عبدالرحيم الشافعي
يُقدّم مسلسل “علي كلاي” تجربة درامية شعبية مفعمة بالحيوية ضمن منافسة رمضان 2026، إذ يجسد الفنان المصري أحمد العوضي دور ملاكم سابق يحمل لقب “كلاي” تيمّنًا بأيقونة الملاكمة العالمية، يعيش وسط حي حلوان الشعبي الغني بالتفاصيل اليومية، إذ يدير البطل تجارة قطع غيار السيارات ودار أيتام، ويفتح أبوابًا واسعة لصراعات متعددة الأبعاد تجمع النفوذ الاقتصادي بالروابط العائلية والعواطف المتشابكة.
يبرز العمل كأحد أبرز الإنتاجات التشويقية، لأنه يمزج بين حركة الأكشن الرياضي والميلودراما الاجتماعية، محققًا انتشارًا واسعًا عبر المنصات الرقمية، ويعتمد هذا الإقبال الجماهيري على قوة السرد الذي ينطلق من قصة صعود شاب من الهامش إلى مواجهة التحديات والأعداء بلا هوادة، ويتجاوز العمل حدود الترفيه السطحي ليطرح قضايا الانتماء والصمود في سياق شعبي أصيل ومؤثر.
يحتوي سيناريو المسلسل بنيةً دراميةً متشابكةً تتقاطع فيها أسرار النسب والخيانة والثأر ضمن إطار ميلودرامي مشوّق، مستفيدًا من عناصر الدراما الشعبية المألوفة، لكنه يطعّمها برمز رياضي دالّ على الصمود والتحدي عبر استلهام تجربة محمد علي كلاي، غير أنّ هذا البناء، على ما فيه من جاذبية، يعاني أحيانًا من تكديسٍ متسارع للأحداث وتراكمٍ للمصادفات يهددان منطقية التحولات ويجعلان بعض الانعطافات الدرامية فُجْئيةً ومفتعلة.
ينطلق العمل بإيقاع سريع يستهل بفلاش باك لطفولة علي اليتيم الذي يتربّى في كنف رجل الأعمال الذي يجسد دوره طارق الدسوقي، قبل أن تتبلور ملامح شخصيته كملاكم سابق يتلقى تدريبات على يد الشحات مبروك، ثم كرجلٍ ناجح يدير تجارة ودار أيتام، بما يفتح مساحات خصبة للصراعات الاقتصادية والعاطفية، بين الخطوط العائلية خاصة علاقته بزوجته ميادة التي تؤديها درة وما يتصل بأزمة الإنجاب، ثم صدامه مع زوجة منصور التي تجسدها انتصار، تتكاثف أحيانًا على حساب تعميق الدوافع النفسية للشخصيات الثانوية، فتبدو بعض المواقف أقرب إلى الوظيفة السردية منها إلى الضرورة الإنسانية.
ومع دخول شخصيات جديدة مثل الفتاة التي تنقذها الأحداث وتؤديها يارا السكري، يواصل المسلسل شدّ انتباه المتلقي بمهارة تشويقية واضحة، إلا أنه يبقى في حاجة إلى اقتصادٍ سردي أكبر وتكثيفٍ درامي أعمق يوازن بين الإثارة والاتساق، ليبلغ مستوى فنيًا أكثر نضجًا وصلابة.
وتستمر الضغوط على البطل كلاي في مجال الأعمال، حينما يواجه تحديات في صفقة كبيرة مع شركة صينية، ويرفض مشاركة أو شراكة إجبارية مع شخصيات بلطجية مثل مختار، ليشعل صراع سيطرة على السوق.
يتعمق الخلاف الزوجي بين علي وميادة بسبب أزمة الإنجاب، مع محاولات علي الحفاظ على هدوئه ورجولته بتحمله المسؤولية، فتظهر شخصيات ثانوية مثل ماهر (ابن منصور) الذي لا يهتم بالعمل، ويبدأ علي في مواجهة تهديدات مباشرة من أعداء في الحارة والسوق. وتبرز دار الأيتام كملاذ إنساني، مع مشاهد عاطفية تظهر علاقة علي بالأطفال، وتبدأ بوادر قصة حب أو تعاطف مع روح التي تظل تحت حمايته.
