عقد من الانقلاب الحوثي.. تجريف للدولة وأزمة إنسانية غير مسبوقة

     
الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 68 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
عقد من الانقلاب الحوثي.. تجريف للدولة وأزمة إنسانية غير مسبوقة

  

لم يكن اجتياح المليشيا الحوثية للعاصمة صنعاء وبقية المحافظات في العام 2014 مجرد انقلاب عسكري على سلطة شرعية أو مخرجات حوار وطني جامع، بل كانت طعنة في قلب الجمهورية، ومحاولة بائسة لبعث نظام "الإمامة" الكهنوتي من مرقده، ورهن الإرادة الوطنية لمشاريع إقليمية دخيلة تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي والعبث بأمن المنطقة.

على مدار عقد من الزمن، تحولت اليمن من دولة كانت تطمح لبناء نظام اتحادي ديمقراطي حديث، إلى ساحة مفتوحة للموت والخراب والنهب الممنهج، فقد أدرك اليمنيون، والعالم أيضا، أن ما حدث لم يكن "ثورة" كما روجت لها المليشيا، بل كان "نكبة" شاملة أكلت الأخضر واليابس، حيث تم تجريف مؤسسات الدولة، ونهب البنك المركزي، واختطاف لقمة عيش المواطن، وصولاً إلى محاولات غسل أدمغة الأجيال عبر تغيير المناهج التعليمية.

عشر سنوات من حكم المليشيا التي لم تقدم لليمني سوى المقابر، والجبايات، والقمع الممنهج لكل صوت حر يرفض الركوع لسلطة "المشرفين"، التي حولت مناطق سيطرة الحوثيين إلى سجن كبير يفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، في ظل صمود أسطوري للقوى الجمهورية التي لا تزال تتمسك بخيار استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب مهما بلغت التضحيات.

سلطة المشرفين

ولم يكن انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان عملية "تطييف" ممنهجة وواسعة النطاق استهدفت تفتيت هيكل الدولة اليمنية الذي بُني على مدار عقود. فمنذ اللحظات الأولى لدخول المليشيا الحوثية إلى صنعاء، بدأت إستراتيجية "الإحلال والتجديد"، حيث تم تهميش الكوادر الإدارية والعسكرية المهنية، واستبدالها بعناصر لا تملك من الكفاءة سوى الولاء العقائدي المطلق للمشروع السلالي. هذه العملية لم تكن عفوية، بل كانت تهدف إلى إنشاء "دولة موازية" تسيطر على مفاصل القرار والمال بعيداً عن الرقابة والمحاسبة القانونية.

وقد برز مصطلح "المشرف" كأداة قمعية وإدارية فوق القانون، حيث أصبح "المشرف الحوثي" هو الحاكم الفعلي للوزارة والجامعة والمؤسسة الخدمية، بل وحتى للحي السكني، متجاوزاً صلاحيات الوزراء والمديرين العموميين، حيث أدى هذا التوصيف الإداري الدخيل إلى شلل تام في الوظيفة العامة، وتحولت المكاتب الحكومية من مراكز لخدمة المواطن إلى "خلايا نائمة" لإدارة المجهود الحربي وحشد المقاتلين.

وفي الجانب المالي، مارست المليشيا أكبر عملية سطو في التاريخ اليمني الحديث من خلال السيطرة على البنك المركزي في صنعاء، ونهب الاحتياطي النقدي الذي تجاوز 5 مليارات دولار، مما أدى إلى انهيار العملة المحلية وتوقف صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين، في وقت تضخمت فيه ثروات قيادات المليشيا بشكل فاحش عبر "السوق السوداء" وتجارة المشتقات النفطية.

علاوة على ذلك، استهدفت المليشيا الجهاز القضائي وحولته إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية ومصادرة أملاك المعارضين تحت مسمى "الحارس القضائي"، وهو ابتكار حوثي لشرعنة اللصوصية وتجريد اليمنيين من حقوقهم وممتلكاتهم.

