عدن توداي/ د. جمال الهاشمي :
لم يعد السؤال المطروح في النقاشات الاستراتيجية المعاصرة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر الشرق الأوسط أم ستبقى فيه وإنما السؤال الأكثر واقعية يتمحور حول كيفية إعادة صياغة حضورها فيه.
إن التاريخ الاستراتيجي للقوى الكبرى يبين بأن أفول النفوذ يكون نتيجة لتحولات عميقة في بنيات القوى الدولية.
لذلك فإن ما يبدو في الظاهر انسحابا أمريكيا من الشرق الأوسط هو في حقيقته عملية إعادة تموضع ضمن نظام دولي يتغير بسرعة ويتجه تدريجيا نحو تعددية قطبية نسبية.
مقالات ذات صلة
اللواء الركن : أحمد عبدالله التركي .. ربّان لحج وحاميها
رجل وطني وقيمة عظيمة وقامة شامخة بكل معاني الوفاء والإخلاص والنقاء والكرامة والإباء.. بقلم /سحر عثمان
ولقد شكل الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أحد الركائز الجيوسياسية الأساسية للهيمنة الأمريكية؛ فالموقع الجغرافي للمنطقة الممتد بين آسيا وأفريقيا وأوروبا يجعلها عقدة استراتيجية لطرق التجارة العالمية بينما تمنحها احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز وزنا اقتصاديا حاسما في استقرار النظام الدولي.
ولهذا السبب كان الوجود الأمريكي في المنطقة ضرورة استراتيجية لضمان تدفق الطاقة وحماية الممرات البحرية الحيوية ومنع القوى المنافسة من السيطرة على هذا المجال الحيوي.
غير أن التحولات التي طرأت على النظام الدولي منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين دفعت المؤسسة الاستراتيجية الأمريكية إلى إعادة تقييم هذا الدور.
فقد أدت الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان إلى استنزاف عسكري واقتصادي هائل دون تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة وهذا أوجد قناعة متزايدة داخل مراكز القرار في واشنطن بأن نموذج التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط لم يعد فعالا في تحقيق المصالح الأمريكية طويلة المدى.
وفي الوقت ذاته ظهرت تحديات دولية جديدة أكثر خطورة على موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي وفي مقدمتها الصعود المتسارع للصين كقوة اقتصادية وعسكرية كبرى وعودة روسيا إلى المسرح الدولي كقوة قادرة على تحدي النفوذ الغربي في عدة مناطق من العالم.
في ضوء هذه التحولات بدأ التفكير الاستراتيجي الأمريكي يتجه نحو إعادة توزيع الأولويات الجيوسياسية بحيث ينتقل مركز الثقل الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ لأن واشنطن تدرك أن التحدي الحقيقي لقيادتها للنظام الدولي يتمثل في صعود الصين. غير أن هذا التحول لا يعني التخلي عن الشرق الأوسط لأن المنطقة ما زالت تحتفظ بأهمية استراتيجية لا يمكن تجاوزها.
فالممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس يمثلون شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي وأي اضطراب فيها قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية كبرى تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي بأسره.
من هنا يمكن فهم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط باعتبارها انتقالا من نموذج الهيمنة المباشرة إلى نموذج الهيمنة منخفضة الكلفة.
ويقوم هذا النموذج على تقليص الانخراط العسكري البري واسع النطاق وتعويضه بشبكة من القواعد العسكرية المتقدمة والقوة البحرية والجوية عالية الحركة إضافة إلى الاعتماد المتزايد على الحلفاء الإقليميين للقيام بجزء أكبر من أعباء الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق أصبحت العلاقة الأمنية مع إسرائيل إحدى الركائز الأساسية للحضور الأمريكي في المنطقة فإسرائيل إضافة إلى كونها حليف سياسي تعد قاعدة استراتيجية متقدمة للتفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي وقادرة على لعب دور الوكيل الاستراتيجي في مواجهة القوى الإقليمية المناوئة وعلى رأسها إيران.
