الشيخ عباس النهاري.. رحلة عالم من كتاتيب الجعاشن إلى قاعات البرلمان (2)

     
الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 45 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الشيخ عباس النهاري.. رحلة عالم من كتاتيب الجعاشن إلى قاعات البرلمان (2)

  

في الحلقة الثانية من مقابلة الشيخ عباس النهاري، عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح وعضو كتلته البرلمانية، على قناة "اليمن" الفضائية، تحدث الشيخ النهاري عن قضايا فكرية وسياسية متعددة.

تطرق الشيخ عباس النهاري إلى موقع الشريعة الإسلامية في التشريع، وتجربة تقنين أحكامها في البرلمان اليمني، كما تطرق إلى القضايا السياسية والاجتماعية مثل دور الأحزاب السياسية، ومسألة الهاشمية في اليمن وفي الإصلاح، والخلافات الدعوية، ومستقبل العمل السياسي في اليمن.

واستعرض الشيخ النهاري خلاصة تجربته الشخصية في العمل الدعوي والسياسي، موجّهًا رسالة لليمنيين بضرورة توحيد الصف وتغليب المصلحة العامة، مؤكدا أن الحل لن يأتي لليمنيين من الخارج وإنما من أنفسهم.

التشريع بين الدين والسياسة

يرى الشيخ عباس النهاري أن مسألة اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع تنطلق من قاعدة قرآنية أساسية، مستشهدًا بقوله تعالى: "ألا له الخلق والأمر". ويشير إلى أن الآية تفيد الحصر والقصر، إذ قُدِّم الخبر على المبتدأ لحصر الأمر كله لله سبحانه وتعالى.

ويضيف أن من خلق الإنسان هو الأعلم بمصلحته والأرحم به والأقدر على تدبير شؤونه، ولذلك فإن الاعتراف بأن الخلق لله دون الإقرار بحقه في التشريع وتنظيم حياة البشر يوقع الإنسان في تناقض فكري وصراع داخلي.

وفي المقابل، ينتقد النهاري الفهم الذي يعتقد أن القول بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع يعني التضييق على الناس في حياتهم، معتبرًا أن هذا تصور قاصر. فالشريعة، لا تقتصر على الأوامر والنواهي والحلال والحرام فحسب، بل تتضمن كذلك مساحة واسعة سماها بعض العلماء "منطقة العقل"، وهي مساحة الإباحة الواسعة.

ويؤكد الشيخ عباس النهاري أن الأصل في الأشياء هو الإباحة لا التحريم، والأصل براءة الذمة لا التكليف إلا بما ورد فيه نص.

ويشبّه النهاري سعة الشريعة الإسلامية بسعة اللغة العربية، موضحًا أن البعض حارب اللغة العربية بحجة أنها لا تستوعب المخترعات والتطورات الحديثة، غير أن الواقع أثبت قدرتها على استيعاب ذلك كله، مؤكدا أن الشريعة الإسلامية تمتلك المرونة ذاتها، فهي قد تتشدد في قضايا العقيدة والمحرمات، لكنها تفتح المجال واسعًا في شؤون الحياة.

تنظيم شؤون الحياة المعاصرة

ولتوضيح مرونة الشريعة، يستذكر النهاري واقعة حدثت في مجلس النواب أثناء مناقشة قانون المرور، حين رفع الشيخ محمد الصادق يده للتعليق، فخاطبه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر مازحًا قائلاً إن قانون المرور لا يحتاج إلى رأي شرعي.

لكن الشيخ الصادق رد بأن في الإسلام قاعدة أساسية يمكن تطبيقها في هذا المجال، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، موضحًا أن هذه القاعدة يمكن أن تضبط حقوق السائقين والمشاة وتنظم استخدام الطريق.

ويرى النهاري أن هذا المثال يوضح كيف أن القواعد الكلية في الإسلام يمكن أن تمتد لتنظيم مختلف جوانب الحياة.

تجربة تقنين أحكام الشريعة في البرلمان

تحدث النهاري عن تجربة لجنة تقنين أحكام الشريعة في البرلمان اليمني، مشيرًا إلى أن الفضل في نجاحها يعود أولاً إلى الله، ثم إلى القاضي عبد الكريم العرشي، الذي وصفه بأنه كان سياسيًا وعالمًا من "الوزن الثقيل".

