عقوق أبناء المجلس الانتقالي

     
عدن حرة             عدد المشاهدات : 153 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
عقوق أبناء المجلس الانتقالي

يعقوب السفياني

لم يكن ما جرى في الأشهر والأسابيع الماضية حدثاً عاديًا يمكن وضعه في خانة “المتغيرات السياسية” ثم المضيّ قُدُماً.

كان أقرب إلى مشهدٍ بطيء، تُعاد فيه صياغة القناعات على مهل، ككأس ماءٍ صافية تُلقى فيها ذرات دقيقة لا تُرى، حتى يتغيّر طعمها دون أن يلاحظ أحد لحظة التحوّل.

سألت نفسي مراراً:

كيف يمكن لبعض أبناء المجلس الانتقالي الجنوبي — من الجيل الذي صنعته ساحات الحراك، بصلابته السلمية واندفاعه المسلح، لا أولئك الذين التحقوا لاحقاً لمصالح عابرة — أن يصلوا إلى هذا القدر من الصمت، الذي يلامس حدود العقوق، تجاه ما يجري من محاولات تفكيك المجلس وتقويض وجوده في الداخل؟

التفسيرات الجاهزة كانت حاضرة:

ترهيب… ضغوط… إغراءات… حسابات مصالح.

لكن هذه التفسيرات، رغم وجاهتها الجزئية، بدت كرشفة ماءٍ لا تروي عطش السؤال.

فهؤلاء ليسوا من “المؤلفة قلوبهم” الذين تُعاد صياغة مواقفهم بتبدّل الظروف.

هم أنفسهم الذين واجهوا السجون والتعذيب، ورفعوا سقف الخطاب حين كان الصمت أكثر أماناً، ولم تغرِهم مكاسب كان يمكن أن ينالوها بسهولة في زمنٍ سابق لو كانت غايتهم مادية.

إذن… ما الذي تغيّر فعلاً؟

الخيط يبدأ من خارج المشهد الجنوبي، لكنه يتسلل إليه بهدوء.

من خلال تتبّع تصريحات وتلميحات صادرة عن شخصيات إعلامية سعودية — في القنوات ومنصات التواصل — تتشكل ملامح سردية متكاملة:

إقناعٌ تدريجي بأن المجلس الانتقالي لم يعد كياناً سياسياً جنوبياً خالصاً، بل أصبح مرتبطاً عضوياً بمصالح إماراتية في جنوب اليمن، وهذه بدورها تتقاطع مع مصالح إسرائيلية ضمن محور إقليمي آخذ في التشكل، يُشار إليه بمحور اتفاقيات إبراهيم.

تخيّل المشهد:

غرفة مغلقة في الرياض.

إضاءة هادئة، شاشة كبيرة، وبيانات تُعرض بلغة تقنية باردة.

ضابط سعودي يشير بقلم إلكتروني إلى خرائط تمتد من حضرموت إلى القرن الإفريقي، مروراً بمناطق مثل الفاشر وصوماليلاند، وصولاً إلى صرفيت والوديعة.

خطوط متصلة… كأنها شرايين جيوسياسية.

وعناوين ثقيلة: “تهديد حدودي”، “قوس نفوذ”، “امتدادات إقليمية”.

في الجهة المقابلة، يجلس أولئك القادة.

رجال اعتادوا الصلابة… لكن الصمت الآن هو سيد الموقف.

أحدهم يبتلع ريقه ببطء.

آخر يطلب الماء، لا لأن العطش حضر فجأة، بل لأن اللحظة أصبحت أكثر جفافاً من أن تُحتمل.

ثم تبدأ العبارات… لا كحوار، بل كإعادة ترتيب للذاكرة:

“عشان كذا عيدروس الزبيدي ما جاء معكم…”

“جته تعليمات إماراتية ينسحب من الرحلة في آخر لحظة…”

“عشان كذا ما قدر يسحب القوات من حضرموت…”

“ولا حتى أخذ مشورتكم…”

“وعشان كذا أُرجعت الطائرة من فوق مطار عدن…”

تتراكم الجمل، وتُربط الأحداث المتفرقة بخيطٍ واحد، حتى تبدو الصورة وكأنها مكتملة منذ البداية.

تذكير بالاتصال الذي جرى تداوله إعلامياً بين عيدروس الزبيدي وضابط إماراتي يُشار إليه بـ“أبو سعيد”، وهو مثال على المواد التي استخدمت لإقناع هؤلاء القادة وضرب يقينهم وزرع الشك والخوف في قلوبهم.

ثم تأتي اللحظة الفارقة:

لقاء مع خالد بن سلمان.

الرسالة لا تُقال بصيغة أمر، بل بصيغة عرضٍ محسوب:

“لن نجبركم على حل المجلس الانتقالي…

لكن بعد ما عرفتم كل هذا، أنتم أحرار.”

