يكثر الحديث عن استعدادات الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة البرية على جزيرة خرج الإيرانية، والغريب أن معظم المحللين السياسيين يتعاملون مع مسألة من هذا النوع وكأنها أمر محدود الكلفة، غير أن الأعجب من ذلك أن لا أحد من المحللين -في حدود ما أعلم على الأقل- حتى لحظة كتابة هذا التحليل، لا أحد منهم تطرق إلى إمكانية أن يكون الهدف إحدى الجزر الثلاث: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، أو جميعها ولو بشكل متدرج.
الأمور ليست دائماً كما تبدو لأول وهلة، والتضليل الإعلامي جزء من الخداع الاستراتيجي المتعلق بالحروب التي ينبغي أن تكون محسوبة، ولأن الأمر كذلك يتعين على القراءات أن تكون محسوبة أيضاً.
لن أتطرق هنا للصورة الكبيرة فيما يتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بقدر ما أركز الحديث حول جزئية صغيرة يمكنها إحداث أثر محدود يقود إلى نهاية محكومة لتلك الحرب أو يخرجها عن السيطرة.
يتحدث ترامب عن فتح مضيق هرمز، وتتحدث إيران عن أن المضيق مفتوح للملاحة الدولية ومغلق أمام الناقلات التابعة لأمريكا وإسرائيل ومن يساندهما في تلك الحرب، فيما يقول منطق الحرب إن هناك خطراً حقيقياً يهدد سلاسل الإمداد بسبب الصراع العسكري الدائر وتداعياته في المنطقة.
لنتحدث إذاً حول تلك النقطة المحددة؛ أي حال ما إذا كان الهدف المحدد هو “تأمين مضيق هرمز”.
خرج كخيار أضعف
تمثل جزيرة خرج شريان إيران مع العالم، حيث تمر عبرها نسبة تقدر بنحو 90% من صادرات إيران النفطية. لكن تلك الجزيرة الواقعة في شمال الخليج العربي، تبعد حوالي 483 كيلومتراً شمال غرب مضيق هرمز، فيما تبعد فقط مسافة 25 كيلومتراً عن الساحل الإيراني، ما يعني من ناحية أنها النقطة الأبعد والأقل جدوى في تحقيق الهدف “تأمين المضيق”، ومن ناحية أخرى يمكن لإيران إحراقها باستخدام أكثر الصواريخ تخلفاً وهي الكاتيوشا، ما يجعل تحريرها أقل كلفة على إيران وأعلى كلفة على الأمريكيين الذين سيخسرون جنوداً على الأرض. لكن كيف يمكن أن تبدو وجهات نظر الأطراف إزاء حدث من هذا النوع؟
زاوية النظر الأمريكية
تنظر واشنطن إلى خطوة من هذا النوع على أنها تصعيد استراتيجي كبير يستهدف عصب الاقتصاد الإيراني. بمعنى آخر: حرب مركبة تهدف إلى الضغط الاقتصادي والعسكري وليست مجرد تحرك تكتيكي.
خطوة كهذه تتطلب من الولايات المتحدة سلسلة من الإجراءات المعقدة والمكلفة؛ أولها توفير حماية مكثفة للجزيرة ذاتها وللملاحة في مضيق هرمز: كمرافقة ناقلات النفط، وتنفيذ انتشار بحري وجوي واسع، إلى جانب ردع دفاعي لحماية مصادر الطاقة في الخليج وضرب أي تهديد مباشر للسفن أو القواعد الأمريكية، وجاهزية أكبر لتوسيع العمليات في حال ردّت إيران بقوة وهو ما يبدو من تصريحات إيران أنها ستفعله.
ولأن الجزيرة تعد هدفاً سهلاً للصواريخ الإيرانية منخفضة الكلفة، سيكون على الأمريكيين تجنب التوغل البري أو البقاء طويلاً على تلك الجزيرة.
أمريكياً، وعلى الجانب الجيد من الصورة، يمكن لواشنطن تبرير الخطوة كعملية تأمين للطاقة العالمية بهدف بناء تحالف دولي (أوروبي + آسيوي مستهلك للطاقة)، لكن هذا الخيار جرى اختباره ولم يجد الصدى المناسب من نظر ترامب.
ولكون الدفاعات الجوية اللازمة لحماية مصادر الطاقة في المنطقة غير كافية ومنشغلة في حماية القواعد الأمريكية وإسرائيل كما تبين خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، سيتعين على الأمريكيين فتح قنوات خلفية مع إيران لوضع “خطوط حمراء”. إلى جانب الضغط عبر الأمم المتحدة أو وسطاء لاحتواء التصعيد، وهو ما لم يحدث قبل أن تشن أمريكا وإسرائيل الحرب الحالية ضد إيران، الأمر الذي يضع إدارة ترامب أمام تحديات كبيرة؛ أولها خروج هذه العملية عن السيطرة والرد الإيراني السريع والواسع على منشآت الطاقة في الخليج، وإدخال العالم في أزمة طاقة طويلة المدى.
يبحث ترامب عن نصر سريع أقل كلفة ونقمة دولية واستياء داخلي قبل الانتخابات النصفية، وهو ما لا يحققه سيناريو من هذا النوع.
يمكن النظر إلى سيناريو من هذا النوع في أحد مسارين: الضغط الشديد لفترة قصيرة بغرض جلب إيران إلى مائدة التفاوض، أو اتخاذ القرار بتفكيك إيران من خلال خنقها اقتصادياً إلى جانب استمرار الضربات العسكرية المكثفة والثقيلة حتى تفجير فوضى داخلية صعب السيطرة عليها لاحقاً.
يشبه المسار الأول قفزة شخص لا يدري أين تقع قدماه، فيما يتناقض الثاني مع الهدف الآني لترامب ومعركته الاستراتيجية مع التنين الصيني من جهة الغرق في مستنقع فوضى عارمة تبدأ بإسقاط النظام ولا تنتهي بالتأسيس لمنطقة مضطربة وملاحة غير آمنة لأمد طويل.
زاوية النظر الإيرانية
من نظر إيران ستبدو الصورة ولا شك أكثر قتامة ورعباً؛ ذلك أن احتلال جزيرة خرج سيفسر على أنه هجوم استراتيجي يستهدف “شريان الحياة” للمواطن الإيراني وبقاء النظام بشكل مباشر، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها حرب وجودية غير قابلة للمناورة، تخرجها عن الردود المحسوبة وتقودها إلى ردود مجنونة دون سقف في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للعالم بأسره.
سيناريو من هذا النوع سيتطلب من وجهة نظر إيران رداً سريعاً واسعاً وحاسماً، ما يدفع نحو خروج الحرب فوراً وفعلاً عن السيطرة والانزلاق إلى حرب إقليمية مكتملة الملامح، وهو الاحتمال الأوضح بالنظر إلى مجريات الأمور الحالية.
يمكن أن تستهدف إيران وبشكل فوري مصادر الطاقة في المنطقة، وتستهدف ناقلات النفط، وتغلق مضيق هرمز بشكل كلي، وتوسع هجماتها بكامل طاقتها وطاقات وكلائها في عموم المنطقة لتوسيع دوائر الضغط الدولي على الولايات المتحدة. بمعنى آخر: إحراق جزيرة خرج ومصادر الطاقة في عموم دول الخليج؛ من ناحية كرسالة ردع ملخصها أن كلفة استهدف الاقتصاد الإيراني ستكون “عالمية”، ومن ناحية أخرى لتوحيد الجبهة الداخلية دفاعاً عن السيادة والبقاء، وتكون واشنطن رسمياً ضحت بحلفائها التاريخيين ومصالح العالم من أجل حلم إسرائيل الكبرى الذي لا يتفق بشأنه الإسرائيليون أنفسهم، وخلق واقع فوضوي لا يمكن لواشنطن وتل أبيب بأي حال من الأحوال السيطرة عليه، ما قد يقود أمريكا أو إسرائيل لاستخدام السلاح النووي لوقف الحرب من خلال كارثة جماعية في المنطقة.
سيناريو أقل جنوناً
تقع جزر طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى قرب مدخل مضيق هرمز، أي في موقع يتيح مراقبة الملاحة بل والتأثير عليها بشكل مباشر.
تبعد جزيرة طنب الكبرى نحو 50 كيلومتراً عن الساحل الإيراني، وتقرب حوالي 12 كم من جزيرة قشم الإيرانية، ما يجعل طنب الكبرى أيضاً خياراً غير ذي أولوية، على عكس ما تبدو عليه الأمور بالنسبة لجزيرة طنب الصغرى (50 كم عن جزيرة قشم الإيرانية) التي تمثل قاعدة متقدمة للحرس الثوري، وجزيرة أبي موسى التي تقع على بعد 70 كيلومتراً تقريباً من الساحل الإيراني.
تتحكم جزيرة أبو موسى في حركة الملاحة عبر المضيق بشكل مباشر، ما يجعلها الهدف الأكثر أهمية للسيطرة على إدارة الملاحة حين يتعلق الأمر بـ”تأمين الملاحة عبر المضيق”، وهي الفرضية التي بنيت على أساسها هذه القراءة.
إذا كنت تود التسوق فلا معنى لأن تذهب إلى الصحراء للتمويه أو خوفاً من “العين”، بل يتعين عليك الذهاب مباشرة إلى السوق.. يقول منطق الأشياء، خاصة إذا كان ذلك الخيار هو الأعلى جدوى والأقل كلفة.
تمثل الجزر الثلاث محل نزاع بين الإمارات وإيران منذ سيطرت الأخيرة عليها في 30 نوفمبر 1971 (قبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971). ولكونها كذلك يمكن المناورة فيها والضغط من خلالها على إيران، بل واستخدامها كمسحة تجميلية لصورة الجمهوريين خلال الدعاية الانتخابية لجهة الوقوف إلى جانب الحلفاء في المنطقة، وإلى حد كبير الحصول على تمويل للعملية من طرف الإمارات كبلد مستفيد.
زوايا أقل حدة
استهداف إحدى الجزر الثلاث أو جميعها سيفسر من قبل طهران بأنه تهديد مباشر لموقعها في مدخل الخليج كونها تسيطر فعلياً على تلك الجزر. غير أن الحدث نسبياً يمنح فرصة أوسع للمناورة مقارنة بجزيرة خرج الاستراتيجية؛ ذلك أن تصعيداً من هذا النوع على خطورته يظهر كخطوة تكتيكية وأقل شمولاً في مراحله الأولى على الأقل.
سيكون على إيران أن ترد بطبيعة الحال، لكن المواجهة هنا يمكن أن تكون محسوبة بدرجة أكبر، كما أن مساحة التداعيات محصورة أكثر مما تبدو عليه في سيناريو جزيرة خرج.
يمكن إلى حد كبير توقع أن تقوم إيران برد عسكري سريع لكنه موضعي لاستعادة الجزيرة أو الجزر و/أو استهداف القوات الموجودة عليها، من خلال تصعيد محسوب كون المعركة تبقى ضمن جغرافية محدودة.
يمكن أن تصعد في إجراءات تعطيل الملاحة في المضيق أو إغلاقه كورقة ضغط مقابلة، لكن بجنون أقل من المسارعة إلى هدم المعبد.
أمريكياً، يمكن لواشنطن أن تنظر إلى مثل هذا السيناريو كعملية تكتيكية مرتبطة مباشرة بحرية الملاحة (الهدف المعلن).
صحيح أن إجراءً من هذا النوع قد يبدو أقل حساسية اقتصادية من “خرج”، لكنه لا يخلو من خطر الاحتكاك الميداني المباشر بين الجانبين.
ومع أنني لست عسكرياً إلا أنه يمكن القول إنه سيتعين على واشنطن القيام بعدد من الإجراءات المترابطة في حال سارت الأمور وفقاً لهذا السيناريو، من مثل التركيز على السيطرة البحرية والجوية المحدودة كمراقبة السفن ومحاولة منع التهديد الفوري للجزيرة والممر المائي، والتعامل مع الصواريخ والمسيّرات والزوارق والغواصات المسيّرة وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً بالضرورة.
إلى جانب ذلك سيتعين على الجانب الأمريكي أيضاً تعزيز دفاعات الحلفاء في الإمارات على وجه الخصوص، كونها مرشحة لتلقي هجمات أكثر قسوة واتساعاً من قبل طهران.
ثمة خياران إذاً: حرق المنطقة ومصادر الطاقة والفوضى الواسعة، أو حرق منطقة في الخليج واستمرار المواجهات المنضبطة نسبياً بين إيران والمصالح الأمريكية وإسرائيل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news