ضدّ الانفلات الأخلاقي في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 82 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
ضدّ الانفلات الأخلاقي في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي

بشرى العامري:

قبل أن نتحدث عن أزمة الحريات التي تواجه الصحافة، ينبغي أن نتوقف أولا عند أزمة المهنة نفسها، وأزمة من يمتهنونها.

فالمشكلة اليوم ليست فقط في تضييق أو توسيع هامش الحرية، بل في اهتزاز معنى الصحافة، واختلاط المفاهيم حتى أصبح كل من استطاع جمع عدد من المتابعين على منصة تواصل اجتماعي يُعرِّف نفسه كإعلامي، بل ويُقدَّم بوصفه مؤثرا وموجّها للرأي العام.

في اليمن، كما في غيرها من البيئات الهشّة، تعرّض العمل الصحفي لإهانة حقيقية.

فلم يعد الانتماء إلى المهنة قائما على التأهيل أو الخبرة أو الانخراط في مؤسسات إعلامية معروفة، بل على القدرة على إثارة الجدل، ورفع الصوت، والنيل من الآخرين بأساليب ملتوية ورخيصة وحتى غير اخلاقية.

لا شهادات، ولا تدريب مهني، ولا التزام بمدونات سلوك، فقط حضور رقمي صاخب، ولغة سوقية وهجومية، وجمهور يبحث عن معركة جديدة.

وفي مجتمع أنهكته الحروب، أصبح يعيش على إيقاع الصراع اليومي، في فيسبوك أو منصة أكس، يجد كثير من الناس في الخطاب المتشنج متنفسا أو تسلية.

ينجذب العامة إلى من يسيء الأدب ويشعل الخصومات، ليس ضد المؤسسات الرسمية فحسب، بل ضد الأفراد والمجتمع بأسره، وكلما ازداد الانحدار الأخلاقي، ازداد عدد المتابعين، وكأن معيار التأثير أصبح مرتبطا بمدى القدرة على الهدم لا البناء.

قد يُعذر بعض العامة لقصور المعرفة، وإن كان الجهل لا يعفي من المسؤولية، لكن الصدمة الحقيقية تكمن في تبجيل بعض الجهات الرسمية أو السياسية لهؤلاء، واستخدامهم أدوات في صراعاتها، لمجرد أنهم يهاجمون الخصوم بلا ضابط ولا وازع.

 أي نصر إعلامي هذا الذي يتحقق عبر أدوات غارقة في وحل الإساءة والتشهير؟

وأي إنجاز لذكر أو أنثى كل قدراتهم، هي الظهور بفيديو فيه ردح على هذا، وشتم لهذه.

إن خسارتنا الأخلاقية كمجتمع أعلى كلفة بكثير وأبعد أثرا من أي مكسب سياسي أو إعلامي مؤقت.

وفي مشهد تحوّل فيه التشهير والسبّ والقذف إلى ما يشبه “شجاعة إعلامية ” يُروَّج له بوصفه إنجازا وبطولة، انقلب الميثاق المهني لدى الكثير من المؤثّرين، بل والصحفيين السابقين الذين ركبوا موجة الظهور في الحسابات الإلكترونية إلى ميثاق غير أخلاقي تدفع إليه هشاشة فكرية ومهنية، وأحيانا ضغوط مادية. فبدل أن يكون الإعلام سلطة رقابية مستقلة، أصبح عند البعض أداة دعائية مأجورة، تمتهن السُّخرة الإعلامية لصالح أطراف في السلطة، أو الأحزاب، أو مراكز النفوذ ورأس المال، حيث يُختزل الدور المهني في الهجوم والتلميع وتصفية الحسابات.

إننا أمام حاجة ملحّة إلى يقظة مجتمعية تعيد الاعتبار لميثاق شرف المهنة، وتبدأ هذه اليقظة بضبط المصطلحات، ومعرفة من هو الإعلامي؟ ومن هو الصحفي؟ وما الفرق بين الناشط الرقمي، وصانع المحتوى، والصحفي المحترف؟.

 إن الخلط بين هذه المسميات يسيء إلى الجميع، لكنه يضرّ بالمهنة أكثر من غيرها.

نحن بحاجة ماسة اليوم الى رفع الذوق العام ليكون رافضاً لأى انحدار.

كما نحتاج إلى قواعد أخلاقية واضحة تحكم الفضاء الرقمي، وتعزز دور المجتمع في رفض كل خطاب قائم على الإساءة والتشهير، وانتهاك الأعراض وبثّ الكراهية.

وهذا يتطلب إطارا قانونيا حديثا يراعي التحولات الرقمية دون أن يتحول إلى أداة لتقييد حرية الرأي والتعبير.

المطلوب اليوم ليس خنق الحريات بل حمايتها من الانفلات الذي يحولها إلى فوضى مدمّرة.

والسؤال بسيط، هل نقبل أن يمارس الطب من لم يدرسه، وأن يقدّم نصائح طبية من يجهل أبسط قواعده؟ هل نأخذ رأيا هندسيا من غير مهندس؟ فلماذا نمنح صفة “إعلامي” أو “صحفي” لكل من كان سليط اللسان، عالي الصوت، ثم نرشحه لمواقع سياسية أو منابر عامة بوصفه خبيرا اعلاميا في الشأن العام؟

إن أول خطوة للإصلاح هي حماية المهنة من الدخلاء، عبر أهلها أنفسهم، بنقابات فاعلة ومؤسسات قوية، ومعايير اعتماد واضحة، ومسارات تدريب وتأهيل مستمر. فالمعركة الحقيقية ليست ضد حرية التعبير، بل ضد العبث الذي يختطفها، وضد الانحدار الأخلاقي الذي يهدد نسيج المجتمع.

إن الإعلام، في جوهره، رسالة ومسؤولية، وإذا سقطت الأخلاق، سقطت الرسالة، وتحول الصوت العالي إلى ضجيج، والانتشار إلى وهم تأثير. المجتمعات الحقيقية السليمة لا تُبنى بالضجيج، بل بالكلمة المسؤولة، والحرية المنضبطة بالقيم، والاختلاف المحكوم باحترام الإنسان.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل: الجيش الأمريكي يكشف عن صاروخ دخل المعركة مع إيران ويستخدم لأول مرة في التاريخ

المشهد اليمني | 932 قراءة 

صيد ثمين قادم من إيران يقع في يد ألوية العمالقة قبل وصوله إلى الحديدة

نافذة اليمن | 774 قراءة 

قيادات في الانتقالي تغادر مقر التحالف بعدن بوجوه مغطاة وسط تساؤلات متصاعدة

نيوز لاين | 487 قراءة 

عاجل.. إيران تكشف عن اسم وهوية المرشد الإيراني الجديد المنتخب خلفا لخامنئي

موقع الأول | 482 قراءة 

إعلان هام لمجلس الوزراء السعودي بشأن اليمن

بوابتي | 476 قراءة 

تصعيد مفاجئ من هاني بن بريك: التحرك نحو صنعاء

نيوز لاين | 458 قراءة 

ما أخفته الأقمار الصناعية.. تفاصيل جديدة حول ضربة إيران الكبرى لإسرائيل

الموقع بوست | 384 قراءة 

عمليات حفر غامضة للحوثي في 3 محافظات تثير مخاوف بعد اتفاق سري بين قيادة الجماعة وإسرائيليين

نافذة اليمن | 347 قراءة 

أول دولة خليجية تقرع طبول الحرب ضد إيران

عدن توداي | 322 قراءة 

محلل يمني يحذّر من تغيّرات مفصلية ويكشف السيناريو الأقرب للحدوث

نيوز لاين | 304 قراءة