فما حدث خلال عشر سنوات هو "تجريف كامل" لمفهوم الدولة المؤسسية، واستبدالها بنظام غامض يديره مركز نفوذ ضيق في "صعدة"، يرى في مؤسسات الدولة مجرد غطاء شكلي للحصول على الاعتراف الدولي، بينما تدار شؤون الناس في الغرف المظلمة بعيداً عن الدستور والقانون، مما أعاد اليمن عقوداً إلى الوراء، إلى زمن ما قبل قيام الجمهورية.

تجريف الهوية الوطنية

إذا كان الانقلاب الحوثي قد بدأ بالدبابة للسيطرة على الجغرافيا، فإنه قد سخر طاقاته القصوى خلال العقد الماضي لشن حرب أخطر تستهدف "صناعة وعي مشوه" واختطاف عقول الأجيال القادمة، ويمثل ذلك ذروة المشروع الإمامي الذي يسعى جاهدًا لنسف المكتسبات الثقافية والوطنية لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، واستبدالها بهوية طائفية ضيقة تتصادم مع جوهر الشخصية اليمنية والانتماء الإسلامي الجامع.

وقد تحولت المدارس والجامعات في مناطق سيطرة المليشيا من محراب للعلم إلى "معسكرات تعبوية" مفتوحة، حيث خضعت المناهج الدراسية لعمليات حذف وإضافة وتعديل قسري، شملت إقحام رموز المليشيا وأفكارها في صلب المواد الدراسية، بدءًا من التربية الإسلامية وصولاً إلى التاريخ واللغة العربية، والهدف من ذلك واضح ومباشر: عزل الطالب اليمني عن تاريخه الجمهوري النضالي، وربطه بمفاهيم "الولاية" و"الحق الإلهي"، وتحويله إلى وقود في معارك المليشيا العبثية.

ولا تتوقف الجريمة عند تغيير الورق، بل تمتد إلى استحداث ما يسمى بـ "المراكز الصيفية" التي يراها التربويون اليمنيون "قنابل موقوتة"، حيث يتم فيها غسل أدمغة مئات الآلاف من الأطفال وزرع قيم الكراهية والعنف في نفوسهم تجاه المجتمع والعالم.

علاوة على ذلك، طال التجريف الهوية المعمارية والاجتماعية لليمنيين، فمن تغيير أسماء الشوارع والمدارس والميادين العامة بأسماء قتلى المليشيا، إلى فرض طقوس ومناسبات مستوردة لم يألفها المجتمع اليمني طوال تاريخه، إذ تحاول المليشيا فرض "عقيدة بصرية" وسمعية تكرس التبعية المطلقة للرموز السلالية، ليمثل هذا "الاستعمار الثقافي" الممنهج التهديد الأكبر لوحدة النسيج الاجتماعي اليمني، حيث يسعى لخلق فجوة فكرية عميقة بين أبناء الوطن الواحد، ويهدد بتحويل اليمن إلى بؤرة للتطرف والجهل، مما يضع القوى الوطنية أمام مسؤولية تاريخية في الحفاظ على الوعي الجمهوري وصونه من التآكل أمام آلة التزييف الحوثية.

أزمة إنسانية

على مدار عشر سنوات، لم تكن الأزمة الإنسانية في اليمن مجرد نتاج عرضي للحرب، بل "سلاحاً سياسياً" استخدمته مليشيا الحوثي ببراعة لإخضاع الشعب وتطويعه. فمنذ اللحظة التي سيطرت فيها المليشيا على مؤسسات الدولة في صنعاء، بدأت عملية تجفيف مبرمجة لمصادر دخل المواطن اليمني، بدأت بقرار نهب الاحتياطي النقدي والسيطرة على الإيرادات العامة، وصولاً إلى الجريمة الأكبر المتمثلة في قطع رواتب موظفي الدولة لأكثر من ثماني سنوات، رغم تدفق المليارات إلى خزائنها من جبايات الضرائب والجمارك ورسوم ميناء الحديدة.

