لم يعد الخطاب الثقافي في تعز يعاني من شحّ المبادرات بقدر ما يعاني من تكرارها بالصيغة ذاتها بشكلٍ مستمر .
فبين الحديث المتواصل عن “التنشيط” و“الاستدامة” و“الشراكات”، تتكاثر المفاهيم أكثر مما تتكاثر النتائج، ويغيب الأثر الفعلي خلف لغة واسعة لا تلامس جوهر الأزمة الثقافية في المدينة.
المشكلة هنا لا تكمن في العناوين المُعلنة أو تلك التي جرى مناقشتها، بل في المنهج الذي يُعاد إنتاجه عامًا بعد عام، دون مراجعة جادّة لما تحقق، أو مساءلة حقيقية لما فشل أو تعثّر.
لدينا كم هائل من مبادرات ومنتديات ولدينا برامج واسعة رحبت بمساعدة الشأن الثقافي في الحالمة والسؤال أين هي المخرجات ، مافيش مجلة واحدة مختصة بالثقافة ولا حماية للمبدعين وعن السلبيات الحديث سيطول بلا نهاية..
ومن هذا الموقع النقدي، لا بوصفه خصومة ولا تقليلًا من أي جهد قد تم بذله من أي مبدع أو مؤسسة، لكن من الضروري تفكيك هذا الخطاب واختباره: هل أسهمت كل الجهود المبذولة فعلًا في توسيع دائرة الفعل الثقافي؟ أم أنه اكتفى بإعادة ترتيب المشهد داخل الإطار الضيق نفسه، مع تغيير الشعارات فقط؟
إنَّ أحد أبرز اختلالات المشهد الثقافي في تعز يتمثل في تحوّله إلى مساحة شبه مغلقة، تُدار وفق علاقات ثابتة أكثر مما تُدار وفق معايير الإبداع والكفاءة. فالحضور الثقافي لم يعد مرتبطًا بقيمة المنتج، بقدر ما صار مرهونًا بالانتماء إلى شبكة محددة تتكرر في معظم الفعاليات، تعيد تدوير ذاتها تحت مسميات مختلفة.
ومع هذا الواقع، هناك فجوة عميقة بين المبدعين بكافة الفنون الإبداعية بينهم وبين من يمسكون بإدارة الشأن الثقافي ومن يُشرف على برامج التمويل الخاصة بالجانب الثقافي.
وما يفاقم هذا الخلل أن النشاط الثقافي في المدينة بات أقرب إلى حركة مناسبات، تتكثف في القاعات وتخفت في الواقع. تُكتب التقارير، وتُلتقط الصور، وتُصاغ التوصيات، لكن الأثر الملموس يظل محدودًا، وكأن الثقافة تُمارس بوصفها حدثًا مؤقتًا لا مشروعًا طويل النفس. في هذا السياق، تتحول اللغة إلى بديل عن الفعل، ويُستعاض عن التراكم الحقيقي بتكرار الوعود.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين المبدعين المستقلين والمؤسسات الثقافية الناشئة، حتى باتت أقرب إلى قطيعة غير معلنة. فبدل أن تكون هذه المؤسسات جسورًا جامعة، تحولت – في كثير من الحالات – إلى بوابات انتقائية، لا تعترف إلا بمن يدور في فلكها.
وهنا يفقد الحديث عن الشراكات والاستدامة معناه، لأن الاستدامة لا تُبنى داخل حلقات مغلقة، ولا يمكن أن تزدهر في بيئة لا تسمح بتجدد الدماء والأفكار.
تعز، بما تحمله من تاريخ ثقافي وتجارب إنسانية قاسية وطاقات شابة، ليست مدينة فقيرة في الإبداع، بل مدينة أُنهكت بسوء الإدارة الثقافية. الفرصة ما تزال قائمة، لكن الخطر يكمن في استمرار التعامل مع الثقافة كواجهة تجميلية، لا كحاجة مجتمعية عميقة، ولا كرافعة وعي وهوية في زمن الانهيار.
إن أي محاولة جادّة لإعادة الاعتبار للمشهد الثقافي في تعز تبدأ من إعادة النظر في آليات الاختيار، ومعايير الدعم، ومن فتح المساحات أمام الأصوات الجديدة، لا تكريس الأسماء المستهلكة. تبدأ من الإيمان بأن الثقافة ليست امتيازًا يُمنح، بل حقٌّ عام، وبأن المبدع لا يحتاج إلى وساطة بقدر ما يحتاج إلى منصة عادلة.
وفي المحصلة، فإن المشهد الثقافي في تعز بحاجة إلى تصحيح جذري، لا إلى مسكنات مؤقتة. بحاجة إلى فرز واضح بين الإبداع الحقيقي والاستثمار الشكلي في الثقافة، إلى بنى داعمة حقيقية مثل دور نشر وخدمات للمبدعين كافة المتعلقة بالعملية الإبداعية ذاتها، ومسابقات نزيهة، ورعاية تحمي المبدعين بدل استنزافهم. والأهم من ذلك، هو تحييد الثقافة عن منطق النفوذ والوصاية، لأن الإبداع لا يمكن أن ينمو داخل حسابات السلطة، ولا أن يتعافى ما دام يُدار بمعايير العلاقات لا بمعايير القيمة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news