وفي الوقت ذاته تعمل الولايات المتحدة على بناء منظومة تحالفات إقليمية جديدة تضم عددا من الدول العربية الرئيسية بحيث تتحمل هذه الدول جزءاً أكبر من مسؤولية أمن المنطقة ضمن ما يعرف باستراتيجية تقاسم الأعباء.
غير أن هذه المعادلة الاستراتيجية المعقدة تتقاطع مع بنية داخلية شديدة التعقيد في الشرق الأوسط نفسه حيث تتشابك الصراعات السياسية مع الانقسامات الدينية والهوياتية.
فالمنطقة لم تعرف منذ قرون استقرارا سياسيا كاملا وخلال هذه الفترة ظلت ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية كما بقيت البنى الاجتماعية فيها محكومة بتداخل الدين بالسياسة وبالهوية التاريخية.
وقد حاولت القوى الاستعمارية في مراحل مختلفة إدخال نماذج حداثية قومية أو علمانية لتفكيك هذه البنية غير أن هذه المحاولات لم تنجح في إلغاء الطابع العقائدي العميق للمجتمعات الشرق أوسطية وقد أدت في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
هذا التداخل بين العقيدة والسياسة فتح المجال أمام توظيف الدين كأداة تعبئة في الصراعات الداخلية والإقليمية لا سيما مع صعود اليمني الأمريكي وبعض أوروبا إلى السلطة مما أدى إلى خلق صدمات إجتماعية في منطقة الشرق الأوسط والتي تتمثل بالصراع السياسي العقائدي وبروز الهويات والأقليات التي كانت مهمشة خلال الحكم القومي أو الديني ؛ فالصراع داخل الدول غالبا ما يتشكل كمنافسة دينية بين السلطة والمعارضة حول الشرعية السياسية؛ ولتحقيق ذلك تستخدم المعارضة الدين أداة لتعبئة المجتمعات ضد السلطة، بينما تنتج الأنظمة السياسية مفهوم الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب ألتبرير تحالفاتها الدولية لمواجهة المعتقدات السياسية التي كانت لدى بعض النظم جزء من السلطة.
وعلى المستوى الإقليمي اتخذت الصراعات طابعا أكثر تعقيدا إذ تحولت قضايا قومية ودينية مثل القضية الفلسطينية أو الصراع الطائفي إلى أدوات سياسية تخدم مشاريع النفوذ الإقليمي أو بعض الحركات القومية والعقائدبة لمواجهة النظم القائمة أو مواجهة دول منافسة إقليمية.
أما على المستوى الدولي فقد أصبح الشرق الأوسط أحد ميادين التنافس بين القوى الكبرى ؛ فروسيا تسعى إلى تثبيت حضورها العسكري والسياسي في المنطقة بينما تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر شبكات التجارة والاستثمار والبنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
ونتيجة لذلك لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على التحكم في معادلات المنطقة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.
وهو ما دفع نظام ترامب إلى اتخاذ قرار الحرب على إيران محاولا بذلك قطع أي طريق محتمل لروسيا والصين عبرها ألى الشرق الأوسط .
وفي مؤشرات الواقع يبرز دور إيران كأحد أهم المتغيرات في معادلة التوازن الإقليمي ولم تعد مجرد دولة إقليمية وإنما أصبحت مشروعا سياسيا وعقائديا يسعى إلى توسيع نفوذه عبر شبكة من الحلفاء والقوى غير النظامية المنتشرة في عدة دول من الشرق الأوسط وهو ما مكن من حضور روسيا سياسيا واستراتيجيا .
وقد ساهمت طلعات أمريكا والتحالف الدولي العربي على العراق بتحالف وظيفي لإيران مستغلة ما تبقى من آثار حرب الخليج الثانية إلى فتح الباب لتمددها ليس في العراق فحسب وإنما لتتوسع في الشام واليمن والسودان وهو المجال الذي حصرت تركيا بحكم عضويتها في الناتو من التوسع في هذا المجال العربي المفتوح للتجذابات الاقليمية والدولية وداخل العمق الخليجي وقد نجحت إيران بتحالفها مع أمريكا في إدارة ملفات العراق الأمنية لتحقيق ذلك .