يقول الشيخ عباس النهاري إن العرشي سعى إلى معالجة حالة الصراع القائمة آنذاك من خلال جمع العلماء والتأكيد على أن الشريعة الإسلامية واسعة وتتسع لمختلف الآراء الفقهية، وأن المطلوب في اليمن هو الأخذ بالرأي الراجح من مختلف المذاهب، بما في ذلك المذهب الزيدي، وهكذا جرى العمل على تقنين الأحكام الشرعية بما يتناسب مع الواقع اليمني.

ويشير النهاري إلى أن آلية العمل في اللجنة لم تقتصر على الرأي الشرعي، بل كانت تقوم على الاستعانة بالمتخصصين في المجالات المختلفة. فعند مناقشة قضايا مثل المرور أو قانون البحار أو زواج الصغيرات، كان يتم استدعاء المختصين للاستماع إلى آرائهم قبل صياغة الأحكام.

ويضرب مثالًا بمناقشة مسألة الديات الناتجة عن حوادث المرور، حيث تم استدعاء مسؤولي المرور لشرح طبيعة الحوادث وتصنيفها، من حيث العمد وغير العمد، حتى يمكن تحديد الديات بشكل أكثر دقة. ويشير إلى أن الديات كانت في السابق بسيطة قبل أن يتم رفعها بناءً على دراسة الواقع.

كما تم الاستماع إلى الأطباء ووزارة الصحة في القضايا المرتبطة بزواج القاصرات، وهو ما يعكس منهجًا يقوم على الجمع بين الرأي الشرعي والمعرفة التخصصية، وفقا للشيخ النهاري.

اهتمام بالتجربة التشريعية اليمنية

ويذكر الشيخ النهاري أن وفدًا من مجلس النواب كان أحد أعضائه، زار ماليزيا وإندونيسيا، حيث عرض القوانين التي أصدرها مجلسا النواب والشورى في اليمن، وقد طلب المختصون هناك نسخًا من هذه القوانين، معبرين عن إعجابهم بها.

وبحسب النهاري، اعتبر بعض المسؤولين في تلك الدول هذه التجربة إنجازًا يمنيًا من بلد الإيمان والحكمة، لأنها استطاعت الجمع بين التقنين القانوني الحديث وسعة الشريعة الإسلامية.

الخلافات السياسية

ولم تخلُ هذه القضايا من جدل داخل البرلمان، إذ يشير النهاري إلى حدوث خلافات بين القوى السياسية، خاصة في موضوع زواج القاصرات.

ويرى أن بعض المنظمات الدولية مارست ضغوطًا في هذا الملف أكثر مما تقتضيه الحاجة الواقعية، إذ كانت بعض الحالات الفردية تُعمَّم على المجتمع اليمني بأكمله.

ويؤكد أن معالجة مثل هذه القضايا ينبغي أن تقوم على الدراسة العلمية والاستماع إلى المختصين، مع النظر في الأضرار والجوانب المختلفة، للوصول إلى تصور متوازن لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

الإصلاح والاتهامات السياسية

وعند الحديث عن الاتهامات التي توجه إلى التجمع اليمني للإصلاح بشأن الاستحواذ على المناصب، يوضح النهاري أن الحياة الحزبية في اليمن الشمالي كانت محرمة في فترة سابقة، خصوصًا في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني.

وفي عام 1982 تأسس المؤتمر الشعبي العام، ثم جاءت مرحلة التعددية السياسية التي شهدت تأسيس عدد من الأحزاب، من بينها التجمع اليمني للإصلاح.

ويشير إلى أن الإصلاح لم يسمِّ نفسه حزبًا بل تجمعًا، في إشارة إلى أنه لا يحتكر الحقيقة، بل يسعى للإصلاح بقدر المستطاع، مستلهمًا قوله تعالى على لسان نبي الله شعيب: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله".

ويقر النهاري بأن الإصلاح ليس معصومًا من الخطأ، لكنه يرى أن الصواب فيه أكثر من الخطأ، كما يؤكد أن الحزب ينطلق من ثوابت أساسية هي الوحدة والجمهورية والدستور والقانون والعمل في إطار الدولة.

