عدن توداي
بقلم: رفاه زاير جونه
بغداد: العراق
تمرُّ الأعيادُ اليومَ على عتباتِ قلوبِنا كزائرٍ غريبٍ مُتعب، يَطرقُ البابَ ويَمضي بصمت، بينما لا تزالُ أرواحُنا عالقةً هناك في ذلك الزمنِ الذي كان فيه العيدُ يبدأُ من رائحةِ البيوت. أتذكرُ كيفَ كانت الأيامُ التي تسبقُ العيدَ جبهةً من العملِ الممزوجِ بالحب؛ فالبيوتُ تُنفضُ من غبارِها لتستقبلَ الضياء، والأثاثُ يتجددُ بلمساتٍ بسيطةٍ تمنحهُ هيبةً جديدة. أما المطبخ، فهو قلبُ الحدث، حيثُ تجتمعُ النسوةُ حول صواني “الكليجة” الموشومةِ بماءِ الوردِ والهيل، تلك الرائحةُ التي كانت تخرجُ من الفرنِ لتُعلنَ للحيِّ بأكملهِ أنَّ الفرحَ قد نضج. وللحمامِ الشعبيِّ في السُّوق حكايةٌ أخرى؛ فرغمَ وجودِ الحماماتِ في بيوتِنا، إلا أنَّ “حمامَ السوق” كان طقسًا لا يكتملُ العيدَ بدونه، حيث كانت الأمهاتُ يحملنَ معهنَّ سلالَ الفاكهة والبرتقال، نذهبُ برفقتِهنَّ كأننا في نزهةٍ خلوية، نخرجُ من البخارِ والماءِ الدافئ بوجوهٍ ورديةٍ كأنما غُسلَت بماءِ النعيم، نأكلُ الفاكهةَ بِنهمٍ ونحنُ نستمعُ لضحكاتِ النسوةِ وأهازيجهنَّ، بينما يذهبُ الآباءُ مع الصبيانِ لطقسِهم المماثل، ليعودَ الجميعُ وقد تجددت الأبدانُ والأرواحُ معًا.
حين يُشرقُ فجرُ العيد، كنا نرتدي ملابسَنا الجديدةَ بحذرٍ شديد، كأننا نرتدي قطعًا من الجنة، نُقبلُ يدَ الوالدِ والوالدةِ والأخوةِ والجيرانِ الأكبرِ منا سنًّا بخشوعِ المحب، ثم ننطلقُ في الطرقات حيث كانت الأبوابُ مشرعةً للجميع، نطرقُ بابَ الجارِ قبل القريب لنحصدَ “العيدية”؛ تلك الدراهمُ القليلةُ التي كانت في نظرنا ثروةً تُضاهي كنوزَ الأرض. كنا نهربُ بكنوزنا تلك نحو الساحاتِ العامة والمنتزهات، حيثُ “ديلابُ الهوى” الخشبيُّ ينادينا، نصعدُ فيه فترتفعُ قلوبُنا مع كلِّ دورة، نضحكُ من الأعماق، ونشتري بآمالِنا الصغيرةِ تلك الحلوياتِ الملونة، والكيك، والعصير، و”الموطا” الباردة التي تذوبُ في أفواهنا كالشهد. وأجملُ ما في ذلك الزمان كانت “العربانة” التي تجرُّها الخيول، كنا نتكدسُ فيها نُصفقُ بحرارة ونغردُ بأغنياتِ الطفولةِ العفوية، بينما إيقاعُ حوافرِ الخيلِ على الإسفلتِ يعزفُ لنا لحنَ الحرية. كانت الحياةُ بسيطةً إلى حدِّ الدهشة، لا تَعقيدَ فيها ولا تكلف، الفرحُ كان متاحًا للجميع، والفقيرُ والغنيُّ يتقاسمانِ ذاتَ الرغيفِ وذاتَ الابتسامة.
أما اليوم، فقد صارَ العيدُ ضيفًا ثقيلًا يختبئُ خلفَ شاشاتِ الهواتف، جفّتِ العواطفُ وصارَت التهاني رسائلَ صماءَ تُرسلُ بضغطةِ زر، الملابسُ غلَت أثمانُها وفقدَت بريقَها، والأبوابُ التي كانت مشرعةً أُغلِقَت بالأقفالِ والوجوم. فقدَ العيدُ تلك “الشرعيةَ” الروحية التي كانت تمنحُنا الطمأنينة، وتحوّلَ من حالةِ ابتهاجٍ جماعيٍّ إلى مجردِ عطلةٍ رسميةٍ تخلو من الروح. يا ليتَ الزمانَ يعودُ القهقرى، لنشمَّ رائحةَ البرتقال في حمامِ السُّوق، ولنركضَ خلفَ عربةِ الخيل، ولنستعيدَ تلك الغبطةَ التي كان يَكفيها درهمٌ واحدٌ وقطعةُ كليجةٍ من يدِ الأم، لنشعرَ أننا مَلكنا الدنيا وما فيها.
مقالات ذات صلة
الدكتور علي العباب.. انار بقعه من وطن
الدكتور مصطفى عبدالله ، مسيرة عطاء مليئة بالإنجازات التربوية في لحج
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news