قبل أن تذهبوا إلى الرياض للحوار استيقظوا من أوهامكم وتذكروا أن الوطن ليس كيلومترات على خريطة أو ساحات مخصصة لتفريغ شحنات العاطفة عبر الرقص والشعارات الجوفاء، تذكروا أن الوطن وعي تاريخي متراكم وخطاب سياسي ناضج يتجاوز لغة العنتريات والصراخ في الفراغ. تذكروا خطيئة القفز المتعمد فوق المفصل التاريخي الحاسم الذي شكلته ثورة 14 من أكتوبر وما تلاها من تأسيس لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتذكروا خطيئة التفكير بالتقهقر بدلاً من ذلك إلى عصور التشرذم والسلطنات والمشيخات، هذه ردة حضارية وانتحار سياسي يعيدكم إلى ولاءات لا يمكن أن تشكل يوماً هوية وطنية جامعة أو أساساً لبناء دولة تحترمها الأمم.
قدمت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، برغم عثراتها نموذجاً حقيقياً للدولة المدنية التي لا تعترف بالتحشيد المناطقي ولا بالسلفية الدينية ولا بالقبيلة كمرجعية للحكم، كانت دولة مؤسسات وقانون قبلتها عدن المدنية الطامحة للتحديث والمساواة، وهو الإرث الوحيد الذي يمنحكم خصوصية تستحق الاحترام، لكنكم وبدلاً من البناء عليه استبدلتم القادة الحقيقيين والمثقفين الذين صهرتهم الخبرة بوجوه لا تعرف سوى اجترار المقولات السطحية والنفخ في الشخصيات الكرتونية، شخصيات تنتج لكم خطاباً هزيلاً منقطع الجذور مشوش الوجهة، ولا هدف لها سوى تكريس وجاهات زائفة تفتقر لأي رؤية استراتيجية.
قمة الفشل والخذلان للذات تبدأ حين يقتنع صاحب المشروع المنهار أن عدوه الوحيد هو “المؤامرة الخارجية”، متناسياً أن رغبته في التسلط الفارغ هي التي صنعت شروط انكساره. نعم هناك قوى إقليمية ومصالح دولية، لكنكم كنتم أول من ضرب بها عرض الحائط بجهلكم المطبق، وأوهمتم قطاعاً واسعاً من المجتمع بأحلام وردية كاذبة، والآن حين اصطدمتم بالواقع ترفضون الاعتراف بأن الخلل في طريقة تفكيركم وفي إقصائكم للأكثر حكمة وقدرة من بينكم على إدارة الصراعات بهدوء وثقة، فمن يصرخ بأعلى صوته ويقصي كل من حوله هو ببساطة لا يدرك عمق قضيته ولا يملك الأدوات لخدمتها.
ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مزيداً من حفلات جلد الذات بل مراجعة شجاعة ومرة تستعيد الوعي بالهوية المدنية بعيداً عن عنتريات القبيلة وتسليح السلفيين وأصحاب الولاءات العمياء، تذكروا ان الكوارث المتلاحقة وآخرها ما جرى في حضرموت والمهرة تحتم عليكم صياغة خطاب سياسي وطني قادر على الإقناع، وإفساح المجال للقيادات التي تمتلك الحد الأدنى من التعقل بعيداً عن شحن العواطف بالأوهام، اذهبوا إلى الحوار مع القيادات التي أقصيتموها لأنهم كانوا يفهمون جذور القضية أكثر منكم، واسكتوا ثرثرة الجهلة وسفاهة المتقطعين، وأوقفوا أصحاب المناصب الوهمية عن إصدار بياناتهم المثيرة للشفقة، فالحقيقة تقول إن القضية العادلة عندما يدافع عنها الحمقى تخسر أكثر مما تكسب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news