أما الاتهامات المتعلقة بالاستحواذ على المناصب، فيقول إنه مبالغ فيها، موضحًا أن الحكومة السابقة لم يكن فيها سوى أربعة وزراء من الإصلاح، كما أن كثيرًا من المحافظين ومديري العموم ينتمون إلى جهات أخرى، مستدركا: "صحيح يتواجد الإصلاح ولكن بنسب قليلة".

ويختتم هذا الأمر بقول الشاعر: "والدعاوى إن لم تقيموا عليها بيناتٍ.. أبناؤها أدعياء".

الهاشمية في اليمن

وفيما يتعلق بمسألة الهاشمية في اليمن، يؤكد النهاري أن الميزان الحقيقي في الإسلام هو التقوى، مستشهدًا بقوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

ويرى في هذا الصدد أن الله خلق الناس شعوبًا وقبائل لا ليتفاخروا أو يتصارعوا، بل ليتعارفوا ويتعاونوا؛ لكنه يشير إلى أن بعض الناس انحرفوا إلى نزعة الاستعلاء، وهي -بحسب وصفه- نزعة شيطانية شعارها قول إبليس: "أنا خير منه".

ويستحضر في هذا السياق ما ورد في كتاب "سبل السلام في شرح بلوغ المرام" لابن الأمير الصنعاني، عند الحديث عن الكفاءة في الزواج، حيث انتقد اشتراط أن تتزوج المرأة الهاشمية من هاشمي فقط، معتبرًا أن هذا المبدأ حرم كثيرًا من النساء من الزواج.

وقال الشيخ عباس النهاري: حين تكلم ابن الأمير الصنعاني عن الكفاءة عند من يقول إنه لا تتزوج العلوية الفاطمية إلا علويا فاطميا، فتكلم في هذا الأمر وفي ختام كلامه قال: "ويا الله كم حرمت الهاشميات من الزواج من هذا المبدأ المخالف لشرع الله". ثم قال: "اللهم إنا نبرؤ إليك من شرط ولّده الهوى، ورباه الكبرياء".

ويشير النهاري إلى أن الأصل أن الله خلق الناس كلهم ليتعارفوا لا ليعلوا بعضهم على بعض، هذا جانب، مؤكدا أن الله لا يحاسب الإنسان على نسبه وإنما على إيمانه وأعماله، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لقريش: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئًا".

الهاشميون والإصلاح

ويرى النهاري أن العصبية مرفوضة من أي جانب، سواء كانت في ادعاء التفوق بالنسب أو في إنكار الانتماءات الاجتماعية.

ويؤكد النهاري أن الإسلام يقوم على العدل والوسطية، وأن القاعدة الشرعية الواضحة هي: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".

وحول ما يثار عن هيمنة الهاشميين داخل التجمع اليمني للإصلاح، ينفي النهاري ذلك، مؤكدًا أن وجود أفراد من هذه الفئة داخل الحزب أمر طبيعي مثل وجود غيرهم من مختلف الفئات.

ويضيف أنه شخصيًا لا يتذكر مسألة النسب إلا عندما يذكّره بها الآخرون، مؤكدًا أن الحديث عن سيطرة فئة معينة داخل الحزب غير صحيح.

ميثاق العمل الدعوي

وتطرق الشيخ عباس النهاري إلى الخلافات بين بعض الجماعات الدعوية، مشيرًا إلى أن الاختلاف أمر طبيعي بين العلماء، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى صراع أو عنف.

وأوضح أنه بعد النزوح ومغادرة كثير من الدعاة اليمنيين عقب الانقلاب الحوثي، جرى العمل بدعم من وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية على تأسيس برنامج "تواصل مع علماء اليمن"، حيث وُقِّع ميثاق العمل الدعوي بين عدد كبير من العلماء والدعاة.

ويهدف هذا الميثاق إلى تنظيم العمل الدعوي ووضع قواعد تضبط العلاقة بين المكونات المختلفة، مؤكدا في هذا الصدد أن البرنامج نجح إلى حد كبير على مستوى القيادات، بينما لا يزال العمل جاريًا لنقل هذه التجربة إلى القواعد في مختلف المناطق.