لقد استحدثت المليشيا اقتصاداً "طفيلياً" يقوم على أنقاض القطاع الخاص التقليدي، إذ فُرضت إتاوات قسرية تحت مسميات "المجهود الحربي" و"الخمس" وزكاة النفس، مما أدى إلى إفلاس آلاف المنشآت التجارية وهجرة الرساميل الوطنية.

وفي المقابل، نشأت طبقة من "أثرياء الحرب" الحوثيين الذين يديرون الأسواق السوداء للمشتقات النفطية والغاز المنزلي، محولين احتياجات الناس الأساسية إلى وسيلة للإثراء الفاحش.

هذا الفصل المأساوي من تاريخ اليمن حوّل ملايين الأسر من حالة الاكتفاء إلى الاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية، التي لم تسلم هي الأخرى من النهب والتضييق والتهم والمطاردة، حيث وثقت تقارير دولية ومحلية قيام المليشيا بتحويل مسار المعونات الغذائية والطبية لصالح مقاتليها في الجبهات أو بيعها في الأسواق لتمويل آلتها العسكرية، ناهيك عن إغلاق العديد من مكاتب الجمعيات والمنظمات الإنسانية والإغاثية.

ما تصفه التقارير الدولية بـ"أسوأ أزمة إنسانية في العالم" هو في الحقيقة نتاج طبيعي لسياسة "الإفقار الممنهج"، فبينما يعاني المواطن في مناطق سيطرة الانقلاب من انعدام الأمن الغذائي وتفشي الأوبئة وانهيار المنظومة الصحية، تنفق المليشيا أموال الدولة المنهوبة على إقامة المهرجانات الطائفية الباذخة وتشييد المقابر النموذجية.

هذا التناقض الصارخ يكشف بوضوح أن معاناة اليمنيين ليست سوى "ورقة تفاوض" تستخدمها المليشيا لاستدرار عطف المجتمع الدولي والحصول على تنازلات سياسية، دون أدنى اعتبار للمأساة المعيشية التي سحقت الطبقة الوسطى ودفعت بملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة.

كما تسبب الانقلاب الحوثي بنزوح الملايين من المواطنين، الذين تركوا منازلهم متجهين إلى الشتات والمجهول خوفا من بطش المليشيا وأذاها، حيث بلغ عدد النازحين قرابة 4 ملايين نسمة داخل اليمن وخارجها.

سجن كبير

ويمثل ملف الحقوق والحريات الوجه الأكثر بشاعة لعقد من حكم المليشيا الحوثية، حيث تحولت المحافظات الخاضعة لسيطرتها إلى ما يشبه "المعتقل الكبير" الذي يفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية أو السيادة القانونية. فمنذ اللحظة الأولى لاقتحام العاصمة، كان الصحفيون والناشطون والسياسيون هم الهدف الأول لآلة القمع الحوثية، التي لم تكتفِ بإغلاق الصحف والقنوات المستقلة والحزبية، بل شرعت في حملة "تطهير فكري" شملت كل من يرفض الانصياع لمشروعها السلالي، مما أدى إلى تجريف كامل للمجال العام والهامش الديمقراطي الذي ناضل اليمنيون عقوداً لإرسائه.

وبحسب دراسة ميدانية لنقابة الصحافيين، فقد كان في اليمن حوالي 365 وسيلة إعلام، تعمل منها اليوم حوالي 200 وسيلة، في حين توقفت 165 وسيلة بسبب الحرب وتأثيراتها، ومن بين 132 صحيفة ومجلة، تعمل 13 صحيفة فقط، وتوقفت 119 صحيفة ومجلة، ومن بين 147 موقعاً إخبارياً يعمل 114 موقعاً، فيما توقف 33 بسبب الحرب، ناهيك عن حجب غالبية المواقع عن متابعيها داخل اليمن من قبل سلطة الحوثيين.

