تظل لحظات التحرير في العاصمة المؤقتة عدن محفورة في وجدان أبنائها، ليس فقط كذكرى لانتصار عسكري، بل كملحمة إنسانية جسدت تلاحم المجتمع في مواجهة لحظات تاريخية فارقة.
فعندما غابت المؤسسات العسكرية الرسمية، برزت إرادة شباب ورجال المقاومة لتملأ الفراغ، معلنةً انطلاق "مقاومة شعبية" لم تكن تملك غير الإيمان بعدالة القضية وروح الفداء لتربة عدن، هذه المدينة العريقة.
اليوم، وبعد مرور 11 سنة في على تلك الأحداث، يعيد المشاركون في تلك المعارك صياغة الحكاية من زوايا متعددة، مسلطين الضوء على تفاصيل لم تروَ بدقة، ومؤكدين أن النصر الذي تحقق بدماء زكية وطموحات عريضة، لا يزال ينتظر اكتماله بتنمية حقيقية ووفاء مخلص لمن صنعوا فجر الحرية.
عقيدة التلاحم وقرار المواجهة
الدكتور نزار محمد بامحسون يروي لـ"منصة الهدهد" تفاصيل اللحظات الأولى التي سبقت المواجهة، حيث أكد أن قرار التصدي للمليشيات لم يكن عشوائياً، بل اتُخذ بالإجماع من قبل تشكيلات المقاومة على مستوى المديريات كافة. وبناءً على ذلك، بدأ الاستعداد الميداني وتشكيل الأفراد في مجاميع قتالية، مع توفير ما أمكن من إمكانات ورسم خطط المواجهة التي اعتمدت على المبادرة الشعبية.
وأوضح بامحسون أن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن النصر كان بتوفيق الله أولاً، ثم بفضل أبناء عدن الذين امتلكوا عقيدة قتالية موحدة. واعتبر أن الهدف كان واضحاً وهو مواجهة المشروع الحوثي كعدو استراتيجي وحيد. وأشار إلى أن عزيمة المقاتلين وإصرارهم كانا الوقود الحقيقي، قبل أن يأتي دعم التحالف العربي الذي وصفه بالدعم الهام الذي لا يمكن لأحد نكرانه.
ولفت نزار إلى وجود محاولات من جهات أخرى لتجيير النصر لصالحها، رغم أنها لم تكن موجودة على الأرض حينها. وأكد أن أفراد المقاومة الحقيقيين يعرفون تماماً تفاصيل الميدان ومواقع التمركز. وبيّن أن بوصلة التحرير بدأت تنحرف عن مسارها الشعبي مع بدء عمليات الاغتيالات الممنهجة التي استهدفت قادة المقاومة والعسكريين والأئمة.
وشدد في ختام حديثه على ضرورة أن تتجه الحكومة نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ودعا إلى ترك المناكفات السياسية وتقديم مصلحة الوطن والمواطن فوق أي اعتبارات أخرى.
جراح تنزف.. وفاء مفقود
من جانبه، تحدث سمير أنيس أحمد غالب، وهو أحد الجرحى الذين كانوا في الصفوف الأولى لمعركة التحرير عام 2015، عن الألم المزدوج الذي يعيشه المقاتل بين جراح الجسد ومرارة التهميش. وقال إن شهادته لا تجسد فقط آلامه الشخصية، بل هي صدى لأوجاع كل الأسر التي ضحت ولم تجد غير النسيان. وأضاف أنه عاش تفاصيل المعركة منذ لحظاتها الأولى حين وقف أبناء المدينة بإمكانات بسيطة للدفاع عن أرضهم وكرامتهم.
واعتبر سمير في تصريح لـ"منصة الهدهد" أن تضحيات تلك المرحلة كانت نقطة تحول كبرى، لكن الوفاء الحقيقي لهذه الدماء يكون بالعمل من أجل مدينة آمنة.
وأوضح أن معاناة الجرحى اليوم تتلخص في ثلاثة جراح عميقة، أولها العجز عن إيجاد فرص عمل تسد احتياجات أسرهم، خاصة مع وجود إعاقات دائمة. وأشار إلى الجرح الثاني المتمثل في حاجة الكثيرين لاستكمال العلاج في الخارج، وصولاً إلى الجرح الثالث المتعلق بتأخر الرواتب وانقطاعها.