ثم تُترك الجملة الأثقل لتسقط بهدوء:

“إذا عدتم إلى عدن، فأنتم تختارون أن تكونوا في مواجهة المملكة…

والمجلس، بهذه الصيغة، لا يمكن أن يستمر وهو يقترب من حدودنا ويهددنا.”

هنا، يتحول القرار من كونه سياسياً إلى كونه وجودياً.

ليس بين خيارين سياسيين… بل بين مسارين متناقضين:

الاستمرار تحت مظلة رواية جديدة مدعومة،

أو العودة إلى واقعٍ قد يعني العزلة أو المواجهة.

وفي هذه اللحظة تحديداً، يكون الكأس قد امتلأ.

يختار بعض هؤلاء القادة إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، أو الذهاب في هذا الاتجاه، ليس بالضرورة عن قناعة كاملة، بل كخلاصة لمسارٍ طويل من إعادة تشكيل الإدراك.

خصوصاً وأنهم لم يعودوا كثرة كما كانوا.

فقد انحاز قبل ذلك كثير من “المؤلفة قلوبهم” وأصحاب المصالح إلى الجانب السعودي، حتى قبل أن تُعرض هذه السردية أصلاً.

وفي المقابل، تُقدَّم لهم طمأنة مباشرة:

القضية الجنوبية في عهدة القيادة السعودية…

لن يُسمح بعودة الهيمنة الشمالية…

شارِكوا في الحوار الجنوبي، واتفقوا على ما تريدونه، وسيتم دعمه.

داخل الرياض، يبدو المشهد منطقياً.

يعتقد هؤلاء القادة أنهم اختاروا الطريق الأقل كلفة، وربما “الأكثر واقعية”.

حتى وإن كانوا يدفعون الآن ثمناً معنوياً باهظاً من الهجوم والرفض الشعبي.

يريدون أن يقولوا:

لم نخضع… ولم نُبع… بل اتخذنا قراراً صعباً بناءً على ما عُرض علينا.

لكن خارج تلك الغرف المغلقة… الصورة مختلفة تماماً.

في الشارع الجنوبي، لا توجد خرائط ولا عروض استخباراتية.

لا أحد يرى القلم الإلكتروني.

ما يُرى فقط هو النتيجة:

قيادات صمتت…

أو تراجعت…

أو بدت وكأنها انحازت.

وكيان مفوض يتفكك، وقوات قصفت وسفكت دماء جنودها في الأشهر الحرم من الجو.

تمكين للشماليين من حضرموت من جديد.

تراجع حاد في مسار استعادة دولة الجنوب العربي بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى.

بين المشهدين، تتشكل فجوة عميقة:

فجوة بين من “شرب الرواية” حتى اقتنع بها،

ومن يراها سراباً لا يستحق حتى الارتشاف.

ويبقى السؤال معلقاً:

هل كان ما حدث اقتناعاً حقيقياً؟

أم نتيجة ضغط صيغ بذكاءٍ استخباراتي عالٍ؟

وإن كانت هذه الرواية صلبة كما قُدّمت لهم…

فلماذا لا يُترك لهم اختبارها خارج حدود الرياض؟

ولماذا لا يمكنهم السفر؟

#يعقوب_السفياني

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

الأوقاف اليمنية تحدد سقف أسعار برامج العمرة بهذا السعر وتتوعد المخالفين

الوطن العدنية | 280 قراءة 

الكشف عن أحد ضحايا انفجار معسكر الممدارة بعدن

كريتر سكاي | 273 قراءة 

إعلان عسكري عن هلاك قائد حوثي كبير من صعدة في جبهة الساحل الغربي.. الاسم والصورة

نافذة اليمن | 268 قراءة 

ملخص الضربات الأمريكية الإيرانية خلال الساعات الأخيرة

المشهد اليمني | 261 قراءة 

معلومات عن انفجار معسكر الصولبان في عدن وحصيلة غير رسمية بالضحايا

مأرب برس | 256 قراءة 

المصعبي يكشف عن مشاورات جنوبية لإعلان حكومة خدمات شعبية في عدن

موقع الأول | 246 قراءة 

ما وراء استهداف محطة الرئيس للكهرباء ومحاولة اخراجها عن الخدمة..؟!

عدن أوبزيرفر | 242 قراءة 

قرار جمهوري مفاجئ يخص المئات من منتسبي ”قوات حماية حضرموت” والمقاومة الشعبية

المشهد اليمني | 226 قراءة 

بشرى سارة ..بدء صرف مرتبات هذه الفئة لثلاثة أشهر متتالية

كريتر سكاي | 166 قراءة 

قرار أمريكي يفرح اليمنيين والحوثيين يفسدون الفرحة بطريقة صادمة

المشهد اليمني | 150 قراءة