انكشاف التاريخ والمعنى أو تساقط الأساطير

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 42 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
انكشاف التاريخ والمعنى أو تساقط الأساطير

حين يتأمل المرء تاريخ العالم بقدر من الهدوء والتجرد يكتشف أن ما يحركه في العمق ليس الوقائع الصلبة من حروب واقتصاد وسياسة فحسب، بل طبقة أخرى أكثر خفاءً وتأثيراً: طبقة الأساطير السياسية التي تصوغ وعي الجماعات وتمنحها شعوراً بالرسالة والقوة والقدر التاريخي. فالتاريخ لا يتحرك بالقوة المادية وحدها، بل أيضاً بالقوة الرمزية التي تصنعها المخيلة الجمعية، حيث تتحول الأفكار إلى يقين، وتتحول السرديات إلى حقائق شبه مقدسة، وتتحول الأوهام أحياناً إلى محركات فعلية للسياسة والحرب.

لقد أدرك الفلاسفة منذ زمن بعيد أن العالم لا يقوم فقط على ما هو موجود بالفعل، بل أيضاً على ما يمكن أن يوجد بالقوة. ولهذا ميّز أرسطو بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل؛ فكل كائن يحمل في داخله إمكانية كامنة تنتظر شروط تحققها. فالبذرة تحمل في جوفها شكل الشجرة وطعم الفاكهة! بحسب هيجل غير أن هذه الإمكانية لا تتحول إلى واقع إلا إذا توفرت لها الشروط المناسبة. وهكذا هو التاريخ أيضاً: إمكانات وصراعات وتحولات مستمرة بين ما تتخيله الجماعات عن نفسها وما تستطيع تحقيقه فعلاً إذ أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات في أنه لا يعيش داخل التاريخ الطبيعي للبقاء فقط، بل يعيش أيضاً داخل تاريخ رمزي يصنعه بنفسه، تاريخ من الأفكار والرموز والأساطير. ومن هنا ظهرت في كل الحضارات الكبرى سرديات تمنح الجماعات شعوراً بالتفوق أو الرسالة. عاش القرطاجيون قروناً على أسطورة أنهم سادة البحر المتوسط، ثم جاء الرومان ليبنوا أسطورة أن المتوسط بحيرة رومانية خالصة. وفي الأزمنة الإسلامية انتشرت حكايات بحر الظلمات التي كانت تمنح العالم المجهول رهبة أسطورية، كما امتلأت كتب الرحالة العرب بقصص المخلوقات العجيبة التي تسكن وراء البحار.

لم تكن هذه الأساطير مجرد خرافات بريئة، بل كانت أدوات نفسية وسياسية تمنح الجماعات الثقة في نفسها وتزرع الرهبة في نفوس خصومها. فالدول لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بما يمكن تسميته أسطورة القوة؛ تلك الصورة الذهنية التي يصدقها الناس في الداخل ويخافها الخصوم في الخارج. ولهذا سعت كل الإمبراطوريات الكبرى إلى صناعة أسطورة خاصة بها: أسطورة التفوق، أسطورة الرسالة، أو أسطورة الخلود التاريخي لكن التاريخ في قاع معناه لا يحترم الأساطير طويلاً. فحين تصطدم الأسطورة بالواقع تبدأ التشققات بالظهور، وتبدأ الجماعات في اكتشاف المسافة المؤلمة بين الخطاب والقدرة الفعلية. ولهذا يمكن قراءة تاريخ البشرية أيضاً بوصفه تاريخ سقوط الأساطير وفي العصر الحديث والمعاصر ظهرت أساطير سياسية جديدة لا تقل قوة عن أساطير العصور القديمة. من أبرزها أسطورة التفوق المطلق للقوة الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدت الولايات المتحدة وكأنها القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها في العالم، وتحدث كثير من المفكرين آنذاك عن “لحظة أحادية القطب” وعن نهاية التاريخ كما ذهب إلى ذلك فرانسيس فوكوياما. غير أن العقود اللاحقة كشفت أن التفوق العسكري الهائل لا يعني القدرة على التحكم في التاريخ. فحروب مثل أفغانستان والعراق أظهرت أن أعظم الجيوش في العالم يمكن أن تجد نفسها عاجزة أمام تعقيدات المجتمعات والصراعات المحلية، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها أن تصنع نظاماً سياسياً مستقراً أو شرعية تاريخية دائمة وفي المقابل نشأت في الشرق الأوسط أسطورة أخرى هي أسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي الذي لا يُهزم. فقد تأسست هذه الصورة بعد حروب القرن العشرين، حيث بدت إسرائيل قادرة على تحقيق انتصارات عسكرية سريعة على جيوش أكبر عدداً. لكن الزمن كشف أيضاً أن القوة العسكرية لا تستطيع أن تحسم صراعاً تاريخياً مع شعب أو مع بيئة إقليمية معقدة. فالتفوق العسكري قد يمنح نصراً في معركة، لكنه لا يمنح بالضرورة حلاً سياسياً دائماً لصراع طويل الجذور.

