في مدينة اعتادت أن تستيقظ على واقع الاغتيالات أكثر من بيانات التوضيح، جاءت محاولة اغتيال قائد اللواء الثاني عمالقة، العميد حمدي شكري، غربي مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد (جنوبي اليمن)، لتعيد طرح السؤال الأشد خطورة: من المستفيد؟
وفي ظل التغيرات الطارئة جنوبي وشرقي اليمن، وإجراءات الحكومة اليمنية المعترف بها، والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لترتيب ودمج القوات اليمنية، تبرز محاولة اغتيال العميد شكري كحدث لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني الأوسع في اليمن.
فالتزامن اللافت لهذه الواقعة مع التحركات الجارية الرامية إلى تقليص نفوذ الإمارات وأدواتها المحلية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت هذه الحادثة تمثل ردّ فعل منظم من "أبوظبي" لخلط الأوراق، وإرباك المسار الجديد، وإعاقة الجهود السعودية الرامية إلى تثبيت الاستقرار ودفع مسار التسوية السياسية.
فالحادثة، التي لم تُكشف ملابساتها بعد، تتجاوز كونها استهدافاً لشخص بعينه، لتفتح باباً واسعاً على صراع نفوذ متشابك، ورسائل سياسية وأمنية تُدار في الظل، خاصة تلك الأطراف التي فقدت نفوذها في اليمن.
وأمس الأول الأربعاء، نجا قائد اللواء الثاني عمالقة، العميد حمدي شكري، من محاولة اغتيال بسيارةٍ مفخخة استهدفت موكبه في منطقة جعوله جنوب غرب مديرية تبن بمحافظة لحج (جنوب اليمن)، الواقعة بين محافظتي عدن ولحج.
وأعلنت الحكومة اليمنية مقتل 5 جنود وإصابة 3 آخرين في الهجوم الذي استهدف الموكب العسكري في عدن واعتبرت ما حدث "عملا إجراميا جبانا ومحاولة يائسة لإرباك جهود تثبيت الأمن وتوحيد القرارين العسكري والأمني".
في هذا التقرير يحاول "بران برس" تفكيك خلفيات محاولة الاغتيال، وقراءة السيناريوهات والدوافع المحتملة، بحثاً عن الجهة التي قد تكون الأكثر استفادة من بقاء عدن على حافة الانفجار، في ظل التحولات المتسارعة داخل المشهد اليمني.
التحالف يتوعد
وعقب الجريمة التي لاقت تنديداً دولياً وعربياُ واسعين، أكد تحالف دعم الشرعية في اليمن في بيان لمتحدثه الرسمي اللواء الركن تركي المالكي، أنه سيضرب بيد من حديد كل من يحاول استهداف عدن والمحافظات "المحررة".
وأدان المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية ما وصفه بـ"الهجوم الإرهابي الجبان" الذي استهدف موكب العميد حمدي شكري، مؤكداً مواصلة التحالف تنسيقه مع الجهات المعنية لضمان أمن المواطنين والحفاظ على الاستقرار.
ودعا المالكي إلى وحدة الصف ونبذ الخلافات والعمل مع الحكومة اليمنية للتصدي لأي محاولات تخريبية أو عمليات إرهابية قال إنها لن تنجح في زعزعة السلم المجتمعي.
وجدد متحدث التحالف التأكيد على التزام التحالف بدعم الجهود الأمنية اليمنية لملاحقة المتورطين في الهجوم وتقديمهم للعدالة، واستمرار دعمه الثابت للقوات الأمنية والعسكرية.
إرباك المسار الجديد
الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الدكتور "علي الذهب"، يرى أن عملية محاولة اغتيال العميد حمدي شكري "تحمل أهدافاً كثيرة وليس هدفاً محدداً، أولها خلق فراغ قيادي داخل صفوف قوات العمالقة، بما يتيح استبداله بطريقة دموية".
وفي تصريح لـ"بران برس" يقول الذهب: "الرجل لديه موقف واضح ولا ينحاز إلى قضايا التشطير، ولا يظهر أي تطرف تجاه القضايا التي تميل إليها بعض الفصائل الجنوبية".
وأكد أن "محاولة الاغتيال تهدف إلى خلق حالة من الفوضى، وإعاقة انسجام عمل اللجنة العسكرية التي على رأسها العميد شكري في نقل المعسكرات والأسلحة من داخل عدن إلى خارجها، وإحلال قوات أخرى".
