يرى خبراء أن الحرب الدائرة مع إيران قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتؤثر في حسابات القوى الكبرى عالميا، إذ تفرض المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها وطهران تحديات استراتيجية جديدة أمام دول مثل الصين وروسيا وتركيا وأوروبا، وفق تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
ويشير
التحليل الذي أعده خمسة من المحللين
ترجمه الموقع بوست إلى أن قرار الرئيس الأمريكي شن هجمات عسكرية على إيران يضيف عنصرا جديدا من عدم اليقين في السياسة الدولية، إذ يضع منافسي واشنطن الكبار أمام معادلة معقدة تتعلق بكيفية الرد على الأزمة دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ارتدادات الحرب خارج الشرق الأوسط
بحسب التقرير، فإن تداعيات الحرب لا تقتصر على الصراع العسكري المباشر، بل تمتد إلى التنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي، ويقول الباحثون إن صانعي القرار في واشنطن ينبغي أن يراقبوا عن كثب ردود فعل هذه القوى، لأنها قد تسعى إلى استغلال الصراع لتحقيق مكاسب جيوسياسية أو اقتصادية.
ويؤكد التحليل أن الصراع قد يعيد تشكيل التوازنات الدولية، خاصة إذا استخدمته بعض الدول لتعزيز نفوذها أو إضعاف الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم.
ونصح التحليل إدارة ترمب بالتركيز التركيز على تلبية احتياجات دول الخليج والشركاء الآخرين خلال هذا الصراع، وذلك جزئياً من خلال إشراكهم في المناقشات حول مستقبل إيران، وطالب واشنطن المضي قدما في صياغة إيران ما بعد الحرب بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وشركائها، معتبرا عدم القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى تعزيز انتقادات روسيا والصين للولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير موثوق به، وفي نهاية المطاف، أنانياً.
الصين: حسابات الطاقة والتجارة
ويرى التقرير أن الصين تتابع الحرب من زاوية مصالحها الاقتصادية والأمنية، إذ تعتمد بكين بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة من الشرق الأوسط. لذلك فإن أي تصعيد واسع قد يهدد طرق التجارة البحرية وإمدادات النفط التي تحتاجها الاقتصاد الصيني.
وفي الوقت نفسه، تحاول الصين الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف في المنطقة، بما في ذلك إيران ودول الخليج، وهو ما يجعلها تميل إلى الدعوة إلى التهدئة بدلاً من الانخراط المباشر في الصراع، كما قد تسعى بكين إلى استغلال الأزمة لتعزيز دورها الدبلوماسي، عبر تقديم نفسها كوسيط محتمل في أي مفاوضات مستقبلية.
ويرجح التحليل أن يكون وضع الصين جيدًا على صعيد الطاقة طالما انتهت الحرب، كما أنها تستفيد استراتيجيا من تحويل الأصول العسكرية الأمريكية، ولهذا – وفقا للتحليل - لا يوجد ما يدعو لتوقع أي تغيير في سلوكها خلال الأسابيع القادمة، بل ومن المرجح أن تستمر الصين في بيع الأسلحة والمستلزمات التي تستطيع توفيرها للنظام الإيراني، لكن إرسال أصولها العسكرية إلى إيران سيشكل مخاطر أكبر بكثير من انتظار تطورات الوضع.
روسيا: فرص ومخاطر
بالنسبة لروسيا، يشير التقرير إلى أن الحرب مع إيران قد تحمل مزيجا من الفرص والتحديات، فمن جهة، قد يؤدي الصراع إلى تشتيت تركيز الولايات المتحدة وحلفائها بعيدا عن مناطق أخرى مثل أوروبا الشرقية، وهو ما قد يمنح موسكو هامشا أكبر للتحرك في ملفات أخرى.
لكن في المقابل، فإن توسع الحرب قد يهدد أيضا مصالح روسيا في الشرق الأوسط، خاصة إذا أدى إلى عدم استقرار واسع في المنطقة أو إلى تغييرات في موازين القوى الإقليمية.
كما تحرص موسكو على تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ما يدفعها إلى اتباع سياسة حذرة تجمع بين الدعم السياسي لإيران والحفاظ على قنوات الاتصال مع أطراف أخرى في المنطقة.
ويقول التحليل إن عدم تقديم العون لإيران من روسيا وخسارة نظام آخر موالٍ لموسكو في المنطقة سيمثل انتكاسة لبوتين، لكن لا يزال لديه أوراق رابحة في الشرق الأوسط، وسيسعى لاستغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب، وفق التحليل، الذي قال إن من المؤكد مواصلة روسيا لدورها كوسيط، وقد تقدم لإيران مساعدات عسكرية وأمنية محدودة، كإمدادها بمعدات لقمع الاحتجاجات، أو زيادة تكاليف الحملة الأمريكية.
تركيا: توازن دقيق بين الأطراف
يشير التقرير إلى أن تركيا تواجه بدورها معادلة معقدة في ظل الحرب، إذ تجمعها علاقات سياسية واقتصادية مع إيران، لكنها في الوقت نفسه عضو في حلف شمال الأطلسي وتحتفظ بعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وبحسب التحليل، قد تحاول أنقرة لعب دور الوسيط أو الحفاظ على موقف متوازن يتيح لها حماية مصالحها الإقليمية دون الانخراط في الصراع.
كما تخشى تركيا من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار أو الهجرة في المنطقة، وهو ما قد ينعكس على أمنها الداخلي.
أوروبا: بين الأمن والطاقة
أما أوروبا، فيشير التقرير إلى أنها تواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بالحرب، من بينها احتمال ارتفاع أسعار الطاقة أو تعطل إمدادات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط.
كما أن أي تصعيد واسع قد يخلق ضغوطًا سياسية وأمنية إضافية على الدول الأوروبية، خصوصا إذا أدى إلى موجات جديدة من اللاجئين أو إلى تهديد الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.
وفي الوقت نفسه، تسعى بعض الدول الأوروبية إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة، مفضلة العمل عبر القنوات الدبلوماسية لمحاولة احتواء الأزمة.
وينصح التقرير إدارة ترمب أن تواصل إطلاع شركائها الأوروبيين على العمليات الأمريكية، بالتنسيق مع الجهات الراغبة والقادرة على القيام بدور عسكري، على أن يقتصر هذا الدور على العمليات التي تُنفذ ضمن إطار يتوافق مع القانون الدولي.
نظام دولي أكثر تعقيدا
ويخلص التقرير إلى أن الحرب مع إيران تمثل اختبارا مهما للنظام الدولي في مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.
فبينما تركز الولايات المتحدة على إدارة الصراع في الشرق الأوسط، تراقب الصين وروسيا وتركيا وأوروبا تطورات الأزمة بعناية، في محاولة لتحديد كيفية حماية مصالحها أو استغلال التحولات التي قد تنتج عن هذه المواجهة.
ويرى الباحثون أن طريقة تعامل هذه القوى مع الأزمة قد يكون لها تأثير طويل الأمد على التوازنات الدولية، وعلى شكل المنافسة بين القوى الكبرى في السنوات المقبلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news