في خطوة وصفت بأنها الأسوأ في تاريخ إيران المعاصر، تورطت السلطات في طهران باختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للبلاد، خلفاً لوالده آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في الهجوم الأخير الذي تبنته كل من أمريكا وإسرائيل، والذي أسفر أيضاً عن مقتل والدته وزوجته.
ويأتي هذا الاختيار المثير للجدل في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً غير مسبوق، ليطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام في إيران، ومدى قبول الداخل والخارج لشخصية تفتقر إلى أبسط مقومات الخبرة السياسية، في بلد قامت ثورته أساساً على رفض مبدأ التوريث الذي مثله نظام الشاه.
من هو المرشد الجديد؟
مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، يتبنى نهج والده المتشدد، وتعتبره الولايات المتحدة أكثر راديكالية وتشددا منه. يمتلك علاقات وثيقة بالحرس الثوري الإيراني، وقد فرضت واشنطن عليه عقوبات عام 2019، بسبب دوره في تنسيق السياسات والتأثير في الملفات الكبرى من خلف الستار، رغم عدم توليه أي منصب رسمي طوال حياته.
التمهيد للتوريث.. تغيير تركيبة مجلس الخبراء
كشف عدد من المحللين السياسيين أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي كان قد مهد لاختيار نجله منذ وقت مبكر، عبر تغيير المعارضين لسياسة التوريث في المجلس المخصص لاختيار مرشد إيران، والمكون من 85 شخصاً. فقد تم تغيير أكثر من 80% من أعضائه لآخرين موالين لمجتبى خامنئي، خاصة في أعقاب مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في تفجير طائرته بشكل غامض، وسط اتهامات لجناح خامنئي المتطرف بالوقوف وراء العملية، مما مهد الطريق لاختيار الجناح المتشدد لمجتبى.
تحديات داخلية وخارجية
يشكل اختيار مجتبى خامنئي تحدياً كبيراً لإيران، نظراً لتطرفه الشديد وقلة خبرته السياسية التي تجعله غير مؤهل لإدارة دولة تعاني من أزمات متراكمة. وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد صرح قبل أيام بأن مجتبى شخص "مرفوض" بالنسبة له، مما يعني - وفق مراقبين - توسع العمليات العسكرية واستهداف المنشآت الإيرانية، واستمرار الحرب التي قد تتسع رقعتها نتيجة استهداف إيران المتطرفة لدول الجوار، والتي لم تسمح باستخدام أراضيها أو بحارها أو أجوائها ضد إيران.
ماذا يعني اختيار مجتبى خامنئي خلفاً لأبيه؟
إذا استقر الأمر لصالح مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، فالأرجح أن القرار لن يُستقبل بوصفه انتقالاً عادياً للسلطة. فمجرد وصول نجل القائد إلى هذا الموقع يعيد طرح أسئلة قديمة عن طبيعة النظام نفسه، لأن إيران قامت أصلاً في مواجهة الحكم الوراثي الذي مثله نظام الشاه.
قد ترى مؤسسات الدولة في هذا الخيار ضماناً لاستمرار النظام، خاصة أنه تم عبر مجلس خبراء القيادة ووفق المسار الدستوري المعتمد. ومع ذلك، فمن المرجح أن تبقى مسألة القرابة حاضرة في النقاش، لأن القانون وحده قد لا يكفي لحسم ما يثيره انتقال المنصب من الأب إلى الابن من أسئلة سياسية ورمزية.
وفي مدينتي قم والنجف، قد لا ينحصر النقاش في الجانب القانوني، وقد يتجه أكثر إلى سؤال المكانة الفقهية والوزن العلمي. وهذا باب تعرفه التجربة الإيرانية نفسها؛ فعندما اختير علي خامنئي خلفاً للخميني عام 1989، دار جدل حاد ومعلن لأنه لم يكن يومها مرجع تقليد كما كان الدستور يشترط، ثم استقر الأمر بعد تعديل الدستور وإلغاء هذا الشرط. وبقي اسم حسين علي منتظري حاضرا في المقارنة، لأنه كان الخليفة المعين للخميني قبل أن يُقصى بعد خلافات حادة مع القيادة.
لهذا، فإن اختيار مجتبى خامنئي قد يثير نقاشاً وجدلاً وخلافاً لاحقاً لن يتوقف عند شخصه، وإنما سيمتد إلى دلالات الانتقال نفسه: هل نحن أمام قرار تحكمه المؤسسات فعلاً، أم أمام واقع يدفع النظام في إيران أكثر إلى مربع التشكيك في شرعيته وفي مبررات بقائه؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news