وأعرب النهاري في هذا السياق عن شكره وتقديره للمملكة العربية السعودية لما تقدمه من دعم لليمنيين، مشيرًا إلى استضافة المملكة لأكثر من ثلاثة ملايين مغترب يمني يعولون ملايين الأسر داخل اليمن، ووصف هذه الجهود بأنها محل تقدير كبير من الشعب اليمني.

مجلس النواب بعد الحرب

وحول وضع مجلس النواب اليمني بعد الانقلاب الحوثي، أشار النهاري إلى أن المجلس ظل يعمل بشكل متوافق خلال المرحلة الانتقالية بعد 2011 وفقًا للمبادرة الخليجية، التي اعتمدت مبدأ التوافق بدلًا من الأغلبية.

لكن الأحداث التي أعقبت الانقلاب الحوثي على الشرعية أثرت بشكل كبير على عمل المجلس، خاصة بعد خروج كثير من أعضائه إلى الخارج.

مراجعات تجربته العلمية والسياسية

وفي خلاصة تجربته العلمية والدعوية، يقول الشيخ عباس النهاري إن الإنسان في بداية طلب العلم يكون لديه حماس وغيرة كبيرة، لكن حصيلته العلمية تكون محدودة، مما قد يؤدي إلى بعض الأخطاء في المواقف.

ومع مرور الوقت واكتساب الخبرة، يدرك الإنسان كثيرًا من الأخطاء التي وقع فيها سابقًا، ويصبح أكثر ميلًا إلى الحكمة والرحمة في التعامل مع الناس.

ويستشهد بقول مأثور: "لا حكيم إلا ذو تجربة، ولا حليم إلا ذو عثرة"، كما يستحضر قول الإمام الشافعي: "كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي".

وفي خلاصة تجربته السياسية، يؤكد النهاري أن على القوى السياسية تغليب الوفاق على الخصام، والعمل من أجل مصلحة الشعب اليمني والخروج به من محنته.

ودعا في هذا السياق إلى الاستفادة من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها محاولة جامعة للتوافق الوطني، مؤكدا أن اليمنيين جميعًا في سفينة واحدة، وأن استمرار الخصام سيؤدي إلى إغراقها.

واختتم الشيخ عباس النهاري حديثه برسالة إلى مختلف القوى السياسية والدعوية وإلى الشعب اليمني عمومًا، داعيًا الجميع إلى تقوى الله والعمل على تضميد الجراح وتوحيد الصف الوطني.

وقال إن حل مشكلات اليمن لن يأتي من الخارج، بل من أبنائه أنفسهم، مستشهدًا بقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

 

الشيخ عباس النهاري.. رحلة عالم من كتاتيب الجعاشن إلى قاعات البرلمان (2)

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

انفجارات تهز طهران في أعنف يوم من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

حشد نت | 860 قراءة 

هجوم بري وجوي عنيف على مواقع ‘‘قوات الواجب’’ في صعدة

المشهد اليمني | 732 قراءة 

بس سخريته من القصف الإيراني على الامارات .. السعودية تقبض على مقيم يمني .. تفاصيل

موقع الأول | 522 قراءة 

ترتيبات لعودة رئيس مجلس القيادة إلى هذه المحافظة

المشهد اليمني | 321 قراءة 

وأخيرًا.. مليشيا الحوثي تحسم الجدل وتحدد موعد تدخلها لإسناد إيران وتكشف أسباب تأخرها حتى الآن

المشهد اليمني | 318 قراءة 

أمريكا تفاجئ إيران بأقوى أسلحتها: أول استخدام قتالي لسلاح هيليوس السري

بوابتي | 303 قراءة 

باحث في الشؤون العسكرية: حدث مفصلي سيجبر ‘‘الحوثي’’ على التدخل في الحرب الإيرانية.. وهذا هو مالك القرار

المشهد اليمني | 287 قراءة 

تحليق مكثف لطائرات استطلاع مجهولة فجر اليوم

كريتر سكاي | 271 قراءة 

إصابة مقيمين يمنيين جراء الاعتداءات الإيرانية على دولة الإمارات

حشد نت | 243 قراءة 

عاجل : الصبيحي وعدد من القيادات العسكرية والحكومية يغادرون عدن متجهين إلى الرياض

عدن الغد | 221 قراءة