هولندا وتحدي قوة المياة العمياء.. تجربة فريدة

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 26 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
هولندا وتحدي قوة المياة العمياء.. تجربة فريدة

في ندوة التحدي والاستجابة التي نظمتها وحدة الدراسات الحضارية ومقارنة الاديان بالمعهد العالمي للتجديد العربي يوم الأربعاء الموافق 31 يناير 2026م أشرت إلى التجربة الهولندية في استجابتها الخلاقة لتحدي القوة المائية العمياء

إذ تُعدّ التجربة الهولندية واحدة من أكثر التجارب الإنسانية فرادة في علاقتها بالماء. فهولندا ليست مجرد دولة ساحلية أو نهرية، بل هي كيان حضاري نشأ تاريخيًا في مواجهة مباشرة مع قوة طبيعية كاسحة: البحر والأنهار معًا. إذ يقع نحو ثلث أراضيها تحت مستوى سطح البحر، وتخترقها شبكة كثيفة من الأنهار الكبرى مثل الراين والمايز والسخيلده. ومن هنا لم يكن الماء عنصرًا طبيعيًا محايدًا، بل تحديًا وجوديًا شكّل وعي الهولنديين، ونظمهم الاجتماعية، وخياراتهم السياسية، ومسارهم الحضاري فمنذ العصور الوسطى المبكرة، واجه سكان الأراضي المنخفضة فيضانات متكررة وعواصف بحرية مدمرة أودت بحياة الآلاف وغيّرت ملامح الأرض والساحل. هذا الوضع الجغرافي فرض على الهولنديين خيارًا حاسمًا: إما الانسحاب والتلاشي، أو المواجهة والتنظيم. وعلى خلاف مجتمعات أخرى تعاملت مع الطبيعة بمنطق الخضوع أو التقديس، اتجه الهولنديون إلى عقلنة علاقتهم بالماء، والنظر إليه باعتباره قوة يمكن إدارتها والسيطرة النسبية عليها عبر المعرفة والتنظيم والعمل الجماعي. ولم ينظر الهولندي إلى الماء بوصفه عدوًا مطلقًا، بل خصمًا دائم الحضور ينبغي فهم منطقه قبل مواجهته. فدلتا الأنهار الكبرى التي تصب في بحر الشمال جعلت البلاد بأكملها أشبه بجسدٍ مفتوح على المدّ والجزر، حيث تختلط المياه العذبة بالمالحة ويصبح الحدّ بين اليابسة والبحر حدًا هشًا ومتحركًا. إن الجغرافيا هنا ليست خلفية صامتة، بل قوة فاعلة تملي إيقاع الحياة اليومية، من الزراعة إلى الملاحة إلى تخطيط المدن.

تمثلت الاستجابة الهولندية الأولى في بناء السدود منذ القرن الحادي عشر، ثم تطورت تدريجيًا إلى مشاريع هندسية معقدة شملت تجفيف الأراضي وتحويل البحر إلى أرض صالحة للزراعة والسكن. ولم تكن هذه المشاريع مجرد إنجازات تقنية، بل أسست لتحول اجتماعي وسياسي عميق؛ إذ استلزم بناء السدود تعاونًا واسعًا بين القرى والمدن، ما أدى إلى نشوء مؤسسات محلية لإدارة المياه عُرفت باسم مجالس المياه، وهي من أقدم أشكال الحكم المحلي التشاركي في أوروبا. ومع تطور التقنيات استُخدمت الطواحين الهوائية لضخ المياه خارج الأراضي المنخفضة، فتحولت الرياح إلى طاقة لإنقاذ اليابسة، ثم جاءت المضخات البخارية فالكهربائية لتجعل من إدارة المياه علمًا قائمًا بذاته. وهكذا تراكمت في هولندا تقاليد هندسية لا تقوم على الانبهار بالإنجاز، بل على الصيانة الدائمة والاختبار المستمر. وأصبح “البولدر” أكثر من أرض مستصلحة؛ صار فكرة حضارية، قطعة أرض لم تكن موجودة ثم صارت موجودة بفضل التخطيط والإرادة، وكأن الهولندي لا يكتفي بتعمير الأرض بل يخلقها خلقًا جديدًا.

ويرى بعض المؤرخين إلى أن الديمقراطية الهولندية لم تنشأ فقط من صراع اجتماعي أو فكري، بل من ضرورة مائية. فإدارة الخطر المشترك فرضت مبدأ التوافق والمشاركة وتقاسم المسؤولية، لأن الماء لا يميز بين غني وفقير ولا يحترم حدود الملكيات الخاصة. وهكذا أصبح التعاون شرطًا للبقاء، وأنتج ثقافة سياسية قائمة على التفاوض والعقلانية والحلول العملية، عُرفت لاحقًا بـ“نموذج البولدر”، حيث تُحلّ الخلافات عبر الحوار والبحث عن تسويات وسطى. وكما أن السدّ بناء جماعي، فإن النظام السياسي نفسه يشبهه: إذا ضعف جزء منه انهار كله.

