بعد سنوات من التراجع الذي فرضته الحرب والاضطرابات الأمنية جنوب اليمن، عاد ميناء عدن إلى الواجهة مع التحركات الحكومية لإعادة تأهيله وتوسعة قدراته التشغيلية، في خطوة قد تمثل تحولاً اقتصادياً مهماً للبلاد.
ويقع ميناء عدن على أحد أهم خطوط الملاحة العالمية التي تربط الشرق بالغرب عبر البحر الأحمر وباب المندب، ما يمنحه ميزة جغرافية استثنائية جعلته تاريخيًا أحد أهم موانئ المنطقة.
ويمثل أي تحرك لإعادة تنشيط الميناء مؤشرًا على محاولة استعادة أحد أبرز الأصول الاستراتيجية، وإعادة بناء جزء من الدورة الاقتصادية التي تعطلت بفعل الحرب والتدهور المؤسسي.
ميناء عالمي فقد مكانته
خلال خمسينيات القرن الماضي، كان ميناء عدن من أبرز موانئ العالم في خدمات تموين السفن وتزويدها بالوقود والخدمات البحرية، مستفيداً من موقعه القريب من خطوط الملاحة الدولية. لكن التحولات السياسية والإقليمية أثّرت على مكانته، بدءاً من إغلاق قناة السويس عام 1967، مروراً بالاضطرابات السياسية وتراجع الاستثمارات، وصولًا إلى تداعيات الحرب الحوثية المستمرة منذ أواخر عام 2014.
ونتيجة لذلك، تراجع نشاط الميناء بشكل ملحوظ، حيث انخفض عدد السفن التي استقبلها من نحو 406 سفن في عام 2015 إلى حوالي 270 سفينة في عام 2023، وفق بيانات قطاع النقل، ما انعكس على الإيرادات وفرص العمل وثقة المستثمرين.
تحركات حكومية لإعادة التأهيل
مؤخرًا، كشف وزير النقل والمواصلات في الحكومة اليمنية المعترف بها، محسن العمري، في مقابلة مع قناة الحدث، عن خطط لتطوير الموانئ اليمنية وتعزيز كفاءتها، معلنًا تدشين خطة لتوسعة مداخل ميناء عدن.
وتتزامن خطط إعادة التأهيل مع تحركات حكومية لإعادة تنظيم إدارة الموانئ وتحسين بيئة العمل اللوجستي، بما يشمل تطوير الطرق المرتبطة بالميناء وتعزيز الحوكمة المالية وتقليص التعقيدات الإدارية.
وفي هذا السياق، عقد وزير النقل محسن العمري، لقاءات في مدينة عدن التي تتخذها الحكومة عاصمة مؤقتة للبلاد، ناقش خلالها مع قيادات مؤسستي مواني البحر العربي والبحر الأحمر خطط تطوير الموانئ اليمنية.
فيما ناقش وزير الدولة، محافظ محافظة عدن، عبد الرحمن شيخ، في اجتماع موسّع يوم الثلاثاء 24 فبراير 2026، خطة تنظيم حركة الشاحنات القادمة من ميناء المعلا، ومناقشة مقترحات تأهيل خط الميناء، بما يشمل أعمال السفلتة ورصف الأحجار أو تركيب (الإنترلوك)، بما يسهم في تحسين البنية التحتية ورفع كفاءة الطريق.
كما تتزامن هذه التحركات مع جهود موازية لإعادة تشغيل مصفاة عدن وتعزيز استقرار منظومة الطاقة، وهو ما قد يدعم الخدمات المرتبطة بتموين السفن والأنشطة الصناعية.
إصلاح تشغيلي واستقطاب استثمارات
يرى مستشار وزير الصناعة والتجارة محمد الجماعي، أن التحركات الحالية تشير إلى مسارين متوازيين لإعادة إحياء دور الميناء؛ الأول مسار حكومي تشغيلي يركز على تحديث مؤسسات موانئ البحر الأحمر وخليج عدن، وتوسعة مداخل ميناء عدن لرفع طاقته الاستيعابية وتحسين الخدمات اللوجستية. وأيضًا إزالة عوائق الملاحة، وانتشال سفن غارقة في الموانئ المرتبطة بعدن، معتبرًا هذا “مؤشر على بدء معالجة الاختناقات الفنية التي كانت تعيق التشغيل الكامل”.
أما المسار الثاني، وفق المستشار الجماعي، فيتمثل في التوجه الاستثماري والشراكات الخارجية لإعادة إحياء دور عدن كمركز لوجستي إقليمي. موضحًا أن هناك تحركًا فعليًا لا يزال في “مرحلة التأسيس” ولم يصل بعد إلى نقطة التحول الكامل.
وبشأن ما تردد عن دخول استثمارات كبرى، أفاد الجماعي، بوجود تسريبات وحديث إعلامي قديم جديد عن شراكة صينية لإعادة التأهيل والتشغيل، برعاية أو دعم سعودي، مع حضور سياسي أو استشاري لدول أخرى. لكنه أكد عدم وجود “بيانات تفصيلية رسمية منشورة على نطاق واسع حول حجم الاستثمار ونموذج التشغيل (امتياز/ إدارة) والجدول الزمني التنفيذي. وهذا طبيعي في المشاريع السيادية الكبرى التي تمر بمراحل تفاوض طويلة”.