وعمّن يقف وراء محاولة اغتيال شكري، يرى الباحث العسكري أن "المناوئين للإجراءات الحالية بعد اخماد الانقلاب والتمرد الذي قاده المجلس الانتقالي (المنحل) بقيادة عيدروس الزبيدي وكذا الرافضين لعملية اخلاء عدن من المعسكرات وترسانة الأسلحة هم من يقفون وراء ذلك".
ووفقًا لـ"الذهب"، فإن عملية الاغتيال ومحاولة عودة الفوضى والإرهاب إلى عدن والمناطق الجنوبية المحررة تأتي في سياق خلط الأوراق وإرباك المسار الجديد واعاقة جهود الحكومة اليمنية والسعودية الرامية إلى تثبيت الاستقرار ودفع مسار التسوية السياسية، ومحاولة تشويه المرحلة الراهنة ورجالها والتغيير الحاصل والقوات الجديدة التي حلت محل القوات السابقة التابعة للانتقالي والمدعومة إماراتيا.
خلط الأوراق
الباحث والمحلل في الشؤون الأمنية والسياسية عاصم المجاهد، يقول "إذا قرأنا محاولة اغتيال حمدي شكري خارج السياق العام سنقع في تبسيط مخلّ، وما جرى لا يمكن فصله عن لحظة إعادة تشكيل الجنوب نفسه، ولا عن كون الرجل بات في قلب مسار حساس يتجاوز شخصه إلى وظيفة يؤديها داخل معادلة أكبر".
في تصريح لـ "بران برس" يضيف المجاهد "من الناحية العسكرية والأمنية البحتة أنا أميل إلى اعتبار ما حدث أقرب إلى رسالة تهديد منظمة منه إلى عملية اغتيال تقليدية، وباعتقادي أن الهدف ليس التصفية الجسدية بقدر ما هو كسر الإيقاع وإرباك الدور".
وتابع "التوقيت دقيق والشخصية المختارة ليست عشوائية، نحن نتحدث عن ضابط مشارك ومشرف على ملف إخلاء عدن من المعسكرات والتشكيلات المسلحة، وهو ملف -وفق المجاهد- يمسّ مصالح مباشرة لقوى اعتادت أن تدير المدينة من خارج منطق الدولة". مشيراً إلى أن هذا النوع من العمليات عادة يُستخدم حين تريد جهة ما أن توجه رسالة.
وبشأن الرد على التساؤل هل يحمل الانفجار بصمات إماراتية يقول الباحث الأمني المجاهد إن "هذا السؤال الأكثر حساسية، وأنا هنا أتحفّظ مهنيًا على لغة الاتهام المباشر، لكن في التحليل الأمني نحن لا نتعامل مع النيات بل مع منطق المستفيد".
وأردف "التوترات التي شهدتها حضرموت، حل المجلس الانتقالي، وتقليص نفوذ أبوظبي في أكثر من ملف، كلها تطورات ثقيلة لا تمرّ بلا ارتدادات، ومن الطبيعي أن تلجأ القوى المتضررة إلى أدوات خلط الأوراق، ليس بالضرورة عبر قرار إماراتي مباشر، لكن عبر شبكات نفوذ، أذرع محلية، أو غضّ طرف يسمح للفوضى أن تقوم بالمهمة".
يستدرك الباحث الأمني "عدن في هذه اللحظة ساحة صراع صامت، والصراع الصامت أخطر من الصدام العلني، لأن أدواته لا تُرى بسهولة، وما يرشح من معلومات حول استدعاء قادة في العمالقة إلى أبوظبي، والضغط لإعادة شدّ الخيوط داخل التشكيلات، يعكس قلقًا حقيقيًا من فقدان السيطرة، وفي مثل هذه اللحظات يصبح استهداف شخصية مثل حمدي شكري خطوة وقائية لا هجومية، ضربة تحذير قبل أن يكتمل التحول" وفق تعبيره.
ويرى أن المستفيد من تفجير الأوضاع في عدن هو كل طرف يخسر من مشروع تحويل المدينة إلى عاصمة مؤقتة فعلية للدولة، كل من بنى نفوذه على وجود قوة موازية، وكل من يدرك أن إخلاء المعسكرات يعني نهاية امتيازات وسقوط أدوات ضغط ونفوذ".
أما عن الخطوات المطلوبة تجاه معرقلي إخلاء عدن من المعسكرات يقول المجاهد "أعتقد أن التردد هو الخطر الأكبر، فأي تسوية رمادية ستُفسَّر ضعفا".
وشدد الباحث والمحلل في الشؤون الأمنية والسياسية على أهمية نقل الملف الأمني والعسكري بالكامل إلى مؤسسات الدولة دون استثناء، وتفكيك البنى المسلحة الموازية لا إدارتها أو استيعابها شكليا، ومحاسبة واضحة لا رمزية، لأن الإفلات من العقاب هو الوقود الحقيقي للفوضى"، كما يقول.