ولم يقتصر أثر البيئة المائية في هولندا على العمران والهندسة والسياسة، بل تسرب إلى البنية العميقة للشخصية الهولندية نفسها. فالعيش في أرض هشّة، مهددة دائمًا بالفيضان، رسّخ أخلاق الحذر دون خوف، والانضباط دون قسوة، والعمل الجماعي دون ادعاء بطولي فردي. فالماء لا يُهزم بخطاب حماسي، ولا يُدار بقرار فردي مرتجل؛ بل يتطلب تخطيطًا طويل النفس، وثقة متبادلة، واحترامًا صارمًا للقواعد. ومن هنا نشأت ثقافة تقدّر الصراحة والوضوح، لأن الغموض في إدارة الخطر قد يكون كارثيًا، وتُعلي من قيمة المسؤولية المشتركة، لأن الإهمال الفردي قد يُغرق الجميع. كما أسهمت هذه البيئة في ترسيخ حسّ المساواة، إذ يقف الجميع على المستوى ذاته أمام تهديد طبيعي لا يفرّق بين طبقة وأخرى، فصار القانون أشبه بسدٍّ معنوي يحمي المجتمع كما تحمي السدود أرضه. وهكذا تبلورت ديمقراطية عملية، لا تقوم على الشعارات المجردة، بل على وعيٍ عميق بأن البقاء مشروط بالتعاون، وأن الحرية لا تنفصل عن الانضباط، وأن الدولة ليست كيانًا متعاليًا، بل تعبيرٌ منظم عن إرادة جماعة تعرف أن مصيرها واحد كما أرضها واحدة.

ويذكر التاريخ إن  فيضان بحر الشمال عام 1953 شكل لحظة فارقة في تاريخ الأرض المنخفضة، إذ غمرت المياه مساحات واسعة وأودت بحياة أكثر من ألف وثمانمائة شخص. غير أن الاستجابة جاءت في صورة مشروع استراتيجي طويل الأمد تمثل في “مشروع دلتا”، وهو شبكة من الحواجز والسدود والأبواب البحرية العملاقة التي تُغلق عند العواصف وتُفتح في الأحوال العادية حفاظًا على التوازن البيئي. لم يكن المشروع إعلان انتصار نهائي على البحر، بل إعادة تفاوض معه، وإدراكًا بأن حماية الإنسان لا تكون عبر تدمير النظام الطبيعي الذي يعيش فيه، بل عبر فهمه وتنظيم العلاقة معه.

ومع تصاعد آثار التغير المناخي وارتفاع مستوى البحار، أدركت هولندا حدود منطق السيطرة المطلقة، فتبنّت سياسات تقوم على منح الأنهار مجالًا أوسع للفيض المنظم، كما في برنامج “إفساح المجال للنهر”، حيث تُزال بعض السواتر وتُعاد هندسة الضفاف وتُحوَّل أراضٍ معينة إلى مناطق امتصاص مؤقتة للمياه. إنها نقلة فكرية من مقاومة الطبيعة إلى التعاون معها، ومن عقلية الحاجز الصلب إلى عقلية الفضاء المرن، وكأن التجربة الهولندية انتقلت من هندسة الصدام إلى هندسة الانسجام ولم تكتفِ هولندا بتحصين أرضها، بل شرعت في ابتكار أشكال جديدة من العمران المائي، كالمنازل العائمة والأحياء المقامة فوق منصات مائية والمشاريع الزراعية البحرية. لم تعد فكرة “العيش مع الماء” شعارًا بل تحولت إلى مختبر حضري مفتوح، تقدّم فيه هولندا خبرتها إلى مدن العالم المهددة بالغرق. إنها خبرة تقوم على الاعتراف بأن الطبيعة قوة مستمرة الحركة، وأن أفضل استجابة لها هي المرونة والمعرفة والعمل المشترك.

وهكذا لا تبدو استجابة الهولنديين لتحدي الماء مجرد قصة نجاح هندسي، بل سردية حضارية عن تحويل الخطر إلى مدرسة، والجغرافيا إلى شريك، والكوارث إلى محفزات ابتكار. لقد علمهم البحر أن الثبات وهم، وأن البقاء فعلٌ يومي منظم، وأن الدولة ليست سلطة فوق المجتمع بل شبكة تضامن لحماية أرض مشتركة. وفي هذا المعنى تصبح هولندا حقًا هبة البحر والسماء: هبة البحر لأنه فرض التحدي، وهبة السماء لأنها منحت الريح والعقل والإرادة، وفي المسافة بينهما وُلدت حضارة اختارت أن تعيش لا رغم الماء، بل بفضله.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل:تمزيق صورة عيدروس الجديدة بعد ساعتين من رفعها بعدن

كريتر سكاي | 561 قراءة 

اشتراط هذا الامر لصرف الرواتب في عدن

كريتر سكاي | 444 قراءة 

خالد اليماني يدعو لإقامة عاصمة الدولة الجنوبية في حال الإنفصال خارج عدن

عدن الغد | 408 قراءة 

قيادي في الانتقالي المنحل ينشر رسالة اعتذار واعتراف ويدعو إلى التفكير بعقل والتخلي عن المنافع الشخصية

بوابتي | 355 قراءة 

خبير عسكري يوضح خلفيات قرارات أبو زرعة المحرمي بإعادة تشكيل قيادة قوات الأمن الوطني في أبين

نيوز لاين | 296 قراءة 

جريمة "حبة المانجو".. أسماء المتهمين السبعة الذين روعوا الطفولة وصوروا جريمتهم.

كريتر سكاي | 293 قراءة 

تهديدات جديدة من فلول الهارب عيدروس الزبيدي بالتحرك نحو قصر المعاشيق

منصة أبناء عدن | 262 قراءة 

العليمي يتوعد مليشيا الامارات

العربي نيوز | 238 قراءة 

الشلفي: الامارات تتبنى سردية جديدة بشأن اليمن وهذه تفاصيلها

بوابتي | 236 قراءة 

مستشار الرئيس اليمني يؤكد من قلب عدن ان زمن الوصاية انتهى ومشروع الإقليم المستقل بدأ

يمن فويس | 224 قراءة