وتمكن العقل السياسي الإيراني من تقييم مخاطر الوجود الأمريكي في أفغانستان وهو ما دفعه للتعامل مع الاستراتيجي مع طالبان من منطلق عدو عدوي صديقي رغم محاولاتها الاعتماد على العقيدة في خلق نموذج عسكري في أفغانستان إلا أن قوة طالبان شكل تحديا لخلق هذا النموذج ومن ثم تعاملت معه كنموذج مقاوم للوجود الأمريكي كما كان من قبل في مواجهة السوفيت.
وهذا من مميزات الفكر الحضاري الإيراني من التعامل مع المخالفين في إطار المصالح المشتركة أو التدرج في بناء قاعدة لوجودها سياسيا أو مجتمعيا.
وهنا يتبين أن انخراط أيران في اي تحالف دولي يرسم معالمه من خلال مرجعيتين أساسيتين: العقيدة والحضارة التاريخية بحيث يكون التحالف في إطار تقاسم المصالح .
وقد اعتمدت طهران خلال العقدين الأخيرين استراتيجية تقوم على استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة كأدوات ردع غير متماثلة في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.
إن توجيه إيران لضربات صاروخية أو عبر الطائرات المسيرة نحو بعض دول الخليج لا يمكن فهمه فقط في إطار الصراع الإقليمي المباشر وإنما ينبغي قراءته ضمن منطق استراتيجي أوسع.
فهذه الضربات تحقق عدة أهداف في آن واحد؛ أولها إرسال رسالة ردع إلى الولايات المتحدة مفادها أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها ولكنها ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة تطال منشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
وثانيها الضغط على الدول الخليجية والدول التي تتموضع فيها القواعد الأمريكية لدفعها إلى إعادة تقييم اعتمادها الأمني الكامل على الولايات المتحدة إذ تسعى إيران إلى إظهار أن المظلة الأمنية الأمريكية غير قادرة على توفير حماية كاملة لحلفائها في المنطقة.
أما الهدف الثالث فيتمثل في رفع تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج عبر تحويل المنطقة إلى ساحة توتر دائم.
لكن هذه المعادلة لا تتوقف عند حدود الصراع الإقليمي وإنما تتداخل مع التنافس الدولي بين القوى الكبرى فكل من روسيا والصين تنظران إلى إيران باعتبارها شريكا استراتيجيا يمكن توظيفه ضمن عملية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط؛ فروسيا ترى في التعاون مع إيران وسيلة لتقويض الهيمنة الأمريكية في الإقليم خصوصا في ظل المواجهة المفتوحة بينها وبين الغرب منذ الأزمة الأوكرانية.
أما الصين فتنظر إلى إيران باعتبارها عقدة جغرافية مهمة في مشروع الحزام والطريق إضافة إلى كونها موردا مهما للطاقة وسوقا واعدة للاستثمارات الصينية.
غير أن موسكو وبكين لا تسعيان بالضرورة إلى تحويل إيران إلى قوة مهيمنة في المنطقة لأن ذلك سيكون مهددا لوجودهما في المستقبل انطلاقا من الأسس التي تتخذها إيران والمذكورة آنفا.
لذلك تميلان إلى استخدامها كعامل موازنة يحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض نظام إقليمي أحادي وجعلها خندقا أفغانيا للوجود الأمريكي والهيمنة الأحادية وبذلك تكون إيران عقدة للهيمنة الأمريكية التي يمكن من خلالها إزاحة النفوذ كما تم من قبل إزاحة النفوذ السوفيتي عن الثنائية القطبية بالجهاد الإسلامي المدعوم أمريكيا وعربيا وإسلاميا.
