أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء برنامج الحماية المؤقتة (TPS) الممنوح لليمنيين في الولايات المتحدة، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ خلال شهرين، في خطوة اعتبرتها وزارة الأمن الداخلي متسقة مع “المصلحة الوطنية الأمريكية”، بينما أثارت قلقًا واسعًا داخل الجالية اليمنية.
ويعني القرار رفع الحماية التي كانت تمنع ترحيل المستفيدين، وإنهاء تصاريح العمل المرتبطة بالبرنامج، ما يعيد المشمولين به إلى وضعهم القانوني السابق قبل حصولهم على الحماية. وبالنسبة لكثيرين، قد يعني ذلك التحول إلى وضع إقامة غير نظامي، ما لم يتمكنوا من تسوية أوضاعهم عبر مسارات قانونية أخرى.
خلفية البرنامج :
أقرّ الكونغرس الأمريكي برنامج الحماية المؤقتة عام 1990 ضمن قانون الهجرة، بهدف تقديم ملاذ إنساني لمواطني الدول التي تعاني من نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية أو اضطرابات استثنائية تمنع العودة الآمنة.
ويمنح البرنامج إقامة قانونية مؤقتة لمدة تصل إلى 18 شهرًا قابلة للتجديد، إضافة إلى تصاريح عمل وحماية من الترحيل وإمكانية الحصول على إذن سفر. إلا أنه لا يوفر مسارًا مباشرًا للإقامة الدائمة أو الجنسية، وإن كان يسمح لحامليه بالتقدم بطلبات قانونية مستقلة إذا كانوا مؤهلين.
وكان اليمن قد أُدرج ضمن قائمة الدول المشمولة بالبرنامج منذ عام 2015، على خلفية الحرب الدائرة وتدهور الأوضاع الإنسانية. وجرى تمديد الحماية عدة مرات، كان آخرها في عام 2024، على أن ينتهي العمل بها في 3 مارس/آذار 2026، قبل أن تعلن الإدارة الأمريكية عدم تجديدها.
وتشير بيانات وكالة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية (USCIS) إلى أن نحو 1380 مواطنًا يمنيًا كانوا مشمولين ببرنامج الحماية المؤقتة حتى 31 مارس/آذار 2025.
تحذير من الاعتقال وحظر الدخول :
حذّرت وزارة الأمن الداخلي من أن أمام المستفيدين مهلة 60 يومًا لمغادرة الولايات المتحدة طوعًا، مشيرة إلى أن من يبقى بعد انتهاء المهلة قد يتعرض للاعتقال والاحتجاز والترحيل بواسطة هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
وأوضحت أن الترحيل قد يترتب عليه حظر دخول إلى الأراضي الأمريكية لمدة تصل إلى 10 سنوات. ودعت الوزارة الراغبين بالمغادرة الطوعية إلى استخدام تطبيق CBP One، الذي يتيح – بحسب بيانها – تعويضًا عن تذاكر السفر ومكافأة خروج بقيمة 2600 دولار، إضافة إلى “فرص هجرة مستقبلية محتملة”.
المبررات الرسمية :
وقالت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في بيان رسمي:“قررت أن اليمن لم يعد يستوفي المتطلبات القانونية لتصنيفه ضمن برنامج الحماية المؤقتة. السماح للمستفيدين بالبقاء مؤقتاً في الولايات المتحدة يتعارض مع مصلحتنا الوطنية. نحن نعطي الأولوية لأمننا القومي ونضع أمريكا أولاً”.
ويُمنح برنامج الحماية المؤقتة لمواطني الدول التي تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية أو ظروفًا استثنائية تمنع العودة الآمنة، ويتيح لهم الإقامة والعمل مؤقتًا في الولايات المتحدة دون أن يمنحهم إقامة دائمة أو مسارًا مباشرًا للجنسية.
رغم قرار إنهاء الحماية، لا تزال وزارة الخارجية الأمريكية تصنّف اليمن ضمن المستوى الرابع “حظر السفر”، وهو أعلى مستوى تحذيري، بسبب “مخاطر الإرهاب والاضطرابات والجريمة والمخاطر الصحية والاختطاف والألغام”، بحسب توصيفها الرسمي.
ويثير هذا التباين تساؤلات حول معايير تقييم “تحسن الظروف” التي بُني عليها قرار إنهاء البرنامج.
