624 كلمة
في موكب التنوير اليماني الذي لم ينقطع عطاؤه عبر العصور، من لدن الأنصار والتابعين وصولاً إلى القمم السامقة كالشوكاني وابن الأمير والصنعاني، يبرز اليوم اسم العلامة الدكتور فضل بن عبد الله مراد؛ كواحد من ألمع العقول الفقهية المعاصرة التي استطاعت تطويع النص الشرعي لفهم مستجدات العصر.
ولد الدكتور فضل في عام 1975م بمحافظة ريمة، وتحديداً في مديرية السلفية، تلك الأرض التي صقلت تضاريسها الوعرة وجبالها الشماء شخصيته العلمية، ومنحتها ذلك النزوع الفطري نحو الحرية والنضال والبحث عن الحقيقة، ليكون سفيراً لهذه المحافظة الولادة في كبرى المحافل العلمية الدولية، ومعيداً الاعتبار للمدرسة الفقهية اليمانية كرافد حيوي لا ينضب في مسيرة الحضارة الإسلامية.
بدأت رحلة الدكتور مراد مع المعرفة في سن مبكرة جداً، حيث أتم حفظ القرآن الكريم في مدينة الحديدة عام 1985م، ثم شد الرحال إلى دار القرآن الكريم بصنعاء ليتم حفظه بالقراءات السبع ثم العشر الصغرى، في مسيرة تميزت بالمثابرة والهمة العالية. وقد تمثلت محطة التحول الكبرى في حياته بتلمذته المباشرة على يد جهبذ اليمن وعالمها الأبرز، العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل العمراني، الذي نال منه إجازة عامة وشاملة في الإفتاء والتدريس والقضاء، ليرث عنه تلك الروح التجديدية التي ترفض التعصب وتنتصر للدليل. ولم يكتفِ مراد بالعلوم الشرعية التقليدية، بل جمع بينها وبين دراسة الطب المساعد والتقنية، وصولاً إلى نيله درجة الدكتوراه في الشريعة والقانون عام 2010م بتقدير امتياز، ما جعله يمتلك “مشرط الجراح” في تشريح القضايا المعاصرة وتقديم الحلول الشرعية لها.
يتجلى المشروع المعرفي للدكتور فضل مراد في رؤيته الثورية المتمثلة في “فقه العصر”، وهي منظومة علمية متكاملة ترفض الجمود وتقوم على قاعدة “ثبات النص وحركة المحتوى”. ومن خلال هذا المشروع، نجح في تقديم قراءات معاصرة تستوعب متغيرات التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة، حيث استنبط أحكاماً محورية في حفظ كيان الدولة والمجتمع، معتبراً إياها ضرورة شرعية تضاف إلى الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال). هذا التوجه لم يكن مجرد تنظير أكاديمي، بل تحول إلى دليل عملي ينظم هياكل الدولة الحديثة ويقدم حلولاً شرعية للمستجدات، مما جعل منه مرجعية عالمية، حيث يشغل اليوم منصب الأستاذ بجامعة قطر، والمقرر العام للجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وخبيراً استشارياً لكبرى البنوك والمؤسسات المالية الدولية.
إن ما يميز الدكتور فضل مراد كبروفايل صحفي وإنساني هو ذلك المزيج النادر بين “الأصالة” التي يستمدها من عمق التراث اليمني، وبين “المعاصرة” التي يمارسها عبر إتقانه لأدوات البحث العلمي الحديثة والأمن السيبراني والتقنيات الرقمية. فهو لم يقبع في صومعة الكتب القديمة، بل انطلق ليناقش قضايا المرأة، وحقوق الإنسان، وقوانين المصارف، والولاية العامة، من خلال أكثر من 30 مؤلفاً وبحثاً محكماً، أبرزها “المقدمة في فقه العصر” و”فقه التنزيل”. وبذلك، يظل ابن ريمة البار ليس فقط فخراً لمسقط رأسه، بل رمزاً لنبوغ العقل اليماني القادر على قيادة قاطرة التجديد الديني والحضاري، مشكلاً جسراً متيناً يربط بين عظمة الماضي وتطلعات المستقبل في سبيل حفظ كرامة الإنسان وصون المجتمع.
المصادر والمراجع:
1- المصدر الأساسي: مقال “العلامة فضل مراد.. مجدد الفقه المعاصر” للكاتب الأستاذ علي محمود يامن.
2- السيرة الذاتية الرسمية: أ.د. فضل بن عبد الله مراد، الموقع الرسمي لجامعة قطر وموقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
3- التوثيق الأكاديمي: وثائق السيرة العلمية والخبرات المهنية الصادرة عن جامعة الإيمان وجامعة أم درمان (تخصص أصول فقه وقانون).
4- الإنتاج المعرفي: مراجعة قائمة المؤلفات المنشورة والمحكمة دولياً للدكتور فضل مراد (موسوعة فقه العصر).
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news