البودكاست: بالونة الذاكرة الفردية تحجب التأريخ الجمعي

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 31 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
البودكاست: بالونة الذاكرة الفردية تحجب التأريخ الجمعي

ازدهر البودكاست (لن أكتب النظير العربي، ولا حول لي في ذلك)، وتفرّع وتفرّخ، إلى درجة أغرت قنوات التلفزة، لا لتتهافت عليه فحسب، بل لتجعله البديل الأرخص لإعلام الجماهير.

هناك قناة أغلقت، ظنّاً منها أنها ستقفز إلى المستقبل عبر البودكاست كما يُشاع.

لا أملك تفسيراً دقيقاً لهذا الازدهار، عدا فرصة اللحاق بالركب — ولو قفز إلى النهر، كما تفعل ثيران النو التنزانية المهاجرة لفعلوا مثله— والتهرب من المساحة المتلفزة المؤطَّرة، وسرد حكاية شخصية طويلة لا تحتملها القنوات مالياً ولا برامجياً، ضمن موجة تضخيم الذات وتقديس التجربة الفردانية: أنت سُرّة الكون، ولديك ما يُحكى مهما كان بسيطاً، فلا تتأخر/ين.

وقبل الذهاب نحو لبّ الأمر، سأعرّج على المخاطر التي تكتنف تبنّي قنوات التلفزة للبودكاست: ارتهان المُحاور للمنصة، في البداية مالياً وتالياً في حرية التعبير والاختيار والتوجّه، والتفاف على الفضاء الإعلامي البديل… إلخ.

لكن في عالم مفرط في التسييس، تضاءلت البودكاست المتخصصة أو العامة الطريفة الخفيفة لتنعطف جميعها نحو السياسة. وهنا تبدّل دور المُحاور من مُسيّر للحديث إلى صحفي لم ينضج بعد، مثل طبق «بيض عيون».

يستقبل المحاورون شخصيات سياسية لم تخرج من المشهد كاملاً، ويتركون لها مساحة للتعبير على غرار الطبيعة الأولية للبودكاست، بينما يقدّم المتحدث رواية ستظل سياسية، ليس انطلاقاً من الماضي البعيد، بل في صميم أحداث اليوم.

لا المحاور استكمل التحضير حتى يحمل أسئلة الجمهور، ولا المتحدث يتعفف عن الخوض السياسي.

يتحدث الضيف من ذاكرته الشفاهية، وهذه خادعة لا يطعن أحد في قصورها. وتتراكب حقول المحكي بين الذاتي والموضوعي، بين الشأن العام والشأن الخاص، بين الدفاع والسرد.

تتغير وظيفة البودكاست إلى منصة تأريخ، دون استناد ولا وثائق ولا مواجهة ولا مقارنة ولا مراجعة.

ودون أن يدري المحاور، فإنه يتبنى خطاب المتحدث الذي أمامه.

في بلاد لا يوجد فيها مؤرخون، ولا تقوم الصحافة التقليدية بدورها، ولا يكتب الساسة مذكّراتهم، وليست الوثائق العامة متاحة للدارسين، ولا تُنتج وثائقيات رصينة، ولا يوجد أرشيف وطني مفتوح ومُصان؛ تغدو الذاكرة الفردية، بكل ما فيها من قصور في الاستذكار، وتحيّز نحو البطولة، وحمولة عاطفية، وابتسار وانتقائية، وآليات دفاع، وغياب الوثائق، تاريخاً بديلاً.

يُتاح للمتحدث أن يقدّم روايات خاطئة، وأرقاماً غير دقيقة، ومعلومات مُضلِّلة، وتُهَماً جاهزة.

سبق أن قلت هذا في مقام آخر: الإعلام أداة خطيرة ومسؤولية كبيرة، وعدم الحرص فيه يفسد الرأي والحاضر والماضي.

التسيّب فيه يفسد الحريات ويقوّض الديمقراطية. تدرك الأنظمة الديمقراطية هذا الأمر، ولديها مؤسسات إعلامية يقظة تقاوم الاستحواذ وهيمنة رأس المال والشعبوية.

فمثلاً، في مقابلات الحملات الانتخابية التي تحظى بمتابعة كبيرة، لا يُتاح للمرشح/الضيف أن يقدّم أي معلومة خاطئة. هناك فريق يبحث أولاً بأول في الأرقام والمواقف، ويصحّحها في أذن المذيع المُسيّر أو على الشاشة، منعاً للكذب السياسي.

ما هي حيلة مذيع البودكاست أمام هذه الخيارات؟

البودكاست، ومثله قنوات اليوتيوب نصف الخمدة، في المحصلة، ينفخ في بالونة الذاكرة الفردية، حيث يظهر المتحدثون أبطالاً من نوع أنصاف الآلهة، ويحجب التأريخ أو الأرخنة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل.. بيان ناري لمكتب إعلام عدن بشأن القائد جلال الربيعي

موقع الأول | 807 قراءة 

قوات من العمالقة تغادر الساحل الغربي وتتجه نحو عدن.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 675 قراءة 

صحفي يكشف هوية وزير الداخلية الجديد في حكومة الزنداني المرتقبة

الخليج اليوم | 618 قراءة 

إطلاق دفعة صواريخ باليستية من تعز باتجاه الساحل الغربي يثير حالة من القلق والترقب

المنتصف نت | 548 قراءة 

ماحقيقة ظهور عيدروس الزبيدي ودعوته لهذا الامر الليلة بعدن

كريتر سكاي | 502 قراءة 

عاجل.. الحوثي يطلق رشقة صواريخ نحو هذا المكان ومصادر تكشف الغموض حول الهدف

نافذة اليمن | 484 قراءة 

مغترب يمني يكشف تفاصيل صادمة عن أكبر عملية احتيال تعرض لها في السعودية

نيوز لاين | 481 قراءة 

عاجل السياسي أحمد الصالح: المناصفة الحالية "غير عادلة" وأي حكومة تتجاوز إرادة الجنوبيين ستكون "حكومة منفى"

عدن الحدث | 476 قراءة 

الطيران الأمريكي يقصف مأرب بغارة جوية.. استهدفت اجتماع قيادات وأفراد

نافذة اليمن | 360 قراءة 

فضيحة مضاربة جديدة.. الداعري يكشف مخطط هوامير الصرافة!

موقع الأول | 342 قراءة