وعلى الضفة الأخرى من المنطقة ظهرت أسطورة من نوع مختلف: أسطورة الرسالة الدينية السياسية التي تمنح السلطة طابعاً مقدساً. في الحالة الإيرانية تداخلت مفاهيم دينية مثل فكرة ولاية الفقيه مع سردية تاريخية أوسع تتحدث عن دور خاص لإيران في قيادة مشروع مقاومة عالمي، كما تداخلت مع فكرة الخلاص المرتبطة بانتظار المهدي المنتظر. غير أن تحويل الرموز الدينية إلى أدوات للصراع السياسي يضعها دائماً في مواجهة اختبار التاريخ، لأن السياسة بطبيعتها مجال للمصالح والتوازنات لا مجال للحقائق المطلقة. وحين تفشل السياسات لا تتعرض الحكومات وحدها للاهتزاز، بل تتعرض الرموز التي استُخدمت لتبريرها لخطر التسييس والانقسام.

أما الأسطورة الرابعة التي نراها تتداعى أمام أبصارنا اليوم في أتون هذه الحرب المجنونة

فهي أسطورة التنمية السهلة في الدول الريعية النفطية. فقد بدا النفط لفترة طويلة وكأنه مصدر ثروة لا ينضب وقاعدة كافية لبناء الازدهار. غير أن التجربة التاريخية أظهرت أن الثروة الطبيعية وحدها لا تصنع تنمية مستدامة. فالدول التي اعتمدت على الريع دون بناء اقتصاد إنتاجي ومؤسسات قوية وجدت نفسها مع الزمن أمام تحديات عميقة: اقتصاد هش يعتمد على الخارج، ومجتمع استهلاكي أكثر منه منتجاً، ودولة تجد صعوبة في الانتقال إلى مرحلة ما بعد النفط.

القاسم المشترك بين هذه الأساطير المختلفة هو أنها تمنح أصحابها شعوراً مؤقتاً باليقين والقدرة، لكنها تحمل في داخلها بذور هشاشتها. فالأسطورة السياسية تعمل مثل المخدر الرمزي؛ تمنح الجماعة شعوراً بالقوة والاستثنائية لكنها قد تعميها عن رؤية حدودها الواقعية. وحين تأتي لحظة الاختبار التاريخي، تنكشف الفجوة بين الصورة المتخيلة والواقع الفعلي.

وقد حاول علماء الاجتماع تفسير هذه الظاهرة بطرق مختلفة. يرى جان فرانسوا بايار أن الهويات السياسية ليست جوهراً ثابتاً بل استراتيجيات متغيرة تستخدمها الجماعات لتحقيق أهدافها. بينما يرى بندكت أندرسون أن الأمم نفسها ليست كيانات طبيعية بل “جماعات متخيلة” تبنيها اللغة والمؤسسات والذاكرة المشتركة. أما إدوارد سعيد فقد حذر من تحويل الصراعات السياسية إلى صدامات حضارية جوهرية تخفي المصالح الحقيقية خلف خطاب ثقافي أو ديني.

لكن أخطر ما يحدث حين تتكسر الأساطير هو أن بعض الجماعات لا تقبل الاعتراف بذلك، بل تحاول الدفاع عنها عبر مزيد من العنف وهذا هو مبعث الخطر من مقتل آية الله الخميني الذي يعتبرا مقدسا في العقيدة الفارسية فاذا كانت إيران قد جعلت من مقتل الحسين بن علي القرشي العربي في كربلاء محورا لتاريخها ومظلوميتها وأسطورتها الدينية الراسخة فكيف ستفعل بعد اغتيال آية الله بصاروخ إسرائيل؟

غير أن هذه الدوامة من الأساطير والصراعات تصطدم اليوم بحقيقة جديدة لم يعرفها التاريخ من قبل: العالم أصبح شديد الترابط والاندماج. الاقتصاد العالمي مترابط، والتكنولوجيا جعلت الكوكب قرية واحدة، وأي حرب كبرى يمكن أن تتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية تتجاوز حدود الدول وهنا يبرز معيار أخلاقي عميق يمكن أن يهدي الإنسان وسط هذا الضجيج من الخطابات والأساطير، وهو ما ورد في قوله تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾. فالآية تقدم معياراً واضحاً شديد البساطة والعمق في آن واحد. إذ لم يقل النص ما ينفع الله أو ملائكته، بل قال ما ينفع الناس. وهذا التعبير وحده يفتح أفقاً واسعاً للتفكير؛ فالنفع هو ما يسهل حياة البشر ويجعلها أكرم وأيسر وأطيب وأكثر قدرة على الازدهار.

