إيران تحلم باستعادة الإمبراطورية الفارسية التي هزمها وأنهى عصرها الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإسرائيل تسعى لتشكيل ما تسميه بدولة “إسرائيل الكبرى”. وكلى المشروعين، على اختلاف شعاراتهما ووسائلهما، يتمحوران في نهاية المطاف حول الجغرافيا العربية، وتحديداً حول الجزيرة العربية التي تمثل قلب العالم الإسلامي ومركز ثقله الديني والتاريخي.
غير أن الاختلاف الجوهري بين المشروعين يكمن في طبيعة العداء وطريقة ظهوره. فالموقف الإسرائيلي الصهيوني واضح وصريح، لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل. عداؤه للعرب والمسلمين معلن، وتجربته مع المنطقة قائمة على الاحتلال والصراع المباشر منذ عقود طويلة. ولهذا فإن الموقف منه مفهوم لدى الشعوب العربية والإسلامية، وعداوته راسخة في الوعي العام نتيجة تاريخ طويل من المواجهة والصراع.
أما المشروع الفارسي فصورته أكثر تعقيداً وأخبث تكوين، فهو لا يتحرك دائماً بوجهه الصريح، بل يتقدم تحت لافتة الإسلام، بينما الإسلام في حقيقته بريء منه. ومنذ قرون وصولاً إلى المرحلة المعاصرة، عملت بقايا الامبراطورية الفارسية البائدة على إيجاد أدوات نفوذ داخل المجتمعات العربية، مستندة إلى خطاب ديني مسيس يمزج بين فكرة الولاء الديني لآل بيت النبي في مذهبهم الشيعي البعيد عن الإسلام ومتطلباته، وبين مشروع سياسي يسعى إلى توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن خلال هذا الخطاب جرى بناء شبكة واسعة من الأدوات: تنظيمات مسلحة، وكيانات سياسية، ومنابر إعلامية، وحركات عقائدية متطرفة تدين بالولاء السياسي لطهران.. ومع مرور الوقت لم تعد هذه الأدوات مجرد وسائل تأثير، بل تحولت في بعض البلدان إلى قوى حقيقية داخل الدولة والمجتمع.
لم يتوقف الأمر عند حدود التمدد السياسي أو العسكري، بل امتد إلى تغذية الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية نفسها. فقد أعيد إحياء صراعات تاريخية قديمة، وأُعيد ضخها في الواقع المعاصر عبر خطاب تعبوي دائم، ما أدى إلى تحويل بعض المجتمعات إلى ساحات صراع داخلي مفتوح. وهكذا أصبح المجتمع الواحد منقسماً على ذاته، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً تحت ضغط الانقسامات والميليشيات.
مقالات ذات صلة
ثنائيات الفضول وإيوب طارش
عدن الجريحة واستمرار القتل..
وهنا تظهر طبيعة الخطر في هذا المشروع. فإسرائيل، رغم عدائها الواضح، تبقى مشروعاً خارجياً يمكن تحديده ومواجهته. أما المشروع الإيراني فيعمل غالباً من داخل المجتمعات نفسها، مستفيداً من الانقسامات المذهبية التي مولها بل وأطنعها عبر ادواته، ومن حالة الضعف السياسي التي تعيشها بعض الدول.
ولهذا فإن نتائجه في عدة دول عربية كانت متشابهة إلى حد كبير: ضعف الدولة المركزية، انتشار الميليشيات، تعمق الانقسامات المذهبية، وتراجع الشعور بالهوية الوطنية الجامعة. ومع كل مرحلة جديدة من الصراع تصبح عملية استعادة التوازن والاستقرار أكثر صعوبة.
من هنا يصبح من الضروري النظر إلى المسألة بوضوح. فالمقارنة بين المشروعين لا تعني التقليل من خطر أحدهما، لكنها تكشف اختلاف طبيعة التهديد الذي يمثله كل مشروع. فالمشروع الذي يهاجم من الخارج يمكن مقاومته بوضوح، أما المشروع الذي يتسلل إلى الداخل ويعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، فإنه يمثل خطراً مضاعفاً لأنه يضرب أساس التماسك الاجتماعي نفسه.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية اليوم لا يقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى حماية بنية المجتمع من التفكك الداخلي. فالمجتمع الذي يتم تفتيته من الداخل يفقد قدرته على مواجهة أي خطر خارجي، مهما كان حجمه.
إن الحفاظ على تماسك المجتمعات العربية واستقرار دولها يبدأ بإدراك طبيعة هذا الخطر، والعمل على تحصين المجتمعات من الخطابات الطائفية والمشاريع العابرة للحدود التي تسعى إلى تحويل الدول إلى ساحات نفوذ.
فالدول يمكن أن تتعافى من الحروب، لكن المجتمعات التي تتآكل من الداخل بفعل الانقسام والكراهية تحتاج زمناً أطول بكثير لتستعيد توازنها. ولهذا فإن مواجهة المشروع الذي يقوم على تفتيت المجتمعات يجب أن تكون أولوية، لأنه ببساطة المشروع الذي إذا نجح، فلن يترك مجتمعاً متماسكاً قادراً على مواجهة أي مشروع آخر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news