وكلما ازداد التوتر بين إيران والولايات المتحدة ارتفعت تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وهو ما ينسجم مع مصالح روسيا والصين في دفع واشنطن إلى توزيع مواردها العسكرية على عدة جبهات بدلا من تركيزها في مناطق الصراع الاستراتيجي معهما.
وفي ضوء هذه التفاعلات المعقدة يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار سياسة إعادة التموضع دون انسحاب فعلي من المنطقة بحيث تحافظ الولايات المتحدة على شبكة قواعدها العسكرية وقدرتها على التدخل السريع مع تقليص الانخراط المباشر في الصراعات المحلية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تقليص الوجود العسكري الأمريكي بشكل أكبر والانتقال إلى إدارة التوازنات الإقليمية من الخارج عبر التحالفات والردع البحري والجوي. بينما يظل السيناريو الثالث رغم انخفاض احتمالاته قائما في حال وقوع صدمة استراتيجية كبرى مثل اندلاع حرب إقليمية واسعة أو تعرض إمدادات الطاقة العالمية لاضطراب حاد وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تعزيز حضورها العسكري في المنطقة.
ولا يبدو أن الولايات المتحدة بصدد مغادرة الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته لم تعد راغبة في إدارة تفاصيله السياسية والعسكرية كما فعلت خلال العقود الماضية. فالاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقوم على مبدأ إعادة التموضع وليس الانسحاب، وتقليل الكلفة دون التخلي عن النفوذ وإدارة التوازنات من مسافة آمنة ودون السيطرة المباشرة.
وهذه المعادلة تسحب عنها بساط الهيمنة الأحادية تدريجيا دون أن يتبلور بعد نظام عالمي بديل قادر على استبدالها.
وفي ظل هذه المرحلة الانتقالية سيظل الشرق الأوسط بحكم موقعه أحد أهم ميادين اختبار التحولات الكبرى في بنية القوة العالمية.
وفي المقابل ولضمان اكتمال التصور يمكن فهم الدور الذي تلعبه إيران في الشرق الأوسط بوصفه نموذجا مركبا يجمع بين العقيدة السياسية والبراغماتية الاستراتيجية.
فالجمهورية الإيرانية منذ قيامها لم تقدم نفسها للعالم كدولة قومية تسعى إلى حماية حدودها ومصالحها وإنما اوجدت الثورة الخمينية مشروعا أيديولوجيا عالميا يتجاوز الجغرافيا السياسية التقليدية ويطرح تصورا خاصا لدور الدين في تشكيل النظام الإقليمي ودور الحضارة والفكر والتاريخ في تشكيل العالم الإنساني .
هذا التصور منح إيران قدرة خاصة على تحويل الصراع السياسي إلى صراع رمزي ذي أبعاد عقدية؛ الأمر الذي مكنها من بناء شبكة نفوذ تتجاوز حدودها الجغرافية وتعتمد على الروابط الأيديولوجية بقدر اعتمادها على التحالفات السياسية التقليدية.
فالعقيدة هنا تشكل إطارا سياسيا يمنح الشرعية لحضور إقليمي واسع وبفضل هذه البنية استطاعت إيران تطوير نموذج خاص من النفوذ يعتمد على شبكة معقدة من الفاعلين غير الحكوميين والقوى المحلية المتحالفة معها في عدة دول من الشرق الأوسط.
هذا النموذج يتيح لها إدارة صراع طويل الأمد مع الولايات المتحدة دون الدخول في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة وهو ما يتوافق مع منطق الحرب غير المتماثلة التي تعتمد على توزيع الصراع على عدة ساحات جغرافية بدلا من تركيزه في جبهة واحدة.
في المقابل تدرك الولايات المتحدة أن إيران رغم قدراتها العسكرية المتنامية لا تمثل تهديدا تقليديا يمكن مقارنته بالقوى الكبرى مثل الصين أو روسيا لكنها تمثل تحديا مختلفا يتمثل في قدرتها على زعزعة التوازن الإقليمي ورفع تكلفة الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب ظل الصراع بين الطرفين محكوما بنمط خاص من التوازن يقوم على الردع المتبادل دون الانزلاق إلى حرب شاملة بينما تسعى إسرائيل ألى تحقيق أهدافها ولو اتسع نطاق الحرب إقليميا ودوليا لأنها ترى في إدارة ترامب فرصتها الذهبية .
