الدكتور: عبدالقادر المحوري
ذكرى تحرير عدن ليست مجرد محطة عسكرية في مسار الحرب، بل لحظة سياسية ووطنية أعادت تثبيت الشرعية، ورسخت مشروع الدولة الاتحادية الذي حمله الرئيس عبدربه منصور هادي في واحدة من أعقد مراحل التاريخ اليمني المعاصر
في مسيرة الأمم ومحطات تحوّلها الكبرى، يبرز دور القادة الذين وجدوا أنفسهم في قلب لحظات تاريخية فارقة، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع تعقيدات الإقليم وتوازنات المجتمع الدولي. وفي التجربة اليمنية المعاصرة، يظل اسم فخامة الرئيس المشير عبدربه منصور هادي حاضراً بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي تحملت عبء مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، اتسمت بتراكمات الماضي، وصراعات الحاضر، وتطلعات المستقبل.
لقد جاءت قيادة الرئيس هادي في ظرف استثنائي لم يكن فيه اليمن مجرد دولة تمر بمرحلة سياسية عادية، بل كان بلداً يقف على تخوم التحول بين نظام قديم أثقلته التناقضات، وبين مشروع وطني جديد يسعى لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة. وفي تلك اللحظة التاريخية، وجد هادي نفسه أمام مهمة مزدوجة إدارة انتقال سياسي دقيق من جهة، ومواجهة مشروع انقلابي مسلح يهدد وجود الدولة من جهة أخرى.
عبء المرحلة الانتقالية وإرث الماضي
تسلّم الرئيس هادي المسؤولية في سياق سياسي بالغ الحساسية عقب تسوية سياسية هدفت إلى تجنيب اليمن الانزلاق إلى الفوضى الشاملة. غير أن تلك المرحلة لم تكن مجرد انتقال سلس للسلطة بل كانت محمّلة بإرث طويل من الأزمات البنيوية التي تراكمت عبر عقود بنية دولة هشة، مراكز قوى متصارعة، اقتصاد مثقل بالاختلالات، ونسيج اجتماعي أنهكته الاستقطابات السياسية والمناطقية.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، سعى هادي إلى إدارة مرحلة المشاورات الوطنية والحوار الشامل التي أفضت إلى مؤتمر الحوار الوطني، وهو أحد أهم المحطات السياسية في التاريخ اليمني الحديث فقد جمع المؤتمر مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، وفتح الباب أمام نقاشات غير مسبوقة حول شكل الدولة ومستقبلها. ومن رحم تلك النقاشات خرجت فكرة الدولة الاتحادية باعتبارها صيغة تضمن توزيع السلطة والثروة، وتستوعب التنوع الجغرافي والاجتماعي في اليمن.
لقد كان ذلك المشروع، في جوهره، محاولة لإعادة تأسيس الدولة اليمنية على قاعدة العدالة والمواطنة المتساوية، بحيث يعيش جميع أبنائها في إطار نظام سياسي يوازن بين المركز والأقاليم، ويضع حداً لدورات الصراع التاريخية التي أنهكت البلاد.
مواجهة الانقلاب القيادة في لحظة الخطر
غير أن المسار السياسي لم يمضِ دون تحديات جسيمة. فقد واجه اليمن لاحقاً انقلاباً مسلحاً قادته جماعة الحوثي وهو ما أدخل البلاد في واحدة من أخطر مراحلها المعاصرة.
في تلك اللحظة المفصلية، وجد الرئيس هادي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما القبول بالأمر الواقع والانخراط في مشروع الانقلاب، أو التمسك بشرعية الدولة ومؤسساتها. وقد اختار الطريق الأصعب، متمسكاً بالدستور والشرعية، رغم المخاطر الشخصية والسياسية الكبيرة التي أحاطت به.
