أكد المفكر المصري والخبير في الشؤون العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، أن تداعيات التصعيد الإقليمي لن تقف عند حدود المواجهة الحالية، بل ستمتد إلى الساحة اليمنية، مؤكدًا أن أي تقليص لنفوذ إيران في معادلة القوة الإقليمية سينعكس مباشرة على جماعة الحوثي، التي تعتمد على الدعم الإيراني سياسياً وعسكرياً.
وقال، في حوار مع “برّان برس”، إن خسارة طهران لموقعها في موازين القوة الإقليمية ستضعف الحوثيين، “لأنهم سيفقدون نصيرهم الوحيد، في ظل علاقات غير جيدة مع محيطهم المباشر”، مشيراً إلى أن مسار الحرب الجارية سيحدد شكل تموضع الجماعة وخياراتها خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا الحوار، يقدّم الدكتور أحمد، وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قراءة تحليلية لموقف الحوثيين بين حسابات البراغماتية السياسية وضغوط الارتباط العقائدي والاستراتيجي بإيران.
كما يناقش مستقبل الدعم الإيراني للجماعة، واحتمالات توظيف البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط، وتأثير التصعيد الإقليمي على مسار السلام في اليمن.
تمايز الخطاب وتطابق السلوك
لفت الدكتور أحمد إلى أن بعض التحليلات تذهب إلى أن الحوثيين يتمتعون بهامش من الاستقلالية في القرار السياسي والعسكري مقارنة بـ“حزب الله”، ما قد يدفعهم إلى تجنب التدخل المباشر في المواجهة الحالية بدافع حسابات واقعية تتعلق بموازين القوى.
وأوضح أن هناك تمايزاً في الخطاب السياسي؛ إذ اعتاد حزب الله، خصوصاً في عهد أمينه العام السابق “حسن نصر الله”، الإعلان صراحة عن انتمائه إلى منظومة “ولاية الفقيه”، وتأكيد مرجعيته للقيادة الإيرانية، فيما يتحدث الحوثيون عن “التقاء موضوعي” مع طهران دون إقرار صريح بتبعية تنظيمية كاملة.
ورغم هذا التمايز الخطابي، أشار إلى وجود تطابق ملحوظ في السلوك الميداني، خاصة خلال حرب غزة، حيث ظهر تقاطعاً واضحاً بين الطرفين؛ فقد شارك الحوثيون في استهداف الملاحة المتجهة إلى ميناء إيلات، وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة وصلت إلى إسرائيل، في خطوة تطابقت مع تحركات حزب الله، كل بحسب قدراته وظروفه.
أما في الجولة الحالية، فيرى الدكتور أحمد أن ثمة اختلافًا في الأداء؛ فبينما سارع حزب الله إلى التدخل، لم يقدم الحوثيون حتى الآن على خطوة مماثلة. ويعتقد أن هذا التريث قد يعكس قراءة حذرة لموازين القوى، لكنه لا يستبعد احتمال تغير الموقف إذا استمرت الحرب لبعض الوقت وأظهرت إيران قدرة نسبية على الصمود.
وأضاف: “لا أستبعد تدخل الحوثيين، ليس اعتقاداً بأنهم يمكن أن يغيروا ميزان القوى في الحرب، ولكن لأن إيران هي المسؤول الخارجي الرئيسي عن تقوية الجماعة.”
وأشار إلى أن إخراج إيران من معادلة القوة والنفوذ في الشرق الأوسط “سيصيب الحوثيين بالضرر، لأنهم سيفقدون نصيرهم الوحيد، في ظل علاقات غير جيدة مع محيطهم المباشر”، وهذا ما قد يدفعهم، في حال استمرار الحرب، إلى الانخراط في التصعيد دفاعاً عن حليفهم ومصالحهم.
مستقبل الدعم الإيراني
وعن تأثير الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، أكد أن انعكاساتها على الحوثيين “قطعية”.
وقال إن “الهجوم الشامل والواسع النطاق على إيران لا بد أن يؤثر مستقبلاً على طبيعة ودرجة الدعم الإيراني للحوثيين اقتصادياً وعسكرياً.”
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي الإيراني كان يعاني أصلاً من أزمة داخلية فجَّرت احتجاجات جماهرية، ومع إضافة كلفة الحرب “من الطبيعي أن يزداد الوضع سوءًا ويتأثر الدعم الاقتصادي للجماعات المرتبطة بها”.
كما لفت إلى أن القوة العسكرية الإيرانية تلقت أيضًا “ضربات قوية من أقوى دولة في العالم ومن الجيش الإسرائيلي”، وهو ما سينعكس بدوره على مستوى الدعم السياسي والاقتصادي المقدم لحلفائها، بما فيهم الحوثيون.
البحر الأحمر كورقة ضغط
وفيما يتعلق باحتمال استخدام البحر الأحمر ومضيق باب المندب كورقة ضغط، رأى أن الأمر يرتبط بقرار الحوثيين الدخول في الحرب.
وقال: “إذا غلبت الحسابات الرشيدة وقرروا عدم التدخل لصالح إيران، فلن تُستخدم هذه الورقة ولن يتأثر أمن الملاحة في البحر الأحمر، لكن إذا امتدت الحرب وصمدت فيها إيران فقد يصبح إغلاق مضيق باب المندب ورقة مطروحة”.
وأضاف أنه لا يستبعد أن يكون هناك نوع من “توزيع الأدوار”، بأن يبدأ حزب الله الحرب في مرحلة معينة وثم ينضم الحوثيون في مرحلة لاحقة.
التصعيد الإقليمي ومسار السلام
وبشأن جهود التسوية في اليمن، قال الخبير المصري إن مسار السلام “يتوقف أساساً على العامل اليمني الداخلي وليس على العامل الإقليمي”.
واستشهد بالتهدئة الإقليمية التي أعقبت الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية في مارس 2023، مؤكدًا أن كل المحاولات التي جرت بعد ذلك لم تحقق أي اختراق حقيقي في مسار السلام، باستثناء بعض صفقات تبادل الأسرى لدى الجانبين. ورغم تبادل الوفود إلا أن “اللغة الإعلامية للحوثيين لم تختلف”.
وأضاف: “إذا كانت التهدئة الإقليمية الواضحة لم تفلح في الدفع بجهود السلام في اليمن، فما بالنا بالتوتر الشديد الذي يحدث الآن، والذي دمر تقريباً المرحلة الهادئة في العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية، وعلى رأسها السعودية؟”.
وأكد أن التصعيد الحالي سيؤثر سلبًا على فرص السلام على المدى القريب، لكنه أشار إلى احتمال أن يؤدي إضعاف إيران ومن ثم الحوثيين إلى جعل الجماعة “أكثر مرونة” بما ينعكس إيجاباً على جهود التسوية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news