ويتصاعد الصراع في سوق قطع الغيار، حينما يتحدى علي عظيمة (معلم بلطجي) أمام رجاله لينصف أبا روح الطيب، ويفرض سيطرته على المنطقة. ويكشف علي لماهر أنه مالك أرض دار الأيتام، ليزيد التوتر العائلي. تظهر حماة علي وتعرض عليه التكفل بعلاجه للإنجاب سواء في مصر أو خارجها، مطالبة إياه بالتعامل مع ابنتها بهدوء. وتحدث مشاجرة بين شخصيات مثل محمد ثروت ورحمة محسن، ويظهر طليق والدة ميادة مهددًا إياها بفيديو قديم، ليضيف طبقة جديدة من التهديدات الشخصية. فتنتهي الحلقة بتصعيد الأكشن خارج الحلبة، مع مواجهات جسدية تبرز قوة علي وقدرته على حماية من يحب.
وفي مجمل الحلقات الأولى، يحافظ العمل على إيقاع مشوق يركز على الصراعات المتعددة: الرياضية داخل الحلبة (رمزية)، والاجتماعية/العائلية/التجارية خارجها.
ويبدو الأداء البدني لأحمد العوضي قويا ومقنعا، لكن العمق العاطفي يحتاج تطورًا أكبر في الحلقات القادمة لتجنب التكرار، مع توازن أفضل بين الأكشن والجوانب الإنسانية للشخصيات مثل روح وميادة.
ويُبهر أحمد العوضي الجمهور بتجسيد مذهل في الحلقات الثلاث الأولى، لأنه يتقمّص شخصية علي بطبقات نفسية غنية تجمع الصلابة الجسدية بالدفء الإنساني العميق. كما يظهر تطورًا لافتًا في التعبير عن التناقضات الداخلية، خاصة خلال لقطات الإنقاذ والمواجهات العائلية المشحونة. ويتفوق في نقل قوة الشخصية الشعبية التي تحمي الضعفاء رغم التهديدات المتواصلة من الأعداء. ويبرز حضوره البدني في النزالات والمطاردات بإتقان يعكس تحضيرًا بدنيًا ونفسيًا دقيقًا.
ويتجاوز أسلوبه الحالي أدواره السابقة في أعمال مثل “حق عرب” و”فهد البطل” حيث يضيف عمقًا انفعاليًا يجعل المشاهد يتعاطف مع البطل بشدة. ويُعد أداؤه عامل جذب رئيسيا يدفع الجمهور لانتظاره يوميا. ويُثبت العوضي قدرته على حمل العمل بمفرده مع إضافة لمسات تشخيصية غنية ومتنوعة.
وتميل اختيارات أحمد العوضي في أعماله الأخيرة إلى اجترار النمط ذاته دون مغامرة فنية حقيقية؛ فابتداءً من “حق عرب”، مرورًا بـ”فهد البطل”، وصولًا إلى “على كلاي”، يتكرر المحور الدرامي نفسه: بطل قوي البنية، يعتمد على حضوره الجسدي وخلفيته القتالية، ثم تُعاد عقدة “الابن المتبنّى” بوصفها المفاجأة المركزية التي تحرّك الصراع. هذا التماثل لا يشي بالثبات الأسلوبي بقدر ما يكشف فقرًا في التنويع الدرامي، إذ تتحول الشخصية إلى قالب جاهز يُعاد تدويره كل موسم، فتفقد الصدمة السردية أثرها ويغدو الحدث متوقعًا منذ الحلقات الأولى.
