بقلم : سمية حيدر
في تعدد العلاقات وتعقيدها تظهر من بينها علاقة تبعث على كثير من التساؤلات؛ علاقة تجمع بين متناقضين. لماذا نشأت؟ وكيف استمرت؟ ولماذا هذا النوع من العلاقات غير المتكافئة والمؤلمة لا يزال مستمرًا بعلاقته؟
دعونا أولًا نتعرف ماذا يُقصد بالنرجسي والطيب لندرك كيف تنشأ هذه العلاقة الجاذبة لطرفيها، وكأن أحدهما يجد مبتغاه في الآخر.
النرجسي هو شخصية متمركزة حول نفسه وذاته، ولا نبالغ إن قلنا إنه يجد نفسه محور الكون، ويعتمد في حياته على أن يحيط نفسه بمن يغذّون غروره وأناه.
أما الطيبة فهي شخصية تتميز بالإيثار والقدرة العالية على العطاء، وتجدها تُظهر جمال من حولها. وأكثر سماتها المشتركة لدى الكثير منهم أنها تتبنى دور “المصلح”، وتسعى جاهدة بصبرها الطويل وعطائها اللامشروط إلى إصلاح ما حولها ومداواة الآخرين، وكأنها جعلت من نفسها حاملة لواء الإنسانية وإصلاحها، وهي تغذي ذاتها بذلك وتجد فيه السعادة.
مقالات ذات صلة
مقال لـ عدنان السيد: احمد العيسي…صانع انتصار اليمن..
ثمانية أعوام مضت كلها مآسي.
إذا تأملنا في الصفتين، ورغم تناقضهما، فهما يمتلكان عنصر جذب قوي بينهما؛ فهناك شخصية تأخذ بلا حدود، وأخرى تعطي بلا حدود.
فالنرجسي قناص ماهر يمكنه تمييز الطيبين بدقة، وآلية دخوله في حياتهم تكون برسم صورة الضحية التي تحتاج إلى من يفهمها وينقذها لتكون الأفضل. وهذا ما يجعل الطيبين يسارعون إلى لملمة جراحه والوقوف بكل طاقاتهم للعمل على إصلاحه، مهما كلفهم ذلك من الجهد النفسي والجسدي والمادي إذا لزم الأمر.
لكن قد نعلم دوافع النرجسي لاستمرار علاقته مع الطيب، كونه يجد فيه ما يريده من استمرار منبع الإعجاب به وقدرته على السيطرة. لكن السؤال المحير: لماذا يستمر الطيب في هذه العلاقة التي تستنفذه وتستهلك طاقته ومشاعره؟
قبل الإجابة، لابد من الإشارة إلى أن أغلب الطيبين الذين يصطادهم النرجسي هم شخصيات ناجحة جدًا ولا تقبل الفشل؛ لذلك ستجدهم يستمرون على أمل أن يتغير النرجسي ويكون أفضل، ويمضون الأيام والأشهر والسنين، فهم أصحاب إصرار وعزيمة، ولا يعلمون أن الشخصية النرجسية غالبًا تخالف ما اعتادوا عليه؛ لأنها لا تتغير مهما بذلوا.
وهذا ما يجعلهم بعد فترة طويلة يصلون إلى محاولة ترك العلاقة والنفاذ منها. وهنا يأتي ذكاء النرجسي، الذي ليس من السهل عليه ترك فريسته، فيتجه إلى أسلوب جديد يُطلق عليه “التعزيز المتقطع”، وهو أسلوب يبرع فيه، عبارة عن مزيج من الإساءة يتبعها قدر كبير من الحب والاهتمام. وهذا أفتك سلاح يتقنه النرجسي ببراعة، مما يجعل الطيب في تردد طوال فترة العلاقة، بل قد يصل به الحال أن يلوم ذاته ويجلدها ظنًا منه أنه إذا ترك النرجسي سيؤذيه بمشاعره.
ويُترجم إساءة النرجسي له بسبب ما يعانيه من ماضٍ أليم، وهذا الشعور يعيده كل مرة إلى دائرة سيطرة النرجسي، في دوامة لا تنتهي.
لكن هل الطيب لا يدرك ألاعيب النرجسي واستنفاذه لطاقته دون أي عطاء عاطفي أو أمل مستقبلي؟
يكمن العلاج إذا وعي أولًا أنه ليس عليه التخلي عن نبل أخلاقه، لكن عليه أن يعدل من أسلوب تفكيره؛ بأن يحب ذاته، ويضع الحدود التي ليس على النرجسي تخطيها، ويوقف نزيف العطاء غير المحدود.
فالعطاء الحقيقي ألا يذوب الإنسان في الآخر ويقدمه على نفسه، بل إن العطاء الأجمل هو ذلك الذي نقدمه لأنفسنا أولًا، ثم نقدمه بعد ذلك لمن يستحقه فعلًا.
تحرير المقال
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news