في وثيقة وُصفت بأنها الأكثر صراحة ووضوحاً منذ عقود، أطلق البيت الأبيض تقرير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 (2025 NSS).
وتمثل هذه الوثيقة قطيعة تامة مع إرث "الغموض الدبلوماسي"، حيث اعتمدت لغة مباشرة تسمي الأشياء بمسمياتها، وتضع "أوراق اللعبة" الأمريكية علانية على طاولة المسرح الدولي، لترسم ملامح عالم جديد تتخلى فيه واشنطن عن أدوارها التقليدية كـ "شرطي للعالم" أو "راعٍ للديمقراطية".
1. روح "ترامب" والقطيعة مع إرث بايدن
تعكس الصفحة الأولى من التقرير بوضوح فلسفة الرئيس دونالد ترامب؛ حيث يؤكد التقرير أن الإدارة الجديدة نجحت في غضون تسعة أشهر فقط في إعادة بناء القوة الأمريكية، واستعادة السيادة والحدود، ومواجهة ما وصفته بـ "سنوات الضعف والتطرف".
انقلاب على استراتيجية 2022
أحدث تقرير 2025 عملية "انقلاب شامل" على رؤية إدارة بايدن السابقة التي ركزت على "حماية الديمقراطية عبر التحالفات القديمة". وبدلاً من ذلك، تعلن الاستراتيجية الجديدة:
نهاية عصر المظلة الأمريكية:
لأول مرة منذ عام 1987، تعترف واشنطن بأن استراتيجيات ما بعد الحرب الباردة كانت سبباً في استنزاف القوة الأمريكية وتراجع تنافسيتها الاقتصادية.
مبدأ مونرو (نسخة القرن 21):
إعادة إحياء مبدأ منع القوى الأجنبية من السيطرة على أصول حيوية في نصف الكرة الغربي بعبارات حاسمة.
2. المبادئ الثمانية الناظمة للعهد الجديد
تقوم الاستراتيجية على ركائز تتسم بالبراغماتية الشديدة، وهي:
السلام عبر القوة:
سياسة الردع المباشر والمبكر.
الواقعية المرنة:
طي صفحة "فرض الديمقراطية" أو التدخل لحماية حقوق الإنسان كأولويات للسياسة الخارجية.
عدم التدخل إلا للضرورة:
مبدأ مصمم خصيصاً لتقليص الانخراط في صراعات الشرق الأوسط.
أولوية السيادة الوطنية:
عودة الدولة القومية كفعل أساسي فوق التكتلات الدولية.
العدالة التجارية:
دعم العامل الأمريكي:
اقتصاد محمي بجدران تجارية عالية.
الكفاءة والجدارة:
إصلاح المؤسسات الداخلية لتعزيز القوة الوطنية.
3. الشرق الأوسط: من "الالتزام" إلى "الشراكة النفعية"
تعد وثيقة 2025 بمثابة
"إعلان انفكاك"
تاريخي عن الالتزامات العسكرية الطويلة في الشرق الأوسط، مع الاحتفاظ بمهام محددة جداً:
تغير الديناميكيات:
يؤكد التقرير أن مبررات التركيز على المنطقة (النفط وصراع القوى الكبرى) قد تغيرت جذرياً، مشيراً إلى أن "المنافسة بين القوى العظمى أفسحت المجال للمناورة بين القوى الكبرى".
شراكة بلا شروط سياسية:
لن تتدخل واشنطن في شكل الأنظمة أو الحريات. "المهم هو الشراكة المجدية فقط". هذه الرسالة موجهة للقادة في المنطقة: "الأبواب مفتوحة حتى للأعداء السابقين إذا أثبتوا أنهم شركاء نافعون للمصالح الأمريكية الحصرية".
خطوط حمراء بلا تورط:
يظل أمن إسرائيل، وحرية الممرات المائية، ومنع نووي إيران خطوطاً حمراء، لكنها لم تعد تتطلب "التزاماً عسكرياً مفتوح الأمد".
4. خارطة الرابحين والخاسرين في النظام العالمي الجديد
بناءً على المعطيات الجديدة، يمكن رسم خارطة التوازنات الدولية القادمة:
الطرف
الموقف في استراتيجية 2025
الخاسرون: ناتو والاتحاد الأوروبي
انتهى عصر الحماية المجانية؛ عليهم رفع الإنفاق الدفاعي للأقصى، وقف توسعة الناتو، وإنهاء حرب أوكرانيا فوراً.
الخاسرون: الهند
تُصنف كآخر "الركاب المجانيين" الذين استفادوا من العولمة دون تقديم أثمان استراتيجية موازية.
الرابحون: اليابان وكوريا الجنوبية
حلفاء مباشرون ومحوريون لمواجهة النفوذ الصيني في آسيا.
الرابحون: روسيا
تستفيد من تفكك المظلة الأمنية الأمريكية فوق أوروبا.
الرابحون: الصين
حصر الصراع في النطاق "التقني والصناعي والتجاري" بدلاً من المواجهات الجيواستراتيجية الشاملة.
خلاصة القول:
إن استراتيجية الأمن القومي 2025 هي وثيقة
"أمريكا أولاً"
بامتياز، حيث تنسحب واشنطن إلى حدود مصالحها المباشرة، تاركةً للعالم مهمة إدارة صراعاته الخاصة، بشرط ألا تمس تلك الصراعات الأمن القومي أو الاقتصادي للولايات المتحدة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news