ووصف عامر غالب، رئيس بلدية هامترامك السابق في ولاية ميشيغان – التي تضم واحدة من أكبر الجاليات اليمنية في الولايات المتحدة – القرار بأنه “مؤسف للغاية”، مشيرًا إلى أن العودة إلى اليمن قد تكون خطيرة في ظل تهديدات من جماعات مسلحة محلية.
ويُعد غالب من أبرز القيادات اليمنية-الأمريكية الداعمة للرئيس ترامب، ما أضفى على تصريحه دلالة سياسية لافتة.
من جانبه أكد المركز الأمريكي للعدالة في بيان، أن القرار يفتقر إلى الواقعية الميدانية ويتجاهل الالتزامات القانونية والأخلاقية الدولية تجاه الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وأوضح أن قرار الإنهاء يرتكز على فرضية "استقرار الأوضاع" في اليمن، وهي فرضية يدحضها الواقع الحقوقي والإنساني؛ فالجمهورية اليمنية لا تزال تشهد نزاعاً مسلحاً مستمراً، وانهياراً كاملاً لمنظومة الحقوق والحريات".
وأكد البيان أن معايير قانون الهجرة والجنسية (INA) التي استُند إليها لمنح الحماية لا تزال قائمة، بل وتفاقمت بتعقيدات أمنية واقتصادية تجعل من العودة القسرية أو "المحفزة مالياً" ضرباً من ضروب الدفع بالمدنيين نحو مصير مجهول، بل إن الولايات المتحدة نفسها ما زالت تصنف اليمن بلداً عالي الخطورة وتنصح بعدم السفر إليه.
وأعرب المركز الأمريكي عن رفضه للادعاء بوجود "ملاذات آمنة" بديلة داخل اليمن؛ مشيراً إلى أن المناطق الواقعة تحت نطاق الحكومة الشرعية لا تزال تعاني من هشاشة أمنية بنيوية، وتحديات اقتصادية خانقة، وضعف في سيادة القانون، مما يجعلها عاجزة عن استيعاب العائدين أو توفير الحماية الدنيا لهم.
سياق أوسع وتقليص للبرنامج :
لا يقتصر القرار على اليمن، إذ عملت إدارة ترامب على تقليص قائمة الدول المشمولة بالحماية المؤقتة، وشمل ذلك دولًا مثل الصومال وفنزويلا وهندوراس ونيبال ونيكاراغوا، كما صدرت قرارات بإنهاء الحماية عن هايتي وبورما وإثيوبيا وجنوب السودان.
وفي هذا السياق، أصدرت قاضية فدرالية الأسبوع الماضي قرارًا يمنع الإدارة من إنهاء برنامج الحماية المؤقتة لمواطني جنوب السودان، معتبرة أن وزيرة الأمن الداخلي قد تكون قدمت أسبابًا “واهية” لإنهاء التصنيف دون الكشف عن الدوافع الحقيقية.
وكان جنوب السودان قد حصل على البرنامج لأول مرة عام 2011، فيما أُبلغ بإنهائه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قبل أن يُجمّد القرار قضائيًا.
ماذا ينتظر اليمنيين الآن؟
مع دخول القرار حيّز التنفيذ، يواجه اليمنيون المشمولون بالبرنامج عدة خيارات محدودة، منها: التقدم بطلب لجوء إذا استوفوا الشروط القانونية، ومحاولة تعديل الوضع القانوني عبر تأشيرات عمل أو دراسة إن كانوا مؤهلين، والاستفادة من لمّ الشمل الأسري إذا كان أحد أفراد الأسرة يحمل الجنسية أو الإقامة الدائمة.
أما من لا يملك مسارًا قانونيًا بديلًا، فقد يواجه خطر الاحتجاز والترحيل، مع ما يترتب عليه من تبعات قانونية طويلة الأمد.
ويعكس القرار تحوّلًا في سياسة الهجرة الأمريكية نحو تشديد القيود وتقليص برامج الحماية المؤقتة. غير أن الحالة اليمنية تظل محاطة بجدل واسع، في ظل استمرار النزاع والانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
وبين اعتبارات “الأمن القومي” التي تطرحها الإدارة الأمريكية، ومخاوف العودة إلى بيئة غير مستقرة، يبقى مستقبل مئات الأسر اليمنية في الولايات المتحدة رهين المهلة الزمنية المحددة، وما قد تحمله الأيام المقبلة من تحركات قانونية أو سياسية قد تعيد النظر في القرار.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news