في قلب مدينة حيس التاريخية، الواقعة بمحافظة الحديدة وسط سهل تهامة، لا يزال مسجد ومدرسة “المشهور” شاهداً على عراقة دينية وحضارية ضاربة في عمق التاريخ. يتربع هذا الصرح الأثري في حي “المحل” غرب المدينة القديمة، ليبقى منارة علم ودين تتوارثها الأجيال.
تأسيس ونسب عريق
يُنسب بناء هذا المعلم البارز إلى الشيخ المشهور بن أحمد بن أحمد بن مقبول الأهدل، الذي استوطن مدينة حيس وعاش فيها حتى وفاته، تاركاً إرثاً عمرانياً ودينياً خالداً. وتشير المصادر التاريخية إلى صلة قرابة وثيقة تجمع المؤسس بالشيخ أحمد بن أحمد بن أحمد مقبول الأهدل، المعروف بـ “شيخ الجلاب”، حيث يجمعهما النسب الشريف الذي يرتد إلى الجد الجامع لأسرة الأهدل، الشيخ علي بن أبي بكر الأهدل المدفون في منطقة المراوعة.
وقد تفرعت من ذرية الشيخ المشهور العديد من الأسر التي لا تزال تسكن حيس حتى اليوم، وتحمل أسماءً عديدة من أبرزها: المَشْهور، المَعْروف، الأهْدَل، البِسَيْس، العُنَيني، العَطَله، الشِّهاب، الحُمَيد.
امتداد علمي وأدبي
لم تقتصر مكانة هذه الأسرة على النسب فحسب، بل امتدت لتشمل الإسهام العلمي والأدبي. ففي القرن التاسع عشر، برز من هذه الأسرة العالم والأديب الحسن بن يحيى بن طاهر الأهدل، الذي كان له دور بارز في حياة القاضي عبد الرحمن بن يحيى الآنسي خلال توليه القضاء في حيس. وتذكر الروايات أن القاضي الآنسي لم يستأنس بالمدينة ولم ينسجم مع أجوائها إلا بعد مصاحبته للحسن بن يحيى، مما ألهمه لتخليد جمال حيس ونخيل “السَّحاري” في قصائد حمينية شهيرة ضمن ديوانه “ترجيع الأطيار لمرقص الأشعار”، الذي حققه فيما بعد القاضي عبد الرحمن الإرياني والأغبري. توفي الحسن بن يحيى الأهدل عام 1825م، تاركاً إرثاً صحبياً وأدبياً يُروى.
طراز معماري فريد ودور تعليمي رائد
يجسد مسجد المشهور نمط المدارس الإسلامية العريقة في تصميمه المعماري، حيث يتكون من مصلى أمامي و”شماسية” ومصلى خلفي، بالإضافة إلى الميضأة. ويُرجع الباحثون هذا الطراز الرفيع إلى فترة الدولة الطاهرية، مما يزيد من قيمته الأثرية.
ولم يكن المسجد مجرد مكان لأداء الصلوات، بل لعب دوراً ريادياً كمدرسة علمية متكاملة تُدرس فيها علوم الفقه والشريعة. وقد تخرج من رحابه جيل من العلماء والفقهاء من أسرة “المشهور” ومن غيرهم من طلاب العلم الوافدين، مما جعله قبلة علمية في تهامة.
حاضر يليق بالماضي
وإلى اليوم، لا تزال أسرة “المشهور” تضم نخبة من الوجهاء والمشائخ الذين يحافظون على المكانة الاجتماعية المرموقة، مكملين بذلك الدور العلمي والتاريخي لأسلافهم. ويحظى المسجد بعناية مستمرة للحفاظ على طابعه المعماري الفريد، حيث لا تزال تقام فيه الدروس وحلقات القرآن الكريم، لتستمر رسالته الدينية والتنويرية شامخة في سماء مدينة حيس.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news