تحل ذكرى تحرير مدينة عدن من جماعة الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، في ظل متغيرات جلية، عاشتها المدينة والمحافظات الجنوبية مؤخرًا، جعلت من الاحتفال بذكراها الـ 11مختلفًا هذه المرة.
فالطابع "الشرعي" يبدو طاغيًا على السمة الاحتفالية لذكرى تحرير عدن؛ نتيجة تطورات أرجعت الكثير من رموز المقاومة الشعبية ضد مليشيات الحوثي إلى الواجهة، بعد أن عانوا الإقصاء خلال السنوات الماضية.
يحدث هذا وسط جدل واسع حول هوية محرري عدن، ففي الوقت الذي يتمسك أبناء المدينة بأنهم هم من حقق هذا النصر، تزعم جهات وكيانات أخرى أن التحرير، تم بأيدي القادمين من خارج المدينة.
مزاعم تؤجج دعاوى المناطقية، التي اكتوت عدن بنيرانها خلال السنوات العشر الماضية، والتي نسبت النصر لغير أهلها، بينما أبناؤها تواروا بعد أن أنجزوا التحرير، غير آبهين بالمناصب والمغانم التي استولى عليها من يدّعون زورًا أنهم أصحاب النصر.
بعيدًا عن هذا الصخب، حرص "بران برس" على رصد حقائق وانطباعات بعض صانعي النصر والتحرير، من قيادات المقاومة الأولى التي تصدت لجحافل الحوثيين، قبل حتى أن يتدخل التحالف العربي في المعركة، أو من ينسبون إلى أنفسهم هذا الإنجاز.
قيادات كشفت كيف نبذ أهالي عدن حينها المناطقية والخلافات ورموها خلف ظهروهم، ومضوا في توحيد جهودهم ورص صفوفهم في مواجهة هدف واحد وعدو وحيد، تمثل في المليشيات الغازية.
تناسي الخلافات
القيادي في مقاومة مديرية البريقة، غرب عدن، الدكتور جمال البكري، يتحدث في تصريح خاص لـ"بران برس" عن تفاصيل الأيام الأولى من المقاومة، يقول: "لقد تناسى أبناء عدن قبائلهم وخلافاتهم وقاموا قومة رجل واحد، في وجه عدو لو تمكن منهم لمزق نسيجهم الاجتماعي، ولما ترك لهم دينًا قويمًا ولا خلقًا كريمًا".
وأضاف الدكتور البكري: "لقد أظهروا شجاعةً منقطعة النظير، فقاتلوا الحوثيين، وقضوا على طموحه في نشر طائفيته وفكره الشيعي في عدن، وأقل وفاء لأولئك ممن قضوا نحبهم، أو غُيبوا في المعتقلات، أو حُبسوا في جراحاتهم وإعاقاتهم، تفقد أحوالهم ومواساة أسرهم".
وقال الدكتور البكري إن ذكرى تحرير عدن تستنهض ذكريات أبطال النصر ممن حرروا مدينتهم، وهذا بعض حق الأبطال علينا، ولو أردنا تتبع أبطال تحرير عدن، لوجدنا أن كل مديرية قدمت أبطالًا، لكن يجب ألا يكون ذكر بعض الأبطال دون آخرين مدعاةً للجدل، أو يُنسينا فرحة التحرير.
شهادة حربية
من جانبه، يتحدث أحد قادة المقاومة في عدن، وهو القيادي السلفي، ورجل العلم، "حازم الشاعر"، حول كتابه المعنون بـ: "صفحات مطوية من أحداث الحرب العدنية"، والذي لخص فيها تضحيات أبناء عدن، خلال معارك تحرير مدينتهم.
ويوضح الشاعر، في حديثه لـ"براس برس"، أن الكتاب ينتمي إلى أدب "الشهادة الحربية"، وسعى إلى نقل أجواء الخوف والخذلان ثم الصمود والانبعاث، وفي الوقت نفسه فإن الكتاب ينحاز إلى موقفٍ عقدي وسياسي محدد.
"كما أن الكتاب ينقل نبض الميدان كما عاشه أصحابه، ويقدم صورةً عن كيف تحولت عدن، في الوعي الجمعي، من مدينةٍ مهددة إلى رمزٍ للمقاومة والثبات".. يقول المؤلف.
ويزيد: "الكتاب شهادة على واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ اليمن المعاصر، ويكشف أن الحوثيين ليسوا قوة سياسية فحسب، بل يقدمهم بوصفهم مشروعًا عقائديًا خطيرًا يهدد الهوية والدين، ويرى أن المواجهة معهم لم تكن دفاعًا عن جغرافيا أو سلطة، بل عن العقيدة والكرامة".
