايش الاقتصاد الرسمي مع اقتصاد الظل وتستمر الدولة بشكل جزئي بوصفها مركزا إداريا محدود الفعالية.
السيناريو الثاني هو سيناريو إعادة المركزية القسرية و هنا تظهر قوى سياسية أو عسكرية قادرة على إعادة فرض قدر من السيطرة عبر أدوات أمنية صارمة وهذا السيناريو قد يؤدي إلى استقرار ظاهري لكنه غالبا ما يكون استقرارا منخفض الجودة كونه يعتمد على القوة أكثر من الشرعية وعلى الردع أكثر من التوافق الاجتماعي.
والسيناريو الثالث هو سيناريو الانهيار الاجتماعي المتسارع و في هذا النموذج تفقد الدولة قدرتها على الأداء الوظيفي الأساسي وتتحول إلى إطار رمزي بينما تتحول الفواعل المسلحة إلى مكونات أساسية لتنظيم الحياة اليومية.
وهذا السيناريو سيؤدي إلى تفكك المجال العام وتراجع التعليم والصحة وارتفاع مستويات الهجرة والنزوح الداخلي.
إن العلاقة بين الفشل التنموي وصعود المعتقدات الجهادية والتعدد العسكري ليست علاقة سببية موجهة وإننا هي علاقة دائرية و تغذية متبادلة.
إن الفشل يولد الفراغ والفراغ ينتج الفاعلين المحليين وهؤلاء يعيدون إنتاج الفوضى وهو ما يعمق الفشل من جديد.
و يمكن القول إن استقرار هذه المجتمعات مرهون بقدرة الدولة على إعادة إنتاج عقد اجتماعي جديد يعيد دمج الفاعلين المحليين داخل إطار مؤسسي ونخبة وطنية منفتحة وطنيا وإقليميا ودوليا.
إن مواجهة الفوضوية لم يعد يتناسب مع الأدوات التقليدية أو الحلول الترقيعية لأن طبيعة الأزمة بنيوية متعددة المستويات. وليس المطلوب إطفاء الأزمات بقدر ما يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع والإقليم ضمن إطار حوكمة متكامل يعيد إنتاج الاستقرار على أسس جديدة.
وأول مداخلها هو استعادة مركزية الدولة بوصفها فاعلا منظما لا قاهرا و هذا يتطلب إعادة بناء الوظائف الأساسية للدولة ؛ احتكار مشروع للعنف ونظام ضريبي فعال و إدارة موارد شفافة وقدرة على تقديم خدمات أساسية وعملية مؤسسية واعية ومدركة بأهمية التكامل مع الشعب.
بدون هذه القاعدة ستبقى كل الحلول الأخرى سطحية غير أن استعادة المركزية لا تعني العودة إلى السلطوية الصلبة وإنما بناء دولة قادرة تجمع بين الكفاءة المؤسسية والشرعية المجتمعية.
والمدخل الثاني هو إعادة صياغة العقد الاجتماعي لأن أشكالية الفوضوية المنفرطة كانت نتاج لانهيار العلاقة بين المواطن والدولة.
وهنا لا بد من إعادة تعريف هذه العلاقة على أساس الحقوق مقابل الالتزامات، مع إدماج الفاعلين المحليين ضمن إطار قانوني مؤسسي.
وأي مقاربة تتجاهل هذا البعد ستفشل في إنتاج استقرار مستدام.
والمدخل الثالث يتمثل في تفكيك اقتصاد الفوضى لأنه لا يمكن تحقيق استقرار أمني دون معالجة البنية الاقتصادية التي تغذيه وهو ما يستدعي دمج الاقتصاد الموازي تدريجيا في الاقتصاد الرسمي وتقليص اقتصاد الحرب عبر مسارات إعادة إدماج اقتصادي
و خلق فرص تنموية حقيقية في المناطق المهمشة وربط الاستثمار بالإنتاج وليس فقط بالاستقرار الأمني.
إن الاقتصاد هنا ليس مكملا للأمن وإنما هو شرطا له.
والمدخل الرابع يمون في إعادة تأهيل الحقل الديني والمعرفي والتعليمي لأن الفوضوية المنفرطة تستغل فراغ التعليم والمعرفة والدين بقدر ما تستغل فراغ السلطة.
إن بناء تكوين علمي منهجي للأئمة
وتوحيد الحد الأدنى من المرجعية الدينية المؤسسية وفصل الخطاب الديني عن التوظيف السياسي المباشر وإنتاج خطاب قادر على التعامل مع تعقيد الواقع لا تبسيطه
كل هذا يعزز المناعة الفكرية ضد الانزلاق نحو الخطابات التوظيفية للقيم والظين والتعليم .
والمدخل الخامس هو ضبط التعدد العسكري لأنه لا يمكن استقرار أي نظام بوجود مراكز عنف متعددة. والمطلوب وضع مسار تدريجي لدمج الفواعل المسلحة ضمن هياكل رسمية أو تفكيكها عبر تسويات سياسية واقتصادية
وبناء أجهزة أمنية مهنية غير مسيسة وهذا المسار معقد لكنه ضروري لإعادة توحيد السيادة.
والمدخل السادس هو الانتقال من التنافس الإقليمي إلى الحوكمة الإقليمية كون الفوضوية المنفرطة تتغذى على صراع الدول داخل نفس المجال.
و المطلوب منا بناء حد أدنى من تنسيق أمني إقليمي ووضع آليات مشتركة لإدارة الأزمات وقواعد اشتباك تحد من تحويل الدول إلى ساحات صراع وبدون هذا ستبقى كل دولة تعالج الأزمة داخليا بينما تنتجها الفواعل الخارجية.
والمدخل السابع هو إعادة تعريف دور الفاعل الدولي بدلا من إدارة التفكيك أو ما يؤدي إليها ومن توجيه التدخل الدولي نحو دعم وبناء المؤسسات والاستثمار لضمان الاستقرار طويل المدى وتقليص الاعتماد على الحلول الأمنية قصيرة الأمد.
وهذا يتطلب تحولا في منطق التدخل من ادارة التوازن إلى بناء القدرة .
وأقول أن مواجهة الفوضوية المنفرطة ليست عملية سريعة وإنما هي مسار تراكمي يتطلب دولة قادرة ومجتمع مندمج واقتصاد منتج وخطاب ديني متوازن وإطارا إقليميا متعاونا.
بدون هذا التكامل ستبقى المنطقة تدور داخل دائرة مغلقة لإعادة إنتاج الفوضى مهما تغيرت الأدوات أو الفاعلون أو النظم.
مقالات ذات صلة
مجلس القيادة الرئاسي.. ارحلوا واعتذروا للشعب
العدوان على قطر… جرس إنذار للأمة العربية والإسلامية !!.. من بعد قطر ؟!
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news