المشكلة هنا ليست في نوعية الأدوار الشعبية أو الجسدية بحد ذاتها، بل في غياب التطوير والتجديد؛ فالتاريخ الفني يبرهن أن الممثل قادر على تكرار الثيمة مع اختلاف المعالجة، كما فعل أحمد زكي حين قدّم الملاكم في “النمر الأسود” ثم عاد إلى أجواء مشابهة في “كابوريا” بعد سنوات طويلة وبسياق وروح وشخصية مغايرة تمامًا. أمّا التكرار السنوي بالشكل نفسه، فإنه يستهلك رصيد الممثل ويصيب المتلقي بالملل، لأن الجمهور لا يطالب بالتصفيق للقالب ذاته كل مرة، بل ينتظر مخاطرة فنية تكشف وجوهًا جديدة لقدرات ممثله المفضل.
ويُظهر الانسجام بين أفراد الطاقم تماسكًا فنيًا يعزز مصداقية التفاعلات في كل لقطة جماعية أو فردية. وتتفاعل درة (ميادة) مع العوضي بعاطفة رقيقة تحول علاقتهما إلى منطقة هدوء وسط دوامة الصراعات، بينما تضيف يارا السكري (روح) طبقة رومانسية مشوقة تنطلق من لحظة إنقاذ درامية في دار الأيتام. ويساهم طارق الدسوقي ومحمود البزاوي في بناء الطابع الشعبي الأصيل من خلال أدوار داعمة قوية ومؤثرة. ويبرز عصام السقا وانتصار في تعزيز الواقعية العائلية والاجتماعية بأداء طبيعي. ويتدفق التفاعل بين الجميع دون تصنع، ليجعل المَشاهد تبدو حية ومقنعة تمامًا. ويعكس هذا الانسجام جهدًا جماعيًا يرفع مستوى العمل ككل إلى درجة التميز.
ويتميز التصوير بجودة فنية عالية تبرز تفاصيل الحي الشعبي وحلبات الملاكمة وسوق السمك وقطع الغيار بإضاءة حية وحركة كاميرا ديناميكية. ويلتقط المصورون لقطات الأكشن بزوايا مثيرة تجعل المُشاهد يعيش التوتر والإثارة مباشرة. ويبرز التباين بين الأزقة الضيقة والفيلات الفاخرة ليعكس الصراع الطبقي، كما تستخدم الإضاءة الطبيعية لتعزيز الجو الواقعي في دار الأيتام والشوارع المزدحمة. ويساهم التصوير في نقل إحساس بالحيوية والخطر الدائم في كل مشهد، ما يجعل المشاهد يشعر وكأنه داخل الأحداث لا مجرد مراقب. ويُعد التصوير عنصرًا أساسيًا في نجاح الإيقاع البصري والجمالي للعمل.
وحبك الإيقاع الأحداث بثبات يجعل كل حلقة تنتهي بتشويق يدفع للمتابعة الفورية دون تردد. ويبدأ بتصاعد تدريجي من محاولات القتل والإنقاذ إلى مواجهات عائلية وتجارية مشحونة. ويوازن بين اللقطات السريعة في الأكشن والحوارات العاطفية دون إرهاق المشاهد. ويحافظ على توتر مستمر من خلال كشف أسرار النسب والثأر بشكل مدروس. ويتجنب الإطالة غير الضرورية ليبقي الجمهور مشدودًا طوال الوقت. ويعتمد قفلة ذكية في ختام كل حلقة، ليجعل الإيقاع محبوكًا يناسب تمامًا طبيعة الدراما الرمضانية اليومية.
وتختبر الحلقات الأولى للمسلسل قدرة الدراما الشعبية على التجدد بدمج الملاكمة كمحور للصراع الاجتماعي والشخصي بطريقة مبتكرة. ويحقق المسلسل متعة وإثارة كبيرة خاصة مع التجسيد المذهل والانسجام والتصوير والإيقاع المحبوك بدقة. وينجح في تصدر التريندات بعد الحلقات الأولى، وهذا يعكس جاذبيته الجماهيرية القوية. يبقى مطالبًا بتوازن أكبر بين الأكشن والعمق الإنساني ليصل إلى الكمال. ويمكنه تجاوز التسلية المؤقتة إذا عمّق الصراعات الداخلية أكثر. ويترك أثرًا إيجابيًا في الذاكرة الدرامية الرمضانية. ويُعد إضافة قوية لسباق 2026 بطابعه الشعبي الأصيل والمتميز.
العرب
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news