طمس آثار الجريمة
وعقب التفجير الذي استهدف موكب القائد العسكري شكري نفذ أفراد من قوات الحزام الأمني الموالية للمجلس الانتقالي (المنحل) مداهمة المحال التجارية القريبة من مكان التفجير وأخذ كاميرات المراقبة.
وقالت مصادر أمنية لـ "بران برس" إن جنوداً من الحزام الأمني قاموا بتمشيط الشارع الرئيسي في مدخل منطقة جعولة والشوارع الفرعية المجاورة لموقع التفجير، وأخذ كل كاميرات المراقبة من المحال التجارية، في محاولة لطمس الأدلة من محيط وموقع الجريمة، الأمر الذي يكشف تورط تلك القوات التي تدعمها الإمارات.
وأبدت المصادر تخوفها من محاولة الحزام الأمني الذي كانت تدعمه دولة الإمارات لطمس الأدلة من محيط وموقع الجريمة، في الوقت الذي تؤكد فيه معلومات أمنية، أن السيارة المفخخة، والتي استخدمت في التفجير، جرى رصدها سابقاً في حوش يتبع مدير شرطة دار سعد مصلح الذرحاني، المقرب من عيدروس الزبيدي.
إزاء ذلك تؤكد المصادر أن ما تم كشفه من معلومات يعزز أن دولة الإمارات تقف وراء محاولة اغتيال القيادي في ألوية العمالقة، حمدي شكري، شمالي مدينة عدن، خاصة أن موالين للمجلس الانتقالي ظهروا في أوقات سابقة وهم يهددون بتصفية شكري.
صراع النفوذ
واجه العميد حمدي شكري، توترات وصراعات نفوذ مع الانتقالي (المنحل) والمكونات الموالية له في عدن ولحج، خاصة في مناطق الصبيحة ورأس العارة، منذ مطلع العام الماضي تتعلق بالسيطرة الأمنية والولاءات، حيث يُنظر إليه كقوة قبلية وعسكرية مستقلة نسبياً، تتلقى دعماً إماراتياً وتتعارض مصالحها أحيًا مع أجندات الانتقالي، مما أدى لتصاعد التوتر، وتوجيه اتهامات وتصريحات متبادلة، ومحاولات لدمج قواته ضمن هيكليات أوسع لتقليل نفوذها المنفرد.
وسبق عملية الاستهداف هذه حملات تحريض ممنهجة من قيادات عسكرية وأمنية بارزة في الانتقالي، تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، في فيديوهات تتهم العميد شكري بما سمته "العمل ضد القضية الجنوبية"، وتدعو إلى تصفيته.
ومنتصف أغسطس/ آب الماضي، خاضت قوات الحملة الأمنية المشتركة التي يقودها العميد حمدي شكري، بمديرية المضاربة ورأس العارة غربي لحج اشتباكات عنيفة مع مسلحين يتبعون قائد لواء مقال من المجلس الانتقالي الجنوبي.
ونقل "بران برس" حينها عن مصادر محلية وأخرى أمنية، إن الاشتباكات اندلعت بين قوات الحملة الأمنية المشتركة، التي يقودها شكري، ومسلحين يتبعون "فاروق الكعلولي" قائد لواء سابق في الحزام الأمني التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي أقيل قي وقت سابق، على طول الخط الساحلي بمركز مديرية رأس العارة، على ذمة تهريب أسلحة وبسط نفوذ.
يشار إلى أن العميد حمدي شكري تم تكليفه عام 2023 بقيادة حملةٍ أمنية وعسكرية لضبط الاختلالات الأمنية في مختلف المديريات شمال وغرب محافظة لحج، وكذلك الطريق الرابطة بين تعز ولحج.
كما جرى تكليفه، منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري، بتأمين محافظتي عدن ولحج، عقب انسحاب قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة وفرار رئيس المجلس الانتقالي ومحافظ عدن إلى خارج اليمن.
وقبل أيام من عملية التفجير هدد نائب رئيس المجلس الانتقالي (المنحل) هاني بن بريك الذي يقيم في أبوظبي في تصريحات أدلى بها إلى قناة "سكاي نيوز عربية" بعودة الاغتيالات والتفجيرات لما سماها تنظيما "القاعدة وداعش" في عدن والمحافظات الجنوبية، في تصريحات عدها مراقبون محاولة فرض معادلة ابتزاز ضد الرياض، بالتلويح بورقة الفوضى والإرهاب التي برعت فيها الإمارات طيلة الأعوام السابقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news