وقد وثقت التقارير الحقوقية المحلية والدولية آلاف الحالات من الاختطاف والتعذيب الممنهج داخل السجون السرية والعلنية، حيث لا يزال آلاف اليمنيين، وفي مقدمتهم هامة وطنية وقامة سياسية بحجم الأستاذ محمد قحطان، مخفيين قسراً في غياهب المعتقلات دون أي تواصل مع العالم الخارجي. ولم يتوقف الأمر عند الاختطاف، بل طوعت المليشيا مؤسسة القضاء لتصبح "مقصلة" سياسية، تُصدر عبرها أحكام الإعدام الجائرة ضد الخصوم السياسيين بتهم كيدية وملفقة، في مشهد يعيد للأذهان عصور الإمامة المظلمة التي كانت تقوم على ترهيب الناس بالقتل والمصادرة.

أما على صعيد الحريات الاجتماعية، فقد فرضت المليشيا قيوداً خانقة تتصادم مع قيم المجتمع اليمني، من تضييق على حركة النساء وفرض شروط "المحرم" في التنقل والعمل، إلى مطاردة الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى قمع أي محاولة للتظاهر السلمي أو المطالبة بالحقوق الأساسية.

انعكاسات كارثية

شهدت سنوات انقلاب الحوثيين انقطاع رواتب الموظفين منذ سبتمبر 2016، بالتزامن مع توقف صادرات النفط والغاز، الأمر الذي أدى إلى تدهور حاد في قيمة العملة الوطنية، حيث وصل سعر الصرف إلى 1910 ريالات مقابل الدولار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، مقابل 535 ريالاً في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد أن كان لا يتجاوز 214 ريالاً للدولار في عام 2014. وقد انعكس هذا الانقسام الاقتصادي بوضوح على أسعار السلع والخدمات التي سجلت ارتفاعات غير مسبوقة، رافقها تراجع في النشاط التجاري وضعف في الطلب الاستهلاكي، وتدهور متسارع في مستوى المعيشة، مما أسهم في تفاقم أزمة إنسانية واسعة، تكشف حجمها المؤشرات الصادرة عن المنظمات الدولية.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، أصبح نحو 18.2 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، و17.8 مليوناً بحاجة إلى خدمات صحية، فيما يعاني 17 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه 17.6 مليوناً سوء التغذية، إضافة إلى 7 ملايين بحاجة إلى دعم وعلاج في مجال الصحة النفسية، و6.1 ملايين في مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي. وتشير بيانات اليونيسف إلى أن ما يقارب 10 ملايين طفل ما زالوا بحاجة ماسة للمساعدات، في حين يحتاج أكثر من نصف السكان، أي 18.2 مليون شخص بينهم 9.8 ملايين طفل، إلى دعم منقذ للحياة.

ومنذ اندلاع النزاع في 2015، سقط أكثر من 11500 طفل بين قتيل وجريح، منهم 3900 حالة وفاة و7600 إصابة. كما يعاني أكثر من 2.7 مليون طفل من سوء التغذية الحاد، بينما يعاني 49% من الأطفال دون سن الخامسة من التقزم أو سوء التغذية المزمن.

وتفيد التقارير بأن أكثر من مليونين و661 ألف طفل في سن الدراسة خارج المدارس، بينهم مليون و410 آلاف فتاة ومليون و251 ألف طفل، وهو ما يمثل نحو ربع عدد الأطفال في سن التعليم البالغ 10.8 ملايين، أي طفل من بين كل أربعة.

كما تشير اليونيسف إلى أن النزاع حرم 8.1 ملايين طفل من التعليم، مما يهدد مستقبلهم بشكل خطير.