وبهذا المعنى يمكن القول إن أعظم ما أنتجته البشرية نفعاً للناس هو العلم بكل فروعه. فالعلوم الطبيعية والإنسانية والتقنية هي التي صنعت الكهرباء والماء النظيف والطب الحديث والجسور والطرق والطائرات والسفن والاتصالات والإنترنت وكل ما جعل الحياة البشرية أكثر أمناً ويسراً وإمكاناً. وحتى ما خلقه الله في الطبيعة من المطر والعسل والبحار والأسماك هو من جملة هذه المنافع التي تقوم عليها حياة البشر. وهذه الأشياء جميعها تمكث في الأرض لأنها تخدم الناس في حياتهم الواقعية الملموسة أما ما يقوم على الوهم والخرافة واستغلال عقول الناس ومشاعرهم فإنه يشبه ذلك الزبد الذي يعلو الماء لحظة ثم يختفي بلا أثر. فالتاريخ في قاع معناه محكمة صارمة؛ يبقي ما ينفع الناس ويطرد ما سواه. ولهذا تصبح هذه الآية معياراً بالغ الدلالة: ما ينفع الناس وما لا ينفعهم، ما يبقى وما يتلاشى، ما يخدم الحياة وما يثقلها بالأوهام.

وهنا ينبغي التمييز بين مجالين مختلفين. فالإيمان والاعتقاد والعبادات والشعائر هي علاقة فردية خاصة بين الإنسان وربه، وهي شأن ذاتي لا يحق لأحد أن يفرضه على غيره أو يحوله إلى سلطة على الناس. إنها تجارب روحية تخص الفرد وحده، ولا يمكن قياسها أو فرضها بالقوة. أما المجال العام الذي يخص المجتمع كله فهو مجال المنافع المشتركة التي يعيش بها الناس جميعاً: الأمن والتعليم والطب والعلم والعدالة وكرامة الإنسان والتعاون بين الشعوب ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجه السياسة والتاريخ معاً بسيطاً في ظاهره عميقاً في معناه: هل ما نقوم به ينفع الناس أم يضرهم؟ فإذا كان ينفعهم ويفتح لهم أبواب الحياة والمعرفة والكرامة فهو مما يمكث في الأرض. أما إذا كان يولد الحروب والكراهية والدمار ويحول البشر إلى وقود لصراعات لا تنتهي فهو من ذلك الزبد الذي لا يلبث أن يذهب جفاء.

لهذا تبدو الحاجة إلى السلام اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالعالم الذي أصبح شديد التقارب والترابط لم يعد يحتمل أساطير القوة القديمة ولا حروبها العبثية. إن الدفاع عن السلام ليس موقفاً عاطفياً أو مثالياً فحسب، بل هو دفاع عن أعظم ما ينفع الناس: الحياة نفسها. فالحضارة الإنسانية لم تتقدم بالحروب بقدر ما تقدمت بالعلم والتعاون والقدرة على تجاوز العنف.

ويبقى الدرس الذي يقدمه التاريخ واضحاً: كل ما يقوم على الوهم أو الهيمنة أو العنف يذوب مثل الزبد، أما ما يخدم الإنسان ويخفف آلامه ويمنحه فرصة أفضل للحياة فإنه وحده الذي يمكث في الأرض. ولذلك فإن السلام، بما يتيحه من أمن وتعاون وتبادل للمعرفة والمنافع، ليس مجرد غياب للحرب، بل هو الشرط الحقيقي لازدهار الإنسان وكرامته ومستقبله.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

مصدر: قرار سعودي يفجر القلق في شبوة ومأرب.. أثار رعب وهلع الأهالي خشية من انهيار الجبهات

نافذة اليمن | 778 قراءة 

السعودية تعلن الإطاحة بسبعة متهمين… معظمهم من الجنسية اليمنية

نيوز لاين | 542 قراءة 

الإمارات تعلن خبراً ساراً لليمنيين… تفاصيل مبادرة جديدة لدعم المواطنين

نيوز لاين | 485 قراءة 

تركيا تفجر المفاجأة!.. رسالة (سرية حازمة) لإيران قبل فوات الأوان!

موقع الأول | 383 قراءة 

ضربات إيران بدول الخليج أول أيام عيد الفطر

يمن فيوتشر | 367 قراءة 

صدمة! 6 دول تعلن العيد السبت.. والسبب يُدهش الجميع!

المشهد اليمني | 327 قراءة 

عاجل:احمد لملس يقوم بهذا الامر الليلة

كريتر سكاي | 267 قراءة 

الرئيس العليمي يهاتف الرئيسين السابقين للتهنئة بعيد الفطر

البلاد الآن | 214 قراءة 

إصابة المرشد الإيراني (مجتبى) وأمريكا تنفذ (أكبر) ضرباتها وتهديد عربي إسلامي: صبر الخليج ليس بلا حدود!.. (الأول) يرصد الحصاد الدامي لليوم (19) من الحرب الإقليمية

موقع الأول | 207 قراءة 

أخدود يهدد اليمن.. تحذير هام من أمطار شديدة الغزارة بهذه المحافظات

نافذة اليمن | 191 قراءة