سامح فايز / صحفي مصري
حين نتحدث عن "القضية الجنوبية" في اليمن، كثيرًا ما ننزلق فورًا إلى السياسة: الوحدة، الانفصال، الفيدرالية، موازين القوى. لكن قبل أن تصبح القضية برنامجًا سياسيًا، كانت تجربة معيشة. والهوية الجنوبية كما تتجلى اليوم ليست فكرة نشأت في بيان، وإنّما شعور تراكم عبر عقود من التحولات القاسية. لفهمها بدقة لا بدّ من العودة إلى البنية التاريخية التي صاغت وعي الجنوب بذاته، دون مبالغة ودون رومانسية.
جنوب اليمن الحديث تشكّل سياسيًا ضمن سياق استعماري مختلف عن شماله. ومنذ احتلال عدن عام 1839 أصبحت المدينة مركزًا استعماريًا بحريًا وإداريًا ضمن الإمبراطورية البريطانية، بينما ظل محيطها في إطار محميات وسلطنات محلية مرتبطة بمعاهدات حماية. هذا المسار أنتج بنية إدارية وتعليمية واقتصادية مختلفة عن تلك التي تطورت في شمال اليمن، الذي كان يعيش تجربة الإمامة الزيدية حتى ثورة 1962. الفارق لم يكن فقط في شكل الحكم، بل في نمط الانفتاح الاجتماعي، والتعليم، والهجرة، والاحتكاك بالعالم. عدن تحديدًا أصبحت مدينة كوزموبوليتية نسبيًا مقارنة بالمدن اليمنية الأخرى في منتصف القرن العشرين، تضم جاليات متعددة، ونشاطًا نقابيًا مبكرًا، وصحافة، وتعليمًا حديثًا.
لكنّ الاستعمار لم يخلق "هوية جنوبية قومية" بالمعنى السياسي الصريح. الهوية التي بدأت تتبلور في الخمسينيات والستينيات كانت هوية تحررية مناهضة للاستعمار، قادتها حركات وطنية مثل الجبهة القومية وجبهة التحرير. بعد الاستقلال في 1967 أُعلنت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ودخل الجنوب تجربة دولة ذات توجه اشتراكي ماركسي. هنا تبدأ طبقة جديدة من الذاكرة.
من الدولة إلى الهزيمة: الطبقات الخفية للذاكرة الجنوبية
الدولة الجنوبية (1967ـ 1990) لم تكن مجرد كيان سياسي منفصل، بل كانت مشروعًا إيديولوجيًا حاول إعادة تشكيل المجتمع. جرى تأميم واسع، وإعادة توزيع للأراضي، وبناء جهاز دولة مركزي قوي نسبيًا، مع توسع في التعليم والصحة ومشاركة المرأة في المجال العام مقارنة بمحيطها الإقليمي. في الوقت ذاته شهدت الدولة صراعات داخلية دامية، أبرزها أحداث كانون الثاني (يناير) 1986، التي كانت اقتتالًا داخليًا بين أجنحة الحزب الاشتراكي، وقد أدت إلى سقوط آلاف الضحايا وهجرة كوادر سياسية وعسكرية. هذه الأحداث تركت أثرًا عميقًا في النسيج الجنوبي، لكنّها لا تُستحضر كثيرًا في الخطاب الشعبي الحالي بالقدر ذاته الذي تُستحضر به "الدولة والنظام".
عندما قامت الوحدة اليمنية في 22 أيار (مايو) 1990 بين الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، لم تكن الوحدة اندماجًا تدريجيًا طويل الأمد، بل اتفاقًا سياسيًا سريعًا بين قيادتين تواجهان تحديات داخلية وخارجية. الجنوب كان يمرّ بأزمة اقتصادية خانقة بعد تراجع الدعم السوفييتي، والشمال كان يبحث عن شرعية أوسع بعد حربه الداخلية مع الملكيين سابقًا ومع قوى أخرى. الوحدة جاءت كمخرج استراتيجي للطرفين، لكنّها لم تُبنَ على دمج مؤسساتي متكامل، بل على تقاسم سياسي هش.
لكن هنا تظهر منطقة فكرية حساسة: هل الجنوب اليوم هو امتداد مباشر لدولة ما قبل 1990؟ أم أنّ السياق تغير جذريًا؟
الدولة الجنوبية السابقة كانت دولة حزب واحد، ذات توجه اشتراكي، ضمن معسكر الحرب الباردة. الجنوب اليوم يعيش في بيئة إقليمية مختلفة تمامًا، وفي اقتصاد مفتوح، ومع مجتمع أكثر تنوعًا من حيث المصالح والهجرات والتحولات الاجتماعية. ومع ذلك يستمر استدعاء رموز الماضي بوصفها اختصارًا لهوية واضحة.
هذا لا يعني أنّ الاستدعاء زائف، بل أنّه يحمل طابعًا انتقائيًا. يتم التركيز على عناصر الكرامة والسيادة، ويجري تهميش عناصر الصراع الداخلي أو الإخفاقات الاقتصادية. هذه الانتقائية طبيعية في كل سردية قومية، لكنّها تستحق التحليل لا التسليم.
الأهمّ من ذلك أنّ الهوية الجنوبية الحديثة تشكلت أيضًا في مواجهة تهديد وجودي تمثل في الحرب مع الحوثيين. والدفاع عن الأرض عزز الشعور بالتمايز. في لحظات الخطر تميل المجتمعات إلى توحيد صفوفها وتعريف نفسها بوضوح أكبر، لذلك لا يمكن فهم صعود الخطاب الجنوبي بعد 2015 بمعزل عن تجربة الحرب نفسها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news