يمكن قراءة أزمة اليمن الحديثة بوصفها توتراً عميقاً بين شكلٍ مُستعار من الحداثة ومضمونٍ تقليدي ظلّ يقاوم التحول؛ أي بين “ديكور” جمهوري حديث و“نسيج” اجتماعي لم يغادر بنياته القديمة. فالمفاهيم التي دخلت المجال العربي خلال القرنين الأخيرين—الدولة، الجمهورية، المواطنة، الدستور—لم تنشأ في سياقها التاريخي المحلي، بل وصلت كمنتجات جاهزة من تجارب مختلفة، فجرى استيعابها شكلياً دون أن تُعاد صياغتها في عمق البنية الاجتماعية. هكذا بدا وكأن اليمن، مثل غيره، ارتدى لغة سياسية حديثة، لكنه ظل يفكر ويشتغل بمنطق العصبية والقرابة والهيمنة التقليدية.
في هذا السياق، تكشف العودة إلى الجذر اللغوي لكلمة “جمهور” عن مفارقة لافتة: فالمعنى في الوعي التراثي ظل أقرب إلى التراكم الكمي والحشد غير المنظم، لا إلى الكيان السياسي الواعي بذاته. وهذا الفارق بين “الجمهور بوصفه كثرة” و“الشعب بوصفه ذاتاً سياسية” هو جوهر المأزق؛ إذ لم يحدث التحول النوعي الذي ينقل الجماعات من مجرد تجمعات قبلية أو مذهبية إلى مواطنين متساوين أمام قانون واحد. بقيت “الجمهورية” أقرب إلى حالة تجمهر كبيرة تُدار من الأعلى، لا عقداً اجتماعياً يؤسس لمجال سياسي أفقي تتساوى فيه القيم والحقوق
من هنا يمكن فهم لماذا تعثرت التجربة الجمهورية في اليمن رغم تكرار لحظة “الثورة”. فالثورة، في معناها الحديث، ليست مجرد إسقاط نظام، بل إعادة تأسيس المجتمع على قاعدة المواطنة. لكن ما حدث هو أن البنية التقليدية أعادت إنتاج نفسها داخل الإطار الجديد؛ فتحولت الجمهورية إلى ساحة صراع بين قوى تقليدية تستخدم أدوات حديثة، دون أن تتخلى عن منطقها القديم. وهكذا بقيت القبيلة والطائفة والمنطقة وحدات الفعل الأساسية، بينما ظل “الشعب” فكرة مؤجلة.
الاختلاف بين الشمال والجنوب يوضح هذا التوتر بجلاء. فقد خاض الجنوب تجربة دولة حديثة نسبياً، حاولت—ولو بوسائل قسرية—تفكيك البنى التقليدية وإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج مركزي حديث، بينما بقي الشمال أسير توازنات قبلية ومذهبية أعاقت تشكل الدولة الوطنية. لكن المفارقة أن نموذج الجنوب، رغم حداثته الشكلية، سقط في نزعة شمولية احتكرت الدولة والمجتمع معاً، في حين أن نموذج الشمال لم يغادر تعددية ما قبل الدولة. وبين الشمولية والتقليدية، ضاعت إمكانية بناء جمهورية حقيقية تقوم على التعدد ضمن إطار قانوني جامع.
إن المشكلة إذن ليست في غياب الشعارات الحديثة، بل في غياب الشروط الاجتماعية التي تمنحها معناها. فالجمهورية لا تُختزل في اسم أو نظام حكم، بل هي تحوّل جذري في العلاقة بين الأفراد والسلطة؛ تحوّل يجعل القانون سيداً على الجميع، ويُخرج الناس من روابط الدم إلى رابطة المواطنة. وعندما تفشل النخب في إنجاز هذا التحول، فإن المجتمع يعود إلى أشكاله الأولى، وتتحول السياسة إلى صراع هويات مغلقة، لا تنافس برامج ورؤى.
ما جرى في اليمن خلال العقود الماضية—من حروب أهلية، وصعود حركات طائفية، وتفكك الدولة—ليس سوى نتيجة طبيعية لهذا التعثر. فعندما لا توجد “نحن” وطنية جامعة، تنشأ “نحنات” صغيرة متناحرة، كل منها تدّعي امتلاك الحقيقة والشرعية. وعندما يغيب القانون بوصفه مرجعاً أعلى، تحل محله القوة بوصفها معياراً وحيداً. وهنا تنقلب الجمهورية إلى مجرد قناع، بينما الواقع تحكمه علاقات ما قبل سياسية.
ومع ذلك، فإن تجاوز هذا المأزق ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إعادة التفكير في الحداثة لا بوصفها استيراداً، بل كعملية بناء تدريجي تنبع من الداخل. البداية تكون بالاعتراف بأن الدولة ليست جهازاً فوق المجتمع، بل هي تعبير عن عقد اجتماعي حي، وأن المواطنة ليست منحة من السلطة، بل حق متساوٍ لا يقبل التجزئة. كما يتطلب الأمر تفكيك البنى التقليدية لا عبر القسر، بل عبر إدماجها في إطار قانوني حديث يحولها من كيانات مغلقة إلى مكونات ضمن كلّ وطني أوسع.
إن التحول من “قبائل” إلى “شعب” لا يعني إلغاء الخصوصيات، بل إعادة ترتيبها داخل فضاء مشترك يقوم على المساواة. وهذا الفضاء لا يُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات: قضاء مستقل، تعليم حديث، اقتصاد يخلق فرصاً متكافئة، وثقافة سياسية تعلي من قيمة الفرد كمواطن لا كعضو في جماعة مغلقة. عندها فقط يمكن أن تنتقل الجمهورية من ديكور إلى نسيج، ومن اسم إلى حقيقة.
وفي النهاية، تبقى الفكرة الأساسية أن مأزق اليمن ليس قدراً تاريخياً، بل نتيجة مسار يمكن تغييره. فحين تتحول “قوة الحق” إلى قاعدة للعلاقة بين الناس، ويتراجع “حق القوة” إلى هامش استثنائي، يبدأ المجتمع في استعادة توازنه، وتغدو الجمهورية ممكنة لا بوصفها حلماً مؤجلاً، بل واقعاً يُبنى خطوة خطوة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news