لم تكن الإذاعة العربية يومًا مجرد وسيلة إعلامية عابرة، بل كانت صوت أمة، وذاكرة مرحلة، ومنبر وعيٍ جمع القلوب قبل أن تجمعها الشاشات والمنصات الرقمية. منذ انطلاق البث الإذاعي في عواصم عربية مبكرة مثل والجزائر القاهرة وبغداد وصنعاء والقدس ودمشق وتونس وعدن وغيرها ، بدأ المذياع يشق طريقه إلى البيوت، حاملاً الأخبار والآمال والأغاني والخطابات التي صنعت وعي أجيال كاملة.
لقد شكّلت محطات تاريخية مثل إذاعة صوت العرب نموذجًا للدور الذي يمكن أن تؤديه الإذاعة حين تمتزج الرسالة بالمهنية، وتلتقي الكلمة بالمسؤولية. فقد تجاوز الصوت حدود الجغرافيا، وأصبح الميكروفون العربي أداة تأثير عابرة للحدود، تصوغ الرأي العام وتدعم قضايا الأمة،،
لم تكن الإذاعة مجرد ناقل خبر، بل كانت مدرسة لغوية وثقافية وتربوية. منها تعلّم المستمعون فصاحة البيان، ومنها تشكّلت الذائقة الفنية، ومنها انطلقت البرامج الفكرية والثقافية التي أثّرت في مسار المجتمع العربي.
كان المذيع رمزًا للثقة، وصاحب رسالة، وصوتًا يطرق الأسماع باحترام ومسؤولية.
اليوم، تقف الإذاعة العربية أمام منعطف تاريخي جديد. فقد تغيّر المشهد الإعلامي جذريًا مع الثورة الرقمية، وظهرت المنصات الصوتية الحديثة والبودكاست والبث عبر الإنترنت. ولم يعد التحدي في الوصول إلى الجمهور، بل في الحفاظ على ثقة الجمهور وجودة المحتوى وسط هذا الزخم الهائل.
هنا تبرز أهمية تطوير الأداء المهني، وتأهيل الكوادر، وبناء شراكات عربية حقيقية تعيد للإذاعة مكانتها، لا باعتبارها وسيلة تقليدية، بل كمنصة متجددة قادرة على المنافسة والتأثير.
في هذا السياق، تأتي الشعبة العامة للإذاعيين العرب بوصفها خطوة استراتيجية نحو تنظيم الجهد المهني العربي، وبناء كيان يجمع الخبرات، ويوحّد الرؤية، ويؤسس لعمل مهني يعزز من جودة الأداء ويحمي رسالة الإعلام المسموع.
إن تأسيس مجلة متخصصة مثل مجلة الإذاعيين العرب ليس حدثًا عادياً، بل هو إعلان وعي مهني جديد. فالمجلة ليست مجرد صفحات مطبوعة، بل نتمنى أن تكون منصة فكرية لتوثيق التجارب، ونقل الخبرات، وتحليل التحديات، وصياغة الرؤى المستقبلية،،
لقد صنعت الإذاعة العربية وعي الأجيال في القرن الماضي، واليوم هي مطالبة بصناعة المستقبل.
مستقبل يقوم على:
التدريب المستمر والتأهيل الاحترافي.
ومواكبة التحول الرقمي دون التفريط في الهوية.
وترسيخ أخلاقيات المهنة.
وتعزيز التكامل العربي في المجال الإذاعي. وفي هذا المجال يقوم اتحاد إذاعات الدول العربية بدور عظيم في هذا السياق،،
إن الإذاعيين العرب اليوم أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما أن يكونوا جزءًا من موجة التغيير، أو يقفوا على هامشها. والمطلوب ليس فقط التطوير التقني، بل تطوير الرؤية، وإعادة تعريف الدور، واستحضار الرسالة،،
ختاماَ
سيظل الصوت الصادق قادرًا على الوصول، مهما تغيّرت الوسائط.
وسيظل الميكروفون العربي أداة بناء حين تحمله أيدٍ واعية ومسؤولة.
إن مجلة الإذاعيين العرب نأمل أن تمثل بداية مرحلة جديدة، عنوانها: المهنية، الوحدة، والرسالة.
وهي دعوة مفتوحة لكل إذاعي عربي أن يكون شريكًا في هذا المشروع، لا متابعًا له فقط.
فالإذاعة ليست ماضياً يُحكى، بل مستقبل يُصنع.
صلاح علي القادري
رئيس إذاعة الجمهورية اليمنية – البرنامج العام.
تعليقات الفيس بوك
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news