مفاتيح استعادة الثقة
يرى خبراء النقل البحري أن نجاح جهود إعادة تشغيل ميناء عدن لا يعتمد فقط على تحديث المعدات والبنية التحتية، بل يرتبط بعوامل أوسع، في مقدمتها الاستقرار الأمني والكفاءة التشغيلية.
ووفق المستشار الجماعي فإن عوامل نجاح عودة الميناء وشروط استعادة ثقة الخطوط الملاحية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ“البيئة السيادية الشاملة”، والتي قال إن “أهم شروطها، الأمن البحري والاستقرار الإقليمي، عودة الثقة من قبل شركات الشحن العالمية بعد التأثير السلبي للهجمات الحوثية في البحر الأحمر منذ 2023. مؤكدًا أنه “بدون ضمانات أمنية مستقرة، لن تعود الخطوط الكبرى بشكل كامل”.
وأضاف أن “الكفاءة التشغيلية والتكلفة أيضًا عامل مهم، من حيث الرسوم وزمن التفريغ والاجراءات الجمركية وسمعة الميناء إداريًا كل ذلك يعزز أو يدمر قدرته التنافسية. كما يحتاج الميناء إلى خدمات لوجستية أخرى، طرق سريعة، مناطق حرة، مخازن حديثة، سكك أو نقل بري فعال لكي يتحول إلى مركز ترانزيت بحري منافس”.
ووصف الجماعي تحركات الحكومة في هذا الموضوع، بأنها “إيجابية نسبياً” لكنه اعتبرها “غير كافية”؛ مشيرًا إلى “استمرار تعدد الجهات المتحكمة في القرار، وضعف التمويل الحكومي وغياب الحوكمة والشفافية وهي أمور تحتاج الى بعض الوقت والعزم والدعم أيضًا”.
عوائد اقتصادية
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن استعادة الميناء لنشاطه الكامل قد يوفر مورداً مالياً مهماً للدولة، عبر رسوم الخدمات والنقل والترانزيت، إضافة إلى خلق آلاف فرص العمل في قطاعات النقل والخدمات والصناعات المرتبطة بالموانئ. كما يسهم في تعزيز تدفقات العملة الأجنبية ودعم استقرار السوق المحلية إذا اقترن بإصلاحات اقتصادية وإدارية مستدامة.
وحول الجدوى الاقتصادية، أوضح الجماعي أن عودة الميناء بكامل طاقته أو حتى جزء كبير منها “يعني الكثير لاقتصادنا الوطني، لا من حيث زيادة الإيرادات الحكومية، رسوم الموانئ، الجمارك، الخدمات اللوجستية، الوقود والتموين البحري؛ بل سيخفض أيضا تكاليف الاستيراد، يقلل زمن الانتظار ورسو السفن، كلفة النقل، وحتى أسعار السلع محلياً، فضلًا عن خلق فرص عمل مباشرة في مجالات النقل، التخزين، الخدمات، الصناعات الخفيفة، وستتحول عدن إلى مركز إقليمي منافس بفضل الموقع الجغرافي قرب باب المندب”.
وأضاف: “إذا ما استُثمر بشكل جيد يمكن أن تصبح عدن مركز ترانزيت، مركز إعادة تصدير، منطقة صناعية بحرية، وهي نتائج مؤثرة إيجابيًا على دعم استقرار العملة والاقتصاد الكلي وزيادة التدفقات بالعملة الصعبة، وبالتالي تقوية الاحتياطيات، واستقرار سعر الصرف، وتنشيط الاقتصاد”.
واختتم الجماعي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل ميناء عدن يعتمد على ثلاثة مفاتيح حاسمة هي: الأمن الإقليمي البحري، شريك تشغيل عالمي قوي، إصلاح مؤسسي داخلي عميق. وإذا اجتمعت هذه العوامل، يمكن أن يتحول الميناء خلال 3–5 سنوات إلى أحد أهم أصول الاقتصاد اليمني”.
الفرصة الأخيرة
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا يزال مستقبل ميناء عدن مرتبطاً بعوامل حاسمة، أبرزها الاستقرار الأمني، ونجاح الإصلاح المؤسسي، وقدرة الحكومة على استقطاب شركاء تشغيل دوليين يتمتعون بالخبرة والكفاءة.
ويؤكد مراقبون أن الموقع الجغرافي الفريد لعدن يمثل ميزة نادرة، لكن تحويل هذه الميزة إلى قوة اقتصادية مستدامة يعتمد على استثمار وإدارة الفرصة الحالية بمسؤولية واقتدار.
وفي حال نجاح هذه الجهود، قد يتمكن ميناء عدن من استعادة دوره التاريخي، ليس فقط كمرفق خدمي محلي، بل كمركز لوجستي إقليمي يسهم في دعم التعافي الاقتصادي لليمن، وإعادة البلاد إلى خارطة التجارة العالمية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news