في تحليل استراتيجي واسع النطاق، رأت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضربات أمريكية وإسرائيلية موجعة قد تطال قمته القيادية، يمتلك من الصلابة والترسخ المؤسسي ما قد يتيح له الصمود والبقاء، غير أن المنطقة برمتها مقبلة على تحولات جذرية ستغير وجه الشرق الأوسط، ولن تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه.
واستناداً إلى التحليل، فإن سيناريو اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي أو استهداف كبار القادة العسكريين، وإن كان يمثل ضربة قاسية، إلا أنه لا يعني بالضرورة الانهيار الفوري لنظام حكم بني هياكله على مدى 47 عاماً، ويمتلك قدرات على استبدال القيادات بسرعة.
كما تشير الصحيفة إلى أن القوة الجوية وحدها لا تكفي لتفكيك بنية حكم مترسخة، لا تزال طهران تحتفظ بقدرة على الرد والمناورة، في ظل استمرار فتح مسارات الحرب على كافة الاحتمالات.
تراجع النفوذ وبداية الضعف
ترى "نيويورك تايمز" أن الجمهورية الإسلامية باتت اليوم في أضعف حالاتها منذ الثورة عام 1979، حيث كانت تواجه أصلاً أزمات داخلية وتراجعاً في الشعبية، إلا أن الضعف تفاقم بشكل ملحوظ.
ويشير التحليل إلى أن تراجع النفوذ الإيراني بدأ فعلياً مع الرد الإسرائيلي العنيف على هجوم حماس من غزة، ثم تسارعت وتيرة هذا التراجع مع إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية، وإلحاق خسائر فادحة وعصفت بقدرات حزب الله، واستثمار التحولات الجيوسياسية في سوريا عقب سقوط الحليف الاستراتيجي بشار الأسد.
وعلى مدى العقود الماضية، بنت إيران شبكة واسعة من "الوكلاء" والحلفاء تمتد من حزب الله في لبنان، إلى حركة الجهاد الإسلامي، وصولاً إلى الحوثيين في اليمن، بهدف تعزيز نفوذها وممارسة الضغط على خصومها، بالإضافة إلى تطوير برنامج صاروخي متقدم ورفع تخصيب اليورانيوم لمستويات قريبة من العتبة النووية، مما منحها ثقلاً إقليمياً دفع القوى السنية الكبرى للتعامل معها بحذر.
ما بعد خامنئي.. جمهورية مختلفة؟
نقلت الصحيفة عن سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في "تشاتام هاوس"، قولها إن "الجمهورية الإسلامية كما نعرفها لن تبقى بعد هذا"، مشيرة إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة بعد عقود من التعايش مع نظام يُنظر إليه كقوة مزعزعة للاستقرار.
وتتوقع وكيل أن تنكفئ إيران في المدى المتوسط على ذاتها، منشغلة بإعادة ترتيب بيئتها الداخلية والاقتصادية، ما سيقلص بالتالي من قدرتها على التدخل الخارجي. ومع ذلك، حذرت من أن طهران قد تسعى في المدى القصير لرفع كلفة الحرب على خصومها كورقة تفاوضية لفرض وقف إطلاق نار بشروط أفضل.
من جانبها، قالت إيلي جيرانمايه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن إيران قد تحاول الضغط عبر الخليج لزيادة الكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم المخاطر الكبيرة لتوسيع رقعة الصراع.
خطر الحرب الإقليمية وتداعياتها
حذر ولي نصر، الخبير في الشأن الإيراني بجامعة جونز هوبكنز، من أن استراتيجية طهران الحالية تقوم على "امتصاص الضربات والحفاظ على الموقع"، مع التلويح بتوسيع المواجهة لانتزاع وساطة دولية.
فيما حذر علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية من أن انخراط وكلاء إيران في لبنان والعراق والبحر الأحمر قد يحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة، تحذر الصحيفة من أن تداعياتها الاقتصادية ستمتد عالمياً في حال تمكنت إيران من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما سينعكس فوراً على أسعار النفط ومعدلات التضخم العالمية.
إسرائيل والمستقبل النووي المجهول
خلص التحليل إلى أن انشغال إيران بأزماتها الداخلية قد يكرس موقع إسرائيل كقوة إقليمية أولى، ويفتح الباب أمام تحولات سياسية في دول مثل لبنان.
كما أشارت الصحيفة إلى احتمال أن تستثمر حكومة إسرائيلية جديدة أي تحييد لإيران لفتح مسار تفاوضي مع الفلسطينيين بدعم أميركي وسعودي.
غير أن التساؤل الأبرز الذي يظل معلقاً يدور حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني: هل ستدفع الضربات العنيفة طهران لتقديم تنازلات لضمان بقاء النظام؟ أم أن قيادة أكثر تشدداً ستسارع نحو امتلاك السلاح النووي كضمانة أخيرة للردع؟ وتؤكد الصحيفة في ختام تحليلها أن الدعوات لإسقاط النظام قد لا تقود إلى انتقال سلس للسلطة، مستحضرة الفوضى التي أحدثتها تجارب مشابهة في المنطقة، ومؤكدة أن اللحظة الراهنة هي لحظة مفصلية ستعيد تشكيل الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news