لقد حمل الرجل روحه على كفيه في تلك المرحلة العصيبة، متنقلاً بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة ومنع انهيارها الكامل. وكان لقراره بمقاومة الانقلاب والتمسك بالشرعية دور محوري في حشد الدعم الإقليمي والدولي، وهو ما أسهم لاحقاً في تشكيل تحالف داعم لاستعادة الدوله
بقيادة حكيمة للاشقاء في المملكة العربية السعودية الشقيقة
عدن… لحظة التحول واستعادة الأمل
شكّل تحرير مدينة عدن نقطة تحوّل مهمة في مسار الأزمة اليمنية، إذ أعاد تثبيت حضور الشرعية على الأرض، وفتح المجال أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة في المناطق المحررة. وقد كانت تلك اللحظة بمثابة إعادة تثبيت لبوصلة الصراع، حيث انتقلت الشرعية من حالة الدفاع إلى محاولة استعادة المبادرة السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، فإن الطريق لم يكن سهلاً فقد واجهت الدولة الوليدة في تلك المناطق تحديات كبيرة، من بينها ضعف الموارد، وتعدد مراكز النفوذ، وتعقيدات المشهد السياسي والعسكري. ورغم تلك العوائق والمنغصات، فقد بقيت فكرة الدولة ومشروعها حاضرين كإطار جامع يلتف حوله اليمنيون.
مشروع اليمن الاتحادي رؤية للمستقبل
من بين أبرز الإرث السياسي للرئيس هادي مشروع اليمن الاتحادي، الذي مثّل رؤية استراتيجية لمعالجة جذور الأزمة اليمنية. فالفكرة لم تكن مجرد إعادة تقسيم إداري للدولة، بل كانت مشروعاً سياسياً متكاملاً يسعى إلى بناء نظام حكم رشيد يقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
لقد كان جوهر تلك الرؤية يقوم على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد أن يعيش اليمنيون جميعاً في دولة لا إقصاء فيها ولا تهميش، دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وتُدار فيها السلطة وفق قواعد مؤسسية واضحة بعيداً عن منطق الغلبة والصراع.
ومع مرور السنوات، بدأت كثير من الأطراف السياسية تدرك أن هذه الصيغة الاتحادية ليست مجرد خيار نظري، بل قد تكون المخرج الواقعي الوحيد لإنهاء دوامات الصراع التي عانى منها اليمن طويلاً.
للتاريخ والإنصاف
أن الإنصاف اليوم يقتضي الاعتراف بأن المشير هادي واجه مرحلة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ اليمن الحديث، حيث تداخلت التناقضات الداخلية مع الاجنده الدوليه وتقاطعت مشاريع القوى المحلية مع حسابات الفاعلين الدوليين. وفي مثل تلك الظروف، لا يكون الحكم على التجربة حكماً بسيطاً، بل قراءة متأنية في سياقها التاريخي والسياسي.
ولعل العبارة التي قالها الرئيس هادي ذات يوم تختزل جانباً من فلسفة تلك المرحلة “إن للنصر آباء كثيرين، أما الهزيمة فإن لها أباً واحداً.” وهي عبارة تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة العمل السياسي في لحظات الأزمات، حيث تتوزع المكاسب على الجميع بينما تتحمل القيادة عبء المسؤولية في لحظات الانكسار.
استحضار الذاكرة الوطنية
إن استحضار تجربة الرئيس عبدربه منصور هادي اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد ذكرى في استعادة الماضي، بل محاولة لفهم دروس المرحلة واستيعاب تعقيداتها. فاليمن، وهو يواصل البحث عن طريقه نحو السلام والاستقرار، يحتاج إلى قراءة متوازنة لتجربته السياسية، قراءة تعترف بالمخاطر والإيثار ولا تتجاهل التضحيات.
لقد حاول هادي، في واحدة من أصعب المراحل، أن يحافظ على فكرة الدولة وأن يفتح أفقاً لمستقبل اتحادي عادل. وربما يختلف اليمنيون في تقييم تفاصيل التجربة، لكن كثيرين باتوا يدركون أن رؤية الدولة الاتحادية التي طُرحت آنذاك لا تزال حتى اليوم أحد أهم المفاتيح الممكنة للخروج من الأزمة اليمنية.
وفي النهاية، يبقى التاريخ هو الحكم الأعدل، وهو الكفيل بوضع كل تجربة في سياقها الصحيح، بعيداً عن ضجيج اللحظة وصراعاتها. لكن ما لا خلاف عليه أن تلك المرحلة ستظل واحدة من أهم المحطات في مسار اليمن الحديث، وأن اسم الرئيس عبدربه منصور هادي سيظل جزءاً من تلك الذاكرة الوطنية التي تشكلت وسط العاصفة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news