واستذكر سمير دور مآذن عدن التي كانت المحرك الأول حين نادت "حي على الجهاد"، فهرع الجميع للتضحية بكل غالٍ ونفيس. وأكد أن نساء عدن كان لهن دور بطولي لا يقل عن الرجال، سواء في ساحات القتال أو من خلال الإمداد بالغذاء والعلاج. ورأى أن الشعور بانحراف المسار بدأ عندما تحولت التضحيات إلى وسيلة للمكاسب السياسية والشخصية.
ووجه رسالة واضحة مفادها أن تضحيات الشهداء والجرحى هي أمانة في أعناق الجميع، خاصة من هم في رأس الهرم السلطوي. وأكد أن قيمة التحرير لا تظهر إلا عندما يشعر المواطن بكرامته واستقراره في معيشته.
ذاكرة الأرض ترفض التزييف
وفي سياق متصل، استعرض محمود بدية الأهمية المفصلية لتلك الفترة التي تطلبت سرعة في اتخاذ القرار وتقدير حجم التبعات. وقال إن الشباب اتخذوا قرار المواجهة غير مبالين بالنتائج، لإيمانهم بأن أقدامهم لن تضيع هدراً. وأكد أن أبناء عدن كان لهم الدور البارز والأساسي في بدء المعركة وحسمها، خاصة بعد فراغ المدينة من أي تواجد عسكري رسمي.
وأوضح بدية أن هناك محاولات استمرت لعشر سنوات تهدف لمحو ذاكرة الناس والتشويش على هذه الحقيقة التاريخية، مشيراً إلى أن أي مقاوم عدني لا يمكنه قبول السرديات المدلسة التي تحاول حصر الانتصار لجهات معينة. ووصف تلك المحاولات بالدناءة التي تسعى لتملك كل ما يخص عدن، مؤكداً أن دماء الشهداء التي سقت الأرض تعرف تماماً من حماها حين هرب الآخرون.
ولفت بدية إلى أن أبرز نقاط الانحراف تمثلت في تهميش ومطاردة قادة المقاومة الحقيقيين، وخص بالذكر مجلس المقاومة بقيادة نائف البكري وأعضاء المجلس. وبيّن أن التحرير الحقيقي لا يكتمل بتحرير الأرض فحسب، بل بتأمين حاجيات الناس الضرورية وتوفير الخدمات في كافة المجالات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الاهتمام بأسر الشهداء والجرحى هو المقياس الحقيقي للنجاح. وأشار إلى أن وجود الحكومة اليوم على الأرض هو ثمرة لتلك التضحيات التي أمنت الناس في وقت الخوف والحاجة.
بين ذاكرة الرصاص واستحقاقات السلام
تظل حكاية تحرير عدن، برغم مرور السنوات، أكبر من مجرد تأريخ لواقعة عسكرية انتهت بانسحاب المليشيات. فهي في جوهرها تجسيد لعهد مكتوب بالدم بين المدينة وأبنائها الذين لم يخذلوها حين توارت كل الحسابات التقليدية للقوة.
وأجمعت الشهادات الحية التي استعرضها هذا الاستطلاع على أن النصر الذي تحقق في صيف عام 2015، لم يكن هبة من أحد، بل كان ثمرة "إرادة شعبية" خالصة نبتت من أزقة المدينة ومآذنها. وأشارت هذه الأصوات بوضوح إلى أن استمرار تجاهل ملف الجرحى وتهميش القيادات الميدانية الحقيقية يمثل ثغرة في جدار هذا الانتصار.
وأوضحت الآراء الواردة أن الانتقال من "مرحلة التحرير" إلى "مرحلة البناء" لا يزال يواجه عثرات السياسة والمناكفات التي أثقلت كاهل المواطن البسيط. وظل التأكيد قائماً على أن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشباب لا يتجسد في الخطابات الرنانة، بل في تحويل شوارع عدن إلى ساحات للتنمية، وتأمين سبل العيش الكريم لكل من قدم روحه أو جسده فداءً لترابها.
وفي نهاية المطاف، يبقى صوت المقاوم الجريح والمواطن الصابر هو البوصلة الحقيقية التي يجب أن تهتدي بها الحكومة والجهات المعنية. فالتاريخ لا يكتبه فقط من يجلسون على منصات التتويج، بل يكتبه أولئك الذين يعرفون موقع كل حجر في طريق الحرية، والذين ينتظرون اليوم أن تتحول تضحياتهم إلى واقع ملموس يحفظ كرامة عدن ومستقبل أجيالها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news