ومن ثم فإن واشنطن قادرة على توجيه ضربات عسكرية مؤلمة لإيران لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى اضطراب شامل في المنطقة يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية ويخلق أزمات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
في هذا المسار يمكن فهم استخدام إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة كجزء من استراتيجية ردع غير تقليدية.
فهذه الأدوات لا تهدف فقط إلى تحقيق تفوق عسكري مباشر وإنما إلى إرسال رسائل سياسية واستراتيجية مفادها أن أي حرب ضد إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها وإنما ستتحول إلى صراع إقليمي واسع يمتد إلى الممرات البحرية الحيوية ومنشآت الطاقة في الخليج.
إن هذه الرسائل تستهدف في جوهرها إقناع الخصوم بأن تكلفة المواجهة ستكون أعلى بكثير من المكاسب المحتملة وهو ما يندرج ضمن مفهوم الردع غير المتماثل الذي تعتمد عليه الدول التي تواجه خصوما أقوى منها عسكريا.
غير أن الدور الإيراني لا يمكن تحليله بمعزل عن السياق الدولي الأوسع لأن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراع إقليمي فحسب وإنما أصبح جزءا من المنافسة بين القوى الكبرى على تشكيل النظام الدولي.
فروسيا التي استعادت حضورها العسكري في المنطقة بعد تدخلها في سوريا عام 2015 تسعى إلى تقويض الهيمنة الغربية وإثبات قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية.
أما الصين فتتبنى مقاربة مختلفة تعتمد على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر الاستثمارات والتجارة والبنية التحتية المرتبطة بمبادرة الطريق والحزام .
وفي هذه الرؤية تنظر كل من موسكو وبكين إلى إيران باعتبارها شريكا استراتيجيا يمكن أن يسهم في إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة دون أن تضطر هاتان القوتان إلى الانخراط العسكري المباشر في الصراعات الإقليمية.
هذا التقاطع في المصالح لا يعني بالضرورة وجود تحالف كامل بين إيران وكل من روسيا والصين لكنه يعكس تلاقي مصالح مؤقت يقوم على تقليص قدرة الولايات المتحدة على التحكم منفردة في النظام الإقليمي للشرق الأوسط.
فكلما ازداد التوتر بين إيران وواشنطن ارتفعت تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وهو ما يتوافق مع مصلحة القوى المنافسة التي تسعى إلى دفع الولايات المتحدة لتوزيع مواردها العسكرية على عدة مواقع استراتيجية بدلا من تركيزها على مواجهة القوى الكبرى الصاعدة.
ومن ناحية أخرى يمثل العامل الاقتصادي وخاصة أسعار الطاقة متغيرا مهما في هذه المعادلة. فالشرق الأوسط ما زال يحتفظ بدور محوري في سوق النفط العالمي وأي توتر عسكري واسع في المنطقة ينعكس فورا على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية.
منها ان ارتفاع الأسعار قد يحقق لبعض الدول المنتجة مكاسب مالية على المدى القصير لكنه في الوقت نفسه يشكل ضغطا اقتصاديا وسياسيا على الحكومات الغربية بسبب تأثيره المباشر على التضخم وكلفة المعيشة.
ولذلك فإن استمرار التوترات العسكرية في الخليج قد يتحول إلى عامل سياسي مؤثر في الداخل الأمريكي خاصة عندما تتزامن هذه التوترات مع فترات انتخابية أو مع وعود سياسية ترتبط بتحسين الوضع الاقتصادي.
وعلى أساس هذ المبنى الفكري الواضح يصبح الصراع مع إيران جزءا من المعادلة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فالإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الحفاظ على صورة القوة القادرة على ردع الخصوم وبين تجنب الانجرار إلى حرب واسعة قد تكون مكلفة سياسيا واقتصاديا.
