أخبار وتقارير
تقرير (الأول) محمد حسين الدباء:
بين ضجيج التسريبات في أروقة الفنادق السياسية بالرياض، وهدوء الترقب الحذر في شوارع عدن، يمر الجنوب اليوم بواحدة من أخطر منعطفاته التاريخية، وليست القضية مجرد خلاف على مقعد حكومي أو حصة من الثروة، بل هي أزمة (بوصلة) تهدد بإعادة المسار الجنوبي إلى نقطة الصفر، حيث تتحول القضية من مشروع دولة وهوية إلى مجرد (رقم هامشي) في معادلات القوى الإقليمية والجماعات العابرة للحدود.
زلزال (الإقامة الجبرية)!
تداولت الأوساط السياسية خلال الأيام الماضية أنباءً وصفت بالصاعقة حول فرض "إقامة جبرية" على وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، ومنعهم من العودة إلى عدن، وهذه الأنباء، التي انتشرت كالنار في الهشيم، لم تكن مجرد إشاعة عابرة، بل كانت انعكاساً لحالة التوتر المكتوم داخل البيت الجنوبي وعلاقته بالتحالف.
في أول رد رسمي ومفصل لكسر هذا الجمود، فجر القيادي راجح (باكريت)، عضو رئاسة في المجلس الانتقالي، مفاجأة من نوع آخر، حين وضع النقاط على الحروف، وأكد أن تواجد القيادات في الرياض هو (خيار استراتيجي) لخدمة القضية، مشدداً على أن من يمتلك أهدافاً وطنية عليه "التحلي بالصبر".
وقال باكريت في رسالة حازمة: "على من يرغب بالعودة إلى الداخل عدم اختلاق مبررات واهية مثل الادعاء بمنع السفر.. السياسة تقوم على الحوار والمرونة، وليست تعنتاً".
وهذا التصريح حمل في طياته اتهاماً مبطناً لبعض الأطراف داخل المكون الجنوبي بمحاولة (التنصل من المسؤولية) عبر ادعاء الاحتجاز، موضحاً أن الوفد لعب دوراً محورياً في حماية القوات الجنوبية وترميم العلاقات مع الأشقاء، بعيداً عن لغة الصدام.
وفي السياق ذاته، سارع القيادي المقرب من عيدروس الزبيدي، عبدالناصر الجعري، إلى نفي مزاعم الاحتجاز جملة وتفصيلاً، ووصف تلك الأنباء بأنها "محاولات تشويش بائسة"، مؤكداً أن القيادات تتواجد بمحض إرادتها وفي إطار مشاورات سياسية رفيعة المستوى، تحظى خلالها بكل تقدير من المملكة العربية السعودية.
ورغم هذه النفي المتكرر، إلا أن المراقبين يرون في (تأخر العودة) مؤشراً على وجود ملفات شائكة لم تُحسم بعد، تتعلق بترتيبات المرحلة المقبلة وشكل الحوار المرتقب برعاية سعودية.
تآكل الداخل.. العدو الذي لا يراه أحد!
بعيداً عن صراع الأجنحة في الرياض، يواجه الجنوب خطراً داخلياً يتمثل في (التآكل البطيء)، فالانقسام اليوم لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى (عامل هدم) يضعف المؤسسات السياسية ويخلق شروخاً اجتماعية ومناطقية، وهو ما يؤكده آخر تصريحين لقيادات في الانتقالي (باكريت والجعري).
وتُجمع القراءات السياسية الرصينة على أن الخطر الأكبر ليس في الخصوم الخارجيين، بل في ثلاثة أمور:
تراجع الفكرة الوطنية: لصالح الحسابات الضيقة والتقديرات الفردية.
غياب الرؤية المشتركة: والاعتماد على ردود الأفعال الآنية بدلاً من الاستراتيجيات بعيدة المدى.
الفراغ القيادي: الذي قد تملؤه مشاريع متناقضة (جماعات متطرفة، تنظيمات الإسلام السياسي) في حال ضعف المجلس الانتقالي ككيان جامع.
لماذا يظل (الانتقالي) ضرورة
رغم الانتقادات الموجهة لأدائه، يرى مراقبون منخرطون في المشهد الجنوبي منذ انطلاق (الحراك) أن إضعاف المجلس الانتقالي في هذه اللحظة هو (انتحار سياسي)، فالتجارب في المنطقة تثبت أن سقوط الكيانات المنظمة لا يؤدي إلى بدائل وطنية أفضل، بل إلى (ساحات صراع مفتوحة) تضيع فيها الهوية السياسية للقضية.
مفترق الطرق
يقف الجنوب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
1-
مراجعة شجاعة للمسار، تعترف بالأخطاء وتعيد ترتيب الأولويات، وتغلّب منطق (المشروع الوطني) على (المكاسب الآنية) التي لهثت وراءه بعض القيادات.
2-
الاستسلام لحالة التشرذم التي ستعيد الجميع، قيادة وشعباً، إلى (مربع الصفر).
ونصيحة أخير من كاتب التقرير:
"التاريخ لا يرحم، والدرس الأكبر الذي يجب استيعابه هو أن القضايا العادلة لا تضيع بقوة الخصوم، بل بتفرق أصحابها"
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news