مدينة أنجبت المقاومة
وفي الكتاب، يسجل المؤلف تفاصيل المقاومة داخل أحياء عدن، وكيف تحولت مناطق مثل "خورمكسر وكريتر والتواهي" إلى ساحات اشتباك وصمود، ولا يركز على “القادة الرسميين” وحدهم، بل يمنح مساحةً كبيرة للمقاومين المحليين والناس العاديين.
الشاعر يشير إلى أن عدن في نصّ كتابه لا تظهر كمدينةٍ تنتظر الإنقاذ، بل كمدينة أنجبت مقاومةً شعبية تشكلت من البيوت والأزقة والعائلات، لافتًا إلى أنه قدم الحرب في الكتاب بوصفها معركةً جماعية شارك فيها الرجال والنساء، المقاتلون والمدنيون، الداخل والخارج.
وفي ختام الكتاب يبرز المؤلف عنصر الوفاء والتحية لكل من شارك في القتال أو المساندة، ولا سيما جنود التحالف العربي الذين لم تذهب دماؤهم سدى، وأن تحرير عدن لم يكن حدثًا عابرًا بل لحظة فاصلة في الوعي والهوية، وفق حديثه لـ"بران برس".
مقترحات تحافظ على النصر
يعتقد كثيرون أن أحداث الشهور الأربعة الماضية مثلت فرصةً لمراجعة أخطاء "العشرية الأخيرة" التي أعقبت تحرير مدينة عدن، وتجاوز عثراتها المناطقية والسياسية والعسكرية، والتفرغ لإعادة توجيه بوصلة المعركة الحقيقية.
وفي هذا الصدد، يقترح القيادي العسكري، نائب مدير الشعبة الفنية للقوات المسلحة في عدن، "وضاح طماح" جملةً من العوامل للحفاظ على النصر وعدم تكرار التهديد الحوثي، خلال حديثه مع "بران برس".
من تلك الاقتراحات، العمل على نبذ المناطقية والعنصرية والقبَلية، والعيش عيشةً مدنيةً والتأقلم مع الجميع، وحب بعضنا والتعاون فيما بيننا، من أجل خلق بيئةٍ نظيفة، يتعايش فيها الجميع.
ويكمل طماح: "الحب والاحترام والتآخي متى ما تولّد بيننا؛ عندها سنصنع الدولة وسنحافظ على النصر، وسنمنح دماء الشهداء حقها".
واختتم بالقول: "ذكرى تحرير عدن من مليشيات الحوثي الإرهابية، جمعت بين الألم والفرح في ذات الوقت؛ كونها جمعت كارثة الغزو وفرحتنا بتحرير الأرض من هؤلاء الغزاة الذين دخلوا هذه المدينة الطاهرة ودنسوها".
إقصاء الأبطال
الصحفي اليمني، فتحي بن لزرق، يرى أن ذكرى تحرير عدن تدفعنا للتأكيد على أن المدينة تحررت بأيدي أبنائها، ممن قادوا المعركة الأساسية، لكن للأسف تم إقصاؤهم لاحقًا في المرحلة التي تلت تحرير المدينة، وفق حديثه الخاص مع "بران برس".
ويواصل بن لزرق: "بعد 11 سنة من تحرير عدن يجب مراجعة مشهد الإقصاء والتنكيل الذي تعرض له أبناء عدن، وهي مناسبة للتذكير على أنهم لم ينالوا حقهم في مدينتهم".
تصحيح البوصلة
وتطرق بن لزرق إلى المتغيرات التي حصلت مؤخرًا في عدن والمحافظات الجنوبية، ومحاولة استعادة دور الشرعية الحقيقي وتوحيد صفوفها، معتبرًا أنها فرصة للتذكير بأن معركتنا الحقيقية هي ضد الحوثيين.
وقال: "عقب تحرير عدن توقفت المعركة ضد المليشيات، وتحولنا إلى صراعات بينية داخلية، تستوجب اليوم رص الصفوف لخوض المعركة مجددًا باتجاه صنعاء".
بن لزرق اختتم تصريحه بالإشارة إلى أن بوصلة المعركة انحرفت إلى صراعاتٍ بينية استمرت عشر سنوات، وينبغي اليوم تصحيح البوصلة إلى مسارها الحقيقي، معتقدًا أن ذكرى تحرير عدن فرصة لمراجعة كل الأخطاء التي حصلت خلال السنوات الماضية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news