و هذا التوازن الدقيق يزداد تعقيدا عندما ترتفع أسعار النفط أو تتعرض الممرات البحرية الحيوية لتهديدات أمنية لأن مثل هذه التطورات قد تؤثر في ثقة الرأي العام بالسياسات الاقتصادية للحكومة.
أما بالنسبة لإيران نفسها فإن استمرار الصراع مع الولايات المتحدة يمنح النظام الإيراني شرعية سياسية داخلية تقوم على خطاب المقاومة والاستقلال عن الهيمنة الخارجية.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت ذاته مخاطر اقتصادية كبيرة بسبب العقوبات الدولية والضغوط المالية التي تواجهها البلاد منذ سنوات ولهذا السبب تميل السياسة الإيرانية في كثير من الأحيان إلى اعتماد نموذج التصعيد المحدود الذي يسمح لها بإظهار قدرتها على المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرارها الداخلي.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن مصلحة إيران الاستراتيجية لا تكمن في الدخول في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإنما في الحفاظ على مستوى من التوتر يسمح لها بتثبيت حضورها الإقليمي وتعزيز خطابها العقائدي دون تعريض بنيتها الاقتصادية والعسكرية لخطر الانهيار.
وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة هذا التوتر بطريقة تمنع تحوله إلى صراع واسع مع الحفاظ على قدرتها على الردع والتدخل عند الضرورة لحماية مصالحها الحيوية في المنطقة.
هذه المعادلة المعقدة تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها النظام الدولي في الوقت الراهن. فالعالم لم يعد محكوما بهيمنة أحادية واضحة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة لكنه لم يتحول أيضا إلى نظام متعدد الأقطاب .
وفي ظل هذا الوضع تصبح مناطق مثل الشرق الأوسط مراكز رئيسية لتفاعل القوى الإقليمية والدولية واختبار قدرتها على إعادة تشكيل توازنات القوة العالمية.
إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بما يحمله من أبعاد عقائدية واستراتيجية واقتصادية يمثل نموذجا مصغرا لهذه التحولات الكبرى.
فهو ليس مجرد نزاع بين دولتين، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تعريف موازين القوة في النظام الدولي.
ولذلك فإن مستقبله لن يتحدد فقط بقرارات طهران أو واشنطن بل أيضا بالمسار الذي ستسلكه المنافسة العالمية بين القوى الكبرى خلال العقود القادمة في مواجهة ما تعتبره الهيمنة الغربية وفرت لإيران أداة تعبئة سياسية عابرة للحدود. فالعقيدة هنا لا تعمل بوصفها خطابا دينيا فحسب بل إطارا سياسيا يمنح الشرعية لحضور إقليمي واسع.
وبفضل هذه البنية استطاعت إيران تطوير نموذج خاص من النفوذ يعتمد على شبكة معقدة من الفاعلين غير الحكوميين والقوى المحلية المتحالفة معها في عدة دول من الشرق الأوسط وهذا النموذج يتيح لها إدارة صراع طويل الأمد مع الولايات المتحدة دون الدخول في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة وهو ما يتوافق مع منطق الحرب غير المتماثلة التي تعتمد على توزيع الصراع على عدة ساحات جغرافية بدلا من تركيزه في جبهة واحدة.
غير أن المشروع العربي كالعادة لم يتحول إلى بنية حضارية أو فكرية أو جهوية لا سيما وأن القوى الأوربية إلى جانب القوى الدولية دخلت العالم العربي والشرق الأوسط لخلق نفوذ جديد عبر وجودها العسكري في مياه الشرق الأوسط منافسة بذلك تركيا وإيران وإسرائيل وهو ما يجعلنا أمام وكلاء جدد عبر إقليمي أو من خلال قواعد عسكرية جديدة ضمن تحالفات قطرية .
باحث في المعهد الفرنسي للدراسات والبحوث وشؤون الأوسط
تحرير المقال
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news