يمن إيكو|تقرير:
في تطور مفصلي للأسواق العالمية، قضت المحكمة العليا الأمريكية برفض الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية، ما أدى إلى تراجع الدولار، وصعود قوي في وول ستريت وأوروبا، وأعاد خلط أوراق السياسة التجارية الأمريكية في لحظة حساسة يتقاطع فيها تباطؤ النمو مع ضغوط تضخمية متصاعدة.
ضربة للدولار
وجاءت أولى ردود الفعل في سوق العملات، حيث انخفض مؤشر الدولار إلى 97.68 نقطة، متجهاً لإنهاء موجة مكاسب استمرت أربعة أيام، في وقت ارتفع اليورو والجنيه الإسترليني، بينما تراجع الدولار أمام الين بشكل طفيف.
ويعكس هذا التحرك إعادة تسعير سريعة لاحتمالات تراجع كلفة الواردات مستقبلاً وانحسار بعض الضغوط التضخمية المرتبطة بالتعريفات.
ورغم أن بيانات التضخم الأمريكية أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي بنسبة 0.4% على أساس شهري، فإن قرار المحكمة طغى على أثر البيانات، خصوصاً مع صدور أرقام نمو أضعف من المتوقع أظهرت تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.4% في الربع الأخير، وهو ما عزز حساسية الأسواق تجاه أي تطورات تمس كلفة التجارة وسلاسل الإمداد.
تأثيرات إيجابية
في أسواق الأسهم الأمريكية، سجلت المؤشرات الرئيسية مكاسب ملحوظة، إذ ارتفع مؤشر ستاندرد اند بورز 500 بنسبة 0.71%، وصعد مؤشر ناسداك المجمع 0.91%، فيما زاد مؤشر داو جونز الصناعي 0.47%، بدعم من أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى التي يُتوقع أن تستفيد من تراجع مخاطر الرسوم على المكونات المستوردة.
انتعاش أسهم أوروبا
وامتدت موجة التفاؤل إلى أوروبا، حيث أغلق مؤشر ستوكس 600 عند مستوى قياسي مرتفعاً 0.8%، مدفوعاً بانتعاش قطاعات السلع الفاخرة والشخصية والبنوك، في إشارة إلى تحسن شهية المخاطرة عالمياً وتراجع مخاوف اضطراب التجارة عبر الأطلسي.
ويرى محللون أن الحكم قد يخفف من كلفة الاستيراد على الشركات الأمريكية، ما ينعكس على هوامش الأرباح ويحد من انتقال الضغوط السعرية إلى المستهلك، كما قد يساهم في استقرار سلاسل الإمداد التي تأثرت سابقاً بتبدل السياسات التجارية وتهديدات الرسوم المفاجئة.
كذلك، قد يدعم القرار ثقة الشركاء التجاريين في البيئة القانونية الأمريكية، بعدما اعتبر الحكم أن فرض الرسوم بموجب قانون الطوارئ تجاوز للصلاحيات التنفيذية، ما يعزز مبدأ الفصل بين السلطات ويعيد بعض اليقين المؤسسي الذي تطلبه الاستثمارات طويلة الأجل.
تأثيرات سلبية
في المقابل، يحمل القرار جوانب سلبية محتملة، أبرزها اتساع حالة الضبابية السياسية والتجارية، إذ سارع ترامب إلى الإعلان عن فرض رسوم بديلة بنسبة 10% لمدة 150 يوماً بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، مع التلويح بتحقيقات أوسع بموجب مواد أخرى، ما يعني أن مسار الرسوم لم يُغلق بل تغيرت أدواته.
وتثير هذه التحركات البديلة مخاوف من جولات جديدة من التقلب، خاصة أن الرسوم المؤقتة قد تتبعها إجراءات أشد بموجب مواد تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة، وهو ما قد يعيد الأسواق إلى دائرة الترقب ويؤخر قرارات الاستثمار والتوسع.
كما يفتح الحكم باباً قانونياً معقداً بشأن نحو 175 مليار دولار من عائدات الرسوم التي جُمعت سابقاً، إذ يُتوقع أن تخضع مسألة رد الأموال لمسار تقاضٍ قد يمتد لسنوات، ما يضيف عبئاً إدارياً ومالياً على الحكومة ويخلق حالة من عدم اليقين لدى الشركات المتضررة.
وكانت المحكمة قد نظرت في مدى قانونية استخدام الرئيس لقانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لعام 1977 لفرض رسوم جمركية شاملة، وهو قانون استُخدم تاريخياً لفرض عقوبات وتجميد أصول، لا لفرض تعريفات عامة على الواردات، ما جعل القضية اختباراً فاصلاً لحدود السلطة التنفيذية في السياسة التجارية.
وجاء الحكم بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، مؤكداً أن سلطة “تنظيم الاستيراد” الواردة في القانون لا تعني تفويضاً صريحاً بفرض رسوم جمركية، ومشدداً على أن الدستور يمنح الكونجرس، لا الرئيس، سلطة فرض الضرائب والرسوم، في قرار يتجاوز أثره اللحظة الراهنة ليعيد رسم العلاقة بين القانون والتجارة والسياسة في أكبر اقتصاد في العالم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news