الارتهان للخارج

ولا يمكن قراءة عشر سنوات من الانقلاب الحوثي بمعزل عن الدور الإقليمي التخريبي الذي لعبته إيران في تحويل اليمن إلى "خنجر" في خاصرة المنطقة العربية، فمنذ اللحظات الأولى لسقوط صنعاء، كان الارتهان للمشروع التوسعي الإيراني واضحاً وجلياً، حيث استُبدلت السيادة الوطنية بتبعية مطلقة لـ"ولاية الفقيه"، وتحول قرار السلم والحرب في اليمن من أيدي اليمنيين إلى غرف العمليات في طهران، إذ لم يكلف هذا الارتهان اليمنيين سيادتهم فحسب، بل عزل اليمن عن محيطه العربي الحيوي، وحوله إلى ساحة لتصدير الأزمات وتهديد الجوار.

لقد تجلى هذا الخطر بشكل كارثي في تحويل السواحل اليمنية والممرات المائية الدولية في البحر الأحمر وباب المندب إلى مسرح للقرصنة والابتزاز الدولي، تحت لافتات وشعارات مضللة، ومارست المليشيا الحوثية أدواراً وظيفية تخدم أجندات خارجية، مما استدعى عسكرة البحر الأحمر وجلب قوات دولية إلى المياه الإقليمية اليمنية، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية ومصالح الأجيال القادمة، إذ أدى ذلك إلى مضاعفة كلفة الشحن والتأمين، وهو ما انعكس زيادة حادة في أسعار السلع الأساسية التي يدفع ثمنها المواطن اليمني المطحون في مناطق سيطرة الانقلاب.

علاوة على ذلك، يبرز تعنت المليشيا ورفضها لكل مبادرات السلام العربية والدولية، كدليل قاطع على أن قرارها مختطف، فكلما اقترب اليمنيون من تسوية سياسية تعيد الدولة وتحقن الدماء، يأتي الفيتو من الخارج لاستمرار الحرب كأداة ضغط إقليمية، حيث أثبتت عشر سنوات من حكم المليشيا أن اليمن في ظل هذا المشروع ليس سوى "ورقة تفاوض" وساحة لتجارب الأسلحة المهربة، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واحدة: أن استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية ليست مجرد مصلحة يمنية، بل هي ضرورة قصوى لتأمين التجارة العالمية والحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

عسكرة المجتمع

وخلال العقد الماضي، لم تكتفِ مليشيا الحوثي بالانقلاب على الجيش الوطني ونهب سلاحه، بل ذهبت نحو "تطييف المؤسسة العسكرية" وتحويلها إلى مليشيا عقائدية تدين بالولاء للفرد لا للوطن، فقد استبدلت المليشيا الكليات العسكرية والمؤسسات التدريبية الاحترافية بما يسمى "الدورات الجهادية"، وعملت على تجنيد الأطفال بشكل واسع وقسري، مما خلق جيلاً مشوهاً لا يعرف سوى لغة السلاح والموت.

ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، فقد أدى الانقلاب الحوثي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى أن حصيلة ضحايا النزاع في اليمن بلغت نحو 377 ألف شخص بحلول نهاية عام 2021.

وتكمن الخطورة في تحويل الجغرافيا اليمنية إلى "منصة اختبار" للأسلحة المهربة، من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة انتحارية، بإشراف مباشر من خبراء أجانب. هذا التوجه لم يدمر فقط سكينة المدن اليمنيّة، بل جعل من الأحياء السكنية والمرافق العامة (كالمطارات والموانئ) ثكنات عسكرية وأهدافاً محتملة، مما عرض حياة الملايين للخطر، إذ إن "عسكرة الحياة العامة" وفرض الزي الشعبي المسلح وتكريس ثقافة القتال كخيار وحيد للعيش، أدى إلى تعطيل عجلة التنمية تماماً، وأحلّ "اقتصاد الحرب" محل الإنتاج، مما جعل عملية إعادة دمج هذه المليشيا في جيش وطني مستقبلي تحدياً جسيماً يواجه الدولة المستعادة.

كما تعمدت المليشيا الحوثية ضرب "المنظومة القبلية" اليمنية التي كانت تمثل صمام أمان تاريخي للمجتمع، فمنذ اجتياح عمران وصنعاء، انتهجت المليشيا سياسة "الإذلال الممنهج" لزعماء القبائل، فمن لم ينصع لمشروعها تم تفجير منزله أو تشريده، ومن استجاب لها تحول إلى مجرد "حاشد" للمقاتلين تحت إشراف "المشرف" الذي غالباً ما يكون أصغر سناً وأقل مكانة اجتماعية.

وقد عملت المليشيا على تغذية الثارات القبلية وإحياء الصراعات القديمة بين الأسر والقبائل لتسهيل السيطرة عليها وفق مبدأ "فرق تسد"، والأخطر من ذلك هو محاولة استبدال "الأعراف والأسلاف" القبلية الأصيلة بمدونة سلوك طائفية غريبة عن المجتمع، وضرب قيم "المروءة والنجدة" التي كانت تمنع قتل الأسير أو ترويع النساء والأطفال.

هذا التجريف الاجتماعي أدى إلى تمزيق الأسر الواحدة، حيث أصبح الأخ يقاتل أخاه بناءً على التعبئة الحوثية، مما خلف شرخاً اجتماعياً غائراً سيحتاج اليمنيون إلى عقود من السلم والمصالحة الوطنية لرأبه، واستعادة التعايش الذي كان يميز اليمن قبل نكبة سبتمبر 2014.

مبدأ ثابت

وقد أثبت العقد المظلم المنصرم أن المليشيا الحوثية، رغم ترسانة السلاح وقبضة القمع، فشلت فشلاً ذريعاً في أن تكون "دولة" أو أن تحظى بقبول شعبي حقيقي، فاليمني الذي جُوع وأُهين وشُرد، لا يزال يرى في النظام الجمهوري ملاذه الآمن، وفي مخرجات الحوار الوطني خريطة طريق وحيدة للخروج من نفق الطائفية والارتهان للخارج.

مرور عشر سنوات دون أن تتمكن المليشيا من تطبيع وجودها أو كسر إرادة المقاومة لدى اليمنيين، يؤكد أن مشروع الإمامة في الجسد اليمني لا يمكن تمريره، وأن مصيره الزوال مهما طال أمد المعاناة.

عقد من الانقلاب الحوثي.. تجريف للدولة وأزمة إنسانية غير مسبوقة

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

طرد السفير الإيراني يشعل الصراع السياسي في لبنان.. وبري في مواجهة الضغوط

حشد نت | 585 قراءة 

تحذيرات من أمطار رعدية واضطراب البحر وتوجيهات برفع مستوى الجاهزية

حشد نت | 553 قراءة 

إيران تفاجئ ترامب وترسل له هدية خاصة عبر باكستان اعتبرها ”بادرة حسن نية”!.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 430 قراءة 

زلزال (الإقامة الجبرية) لوفد الانتقالي مجددا!

موقع الأول | 419 قراءة 

الفريق محمود الصبيحي يرفع علم اليمن وتوجيهات حاسمة في عدن

كريتر سكاي | 403 قراءة 

ناطق المقاومة الوطنية: الحوثيون أداة إيرانية.. والتهديدات للسعودية تكشف حقيقة الدور

حشد نت | 359 قراءة 

صحفي جنوبي بارز يدّعي أنه المهدي المنتظر .. ما قصته؟

الوطن العدنية | 331 قراءة 

يمطروننا غدرا..ويمطرنا الله غيثا

عدن توداي | 318 قراءة 

الحوثيون يعلنون استعدادهم للسيطرة على مضيق باب المندب

الموقع بوست | 289 قراءة 

إيران تعلن رسميا ردها على المقترح الأمريكي لوقف الحرب.. ماذا تضمن؟

المشهد اليمني | 285 قراءة