فلم تكن الحداثة الغربية مجرد تطور تاريخي عادي، بل كانت صدمة كبرى أعادت تشكيل العالم. فقد جاءت محمّلة بقوة مزدوجة: أيديولوجيا تدّعي العالمية، وتكنولوجيا تفرض نفسها بالقوة. وهنا، كما يلاحظ أرنولد توينبي، وُضع العالم غير الغربي، والعالم العربي الإسلامي تحديدًا، أمام تحدٍ وجودي: كيف يواجه حضارة تتفوق عليه في أدوات القوة، دون أن يفقد ذاته؟لكن الإشكال لم يكن في التحدي ذاته، بل في طبيعة الاستجابة. فحين يغيب الوعي التاريخي، كما يشير توينبي، يصبح الإنسان عاجزًا عن فهم موقعه، فيتخبط بين ردود أفعال متناقضة. وهنا ظهرت في العالم العربي والإسلامي استجابتان أساسيتان: استجابة تنكفئ إلى الماضي، وأخرى تهرب إلى تقليد الآخر: الاستجابة الأولى، التي يسميها توينبي “الزيلوتية”، لم تكن سوى محاولة للهروب من الحاضر عبر استدعاء ماضٍ متخيَّل. فهي لا تستعيد التاريخ كما كان، بل كما تتمنى أن يكون. وفي هذا المعنى، ليست السلفية عودة إلى الماضي، بل قطيعة مع التاريخ نفسه، لأنها تتجاهل شروط الحاضر وتعقيداته. إنها أشبه بكائن يرفض الاعتراف بتغير الزمن، فيحاول العيش خارج سياقه، فيتحطم عند أول احتكاك بالواقع أما الاستجابة الثانية، “الهيرودية”، فهي الوجه الآخر للهروب. لكنها بدل أن تعود إلى الوراء، تقفز إلى الأمام—أو هكذا تظن. فهي لا تنتج حداثتها الخاصة، بل تستعير حداثة الآخر. وهنا يكمن تناقضها العميق: إذ تحاول أن تكون “حديثة” عبر التقليد، فتفقد قدرتها على الإبداع. إنها لا تبني ذاتها، بل تعيد إنتاج غيرها في سياق مختلف، فتخرج كيانًا مشوّهًا، لا هو منتمٍ إلى ماضيه ولا مندمج تمامًا في حاضر غيره.
وقد تجسدت هذه الازدواجية بوضوح في تجربة محمد علي باشا، الذي أدرك أن القوة الحديثة تكمن في التنظيم العسكري والتقني، فسعى إلى استيرادها. لكنه اكتشف، كما لاحظ توينبي، أن التكنولوجيا ليست أداة محايدة، بل تحمل معها شروطها الثقافية والاجتماعية. فلا يمكن بناء جيش حديث دون نظام تعليمي حديث، ولا إنشاء ترسانة دون مستشفى، ولا استقدام خبراء دون تغيير نمط الحياة. وهكذا، كان إدخال “جزء” من الحداثة يعني فتح الباب أمام تحول شامل، لم يكن المجتمع مستعدًا له، ولم يكن الغرب مستعدًا للسماح به أصلًا وهنا يظهر البعد السياسي بوصفه “الزمن الذي لا يمر”. فالسياسة، كما يشير بيير بورديو، ليست مجرد مجال من مجالات الحياة، بل هي القوة التي تعيد تشكيل كل المجالات الأخرى. وفي العالم العربي، لم تكن السياسة مجرد إدارة للسلطة، بل كانت قوة مهيمنة اخترقت الاقتصاد والثقافة والدين والعلم، وأعادت تشكيلها وفق منطقها الخاص. ولذلك لم يكن فشل الاستجابات مجرد خطأ فكري، بل كان نتيجة لبنية سياسية خانقة عطّلت إمكانات المجتمع.
ومع ذلك، فإن قراءة توينبي، رغم عمقها، لم تخلُ من تحيّز. فقد نظر إلى العالم الإسلامي من موقع التفوق الغربي، فاختزل تاريخه في ردود أفعال على الغرب، متجاهلًا أن كثيرًا من الحركات التي وصفها بالسلفية كانت في جوهرها نتاجًا داخليًا، مرتبطًا بأزمات اجتماعية وثقافية محلية، لا مجرد صدى للضغط الخارجي. كما أنه افترض أن التكنولوجيا الغربية تحمل بالضرورة نموذجها الحضاري، متغافلًا عن إمكانية تفكيكها وإعادة توظيفها.
لكن ما لم يكن واضحًا في زمن توينبي، أصبح اليوم أكثر وضوحًا: أن عنصر القوة في عصرنا لم يعد فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في القدرة على التحكم في المعنى. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات إنتاج، بل أصبحت أدوات تشكيل للوعي. ومن هنا، دخلنا مرحلة جديدة، حيث لم تعد الأيديولوجيا تعمل بمعزل عن التكنولوجيا، بل أصبحت متجسدة فيها.
وهكذا، تحولت الحروب من صراعات على الأرض إلى صراعات على الإدراك، ومن مواجهات بين جيوش إلى معارك على العقول. وأصبح الإنسان، الذي كان يومًا صانع المعنى، موضوعًا لإعادة تشكيله عبر أنظمة إعلامية ورقمية معقدة. وهنا يبلغ الصراع ذروته: ليس بين حضارات فحسب، بل داخل الإنسان نفسه.
في هذا الأفق، تبدو الحروب المعاصرة كأنها “المسّ الأخير” للحضارة—لحظة ينكشف فيها عجز الإنسان عن التوفيق بين ما يمتلكه من قوة تقنية، وما يفتقده من توازن أخلاقي. فكلما ازدادت قدرته على السيطرة على العالم، ازداد خطر انزلاقه إلى تدميره. ولم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل: كيف تُستخدم هذه القوة، ولأي غاية؟
إن التاريخ، في حركته الطويلة، لم يكن خطًا مستقيمًا نحو التقدم، بل سلسلة من التحولات في مراكز القوة: من الأسطورة إلى العقل، ومن الدين إلى العلم، ومن الأيديولوجيا إلى التكنولوجيا. لكن كل مرحلة حملت في داخلها بذور أزمتها. واليوم، ونحن نعيش ذروة العصر التكنولوجي، نواجه مفارقة قاسية: لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على التحكم في العالم، لكنه أقل قدرة على فهم نفسه.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في اختيار بين السلفية أو التبعية، بين الماضي أو الغرب، بل في تجاوز هذا الثنائي كله. فالحضارة لا تُبنى بالانسحاب ولا بالمحاكاة، بل بالقدرة على إنتاج معنى جديد، ينطلق من فهم عميق للتاريخ، دون أن يُستعبد له، ويستفيد من التكنولوجيا، دون أن يتحول إلى أداة في يدها.
وفي النهاية، قد لا يكون “المسّ الأخير” هو الحرب ذاتها، بل اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على ما صنعه—حين تتحول الأيديولوجيا والتكنولوجيا من أدوات في يده إلى قوى تتحكم به. عندها فقط، لا يكون السؤال من سينتصر، بل: هل يبقى هناك إنسان أصلًا